الباب الثالث: في الاستدلال
٣٦ فقرة، ج ١ ص ٧٣٤
- ج ١ ص ٧٣٤
اعلم أن الاستدلال قد يكون بطريق التلازم بين الحكمين، وقد يكون بطريق التنافي بينهما.
-
فإن كان بطريق التلازم فهو ثلاثة أقسام.
-
استدلال بالمعلوم على العلة.
-
واستدلال بالعلة على المعلول.
-
واستدلال بأحد المعلولين على الآخر.
-
وإن كان بطريق التنافي فهو ثلاثة أقسام أيضا:
تناف بين حكمين وجودا وعدما
وتناف بينهما وجودا فقط.
-
وتناف بينهما عدما فقط.
-
فجميع أقسام الاستدلال ستة.
- ج ١ ص ٧٣٥
[القسم الأول: الاستدلال بالمعلول على العلة]
-
ومثاله: استدلال أصحابنا على: أن الوتر يجوز أن يؤدي على الراحلة، وما يجوز أن يؤدي على الراحلة فهو نفل، فالوتر نفل.
-
وذلك أن جواز الأداء على الراحلة أثر من آثار التنفل، ومعلول من معلولاته، ولذلك لا تؤدي الفرائض على الراحلة، فإذا ذكر هذا الاستدلال أصلا كركعتي الفجر مثلا، لكان قياسًا للدلالة.
-
ومثاله أيضا: احتجاج أصحابنا وأصحاب الشافعي على أن المكاتب لا
ج ١ ص ٧٣٦يجزئ عتقه في الكفارة، بأن عتق المكاتب واقع على غير جهة الكفارة، [وكل عتق وقع على غير جهة الكفارة، فلا يجزيء عن الكفارة.
-
وإنما قلنا إنه وقع على غير جهة الكفارة]، لأنه واقع على جهة الكتابة، لأنه لا يمتنع الإيلاد والكسب منه، لوجود أثر الكتابة، وذلك خاصة العقد الذي التزمه، فإذا قضى بالاعتاق، فحق العبد الملتزم لم يزل مرتهنا بالواجب الشرعي.
-
واعلم أنه كما يستدل بوجود أثر الشيء على وجوده، فكذلك يستدل بعدم أثر الشيء على عدمه.
-
ومثاله: احتجاج الشافعية ومن يوافقهم من أصحابنا على: أن بيع
ج ١ ص ٧٣٧الفضولي لا يصح، بأنه لما لم يفد الملك لم ينعقد، لأن ثمرة العقد وأثره إنما هو الملك، فإن الأسباب الحكمية لا تراد لنفسها وإنما تراه لأحكامها.
-
[القسم الثاني: الاستدلال بالعلة على المعلول]
-
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن بيع الغائب صحيح، لأنه حلال، عملا بقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} وإذا كان حلالا وجب أن يكون صحيحا، لأن الحل علة الصحة.
-
ومنه احتجاج الشافعية وبعض أصحابنا على: أن منافع المغصوب مضمونة للمغصوب منه، بأن يقولوا: إن المنافع مملوكة
ج ١ ص ٧٣٨للمغصوب منه، لأنها تبع للمغضوب في الملك إجماعا، وإذا كانت مملوكة للمغضوب منه وجب أن تكون مضمونة له.
-
واعلم أنه كما يستدل بالعلة على المعلول، فقد يستدل بعدم العلة على عدم المعلول.
-
ومثاله: احتجاج الشافعية على أن المقر له بالمال إذا لم يثبت لا يستق شيئا، لأنه إذا لم يثبت الاستلحاق الذي هو النسب، فلا يثبت الاستحقاق.
-
[القسم الثالث: الاستدلال بأحد المعلولين على الآخر]
-
اعلم أن أحد المعلولين - وهو المعلول المستدل عليه - لابد وأن يكون شرعيًا، وأما المعلول المستدل به فقد يكون شرعياـ، وقد يكون حقيقا.
-
أما الحقيقي فمثاله: احتجاج أصحابنا وأصحاب الشافعي على نجاسة
ج ١ ص ٧٣٩العظم بعد الموت بأن العظم جزء من الحي يتألم الحي بإبانته، وكل جزء يتألم الي بإبانته فإنه نجس بعد الموت، فالعظم نجس بعد الموت.
-
وبيان ذلك أن الحياة علة في التألم حقيقة، وفي النجاسة بعد الموت شرعا.
-
وأما الشرعي فمثاله: احتجاج الشافعية على وجوب الزكاة على المديان في العين، بوجوبها عليه في الحرث والماشية، إذ هما معا معلولان لعلة واحدة، وهو الغنى بملك النصاب، والمعلولان معا شرعيان.
-
ومنه: احتجاج أصحابنا على ان المكره على القتل يقتل، بأن المكره على القتل يحر عليه القتل ويعصي به إجماعا، وكون القتل معصية، ووجوب القصاص به معلولان معا لعلة واحدة، وهي أهلية القاتل للخطاب.
- ج ١ ص ٧٤٠
[القسم الرابع: التنافي بين الحكمين وجودا وعدما]
-
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن المديان لا تجب عليه الزكاة، بأن أخذه للزكاة وأعطاه إياها متنافيان وجودا وعدما.
-
وبيان ذلك: أنه إما أن يكون غنيا، وإما أن يكون فقيرًا، وعلى كلا التقديرين يلزم أحد الحكمين وعدم الآخر.
-
أما إن كان غنيا فيلزم وجوب إعطائه الزكاة، وحرمة أخذها عليه، وأما إن كان فقيرًا فيلزم إباحة أخذه للزكاة وسقوطها عنه، وإذا ثبت التنافي بين الحكمين وجودا وعدما، وقد ثبت أحدها وهو جواز أخذه للزكاةإجماعا فوجب عدم الآخر، وهو وجوبها عليه.
- ج ١ ص ٧٤١
القسم الخامس: التنافي بين الحكمين وجودًا فقط
ومثاله: احتجاج الشافعية على عدم نجاسة المني، بأن نجاسة المني وجواز الصلاة به متنافيان، لكن الصلاة به جائزة فهو ليس بنجس.
-
وإنما كانت الصلاة به جائزة لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلت المنى من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه.
- ج ١ ص ٧٤٢
[القسم السادس: التنافي بين الحكمين عدما فقط]
-
ومثاله: احتجاج أصحابنا على طهارة ميتة البحر بعدم تحريم أكلها فإن الطهارة وحرمة الأكل لا يرتفعان، لأن كل ما ليس بطاهر فهو حرام الأكل، وكل ما ليس بحرام الأكل فهو طاهر، لكن ميتة البحر ليست بحرام الأكل، لقوله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته.
-
فوجب أن تكون ميتة البحر طاهرة.
-
فهذا تمام القول في الاستدلال، وبه تم الكلام في الجنس الأول.