قاعدة [٥٢] في التصرف في المملوكات قبل قبضها.

١٠٨ فقرة، ج ١ ص ٣٤٧

الصفحة ١ من ٣

  1. وهي منقسمة إلى عقود وغيرها.

    ج ١ ص ٣٤٧
  2. فالعقود نوعان:

    أحدهما: عقود المعاوضات، وينقسم إلى بيع وغيره.

  3. فأمَّا البيع: فقالت طائفة من الأصحاب: التَّصرُّف قبل القبض والضَّمان متلازمان، فإن كان المبيع مضموناً على البائع؛ لم يجز التَّصرُّف فيه للمشتري حتَّى يقبضه، وإن كان قبل القبض من ضمان المشتري؛ جاز له التَّصرُّف فيه، وصرَّح بذلك القاضي في «الجامع الصغير» وغيره، وجعلوا العلَّة المانعة من التَّصرُّف: توالي الضَّمانات (١) .

  4. وفي المذهب طريقة أخرى، وهي أنَّه لا تلازم بين التَّصرف والضَّمان (٢) ؛ فيجوز التَّصرُّف والضَّمان على البائع؛ كما في بيع الثَّمرة

    ج ١ ص ٣٤٨قبل جَذِّها، فإنَّه يجوز في أصحِّ الرِّوايتين، وهي مضمونة على البائع، ويمتنع التَّصرُّف في صبرة الطَّعام المشتراة جزافاً على أصحِّ (١) الرِّوايتين وهي اختيار الخرقيِّ، مع أنَّها (٢) في ضمان المشتري (٣) ، وهذه طريقة الأكثرين من الأصحاب؛ فإنَّهم حكوا الخلاف في بيع الصُّبرة مع عدم الخلاف في كونها مضمونة على البائع (٤) .

  5. وممَّن ذكر ذلك: ابن أبي موسى، والقاضي في «المجرَّد» و «الخلاف» ، وابن عقيل في «الفصول» و «المفردات» ، والحلوانيُّ وابنه وغيرهم.

  6. وصرَّح ابن عقيل في «النَّظريَّات» بأنَّه (١) لا تلازم بين الضَّمان والتَّصرُّف.

    ج ١ ص ٣٤٩
  7. وعلى هذا (٢) ؛ فالقبض نوعان: قبض يبيح التَّصرُّف، وهو الممكَّن في حال العقد، وقبض ينقل الضَّمان، وهو القبض التَّامُّ المقصود بالعقد.

  8. وقد حكى ابن عقيل وغيره الخلاف فيما يمتنع التَّصرُّف فيه قبل قبضه؛ هل هو المبهم، أو جنس المكيل والموزون وإن بيع جزافاً، أو المطعوم خاصَّة، مكيلاً أو موزوناً كان أو غيرهما (٣) ، أو المطعوم المكيل أو الموزون؟

  9. ونقله مهنَّى عن أحمد (٤) ، وضعَّف القاضي هذه الرِّواية، ورجَّحها صاحب «المغني» ، ولم يذكروا في الضَّمان مثل ذلك (٥) .

  10. واختار ابن عقيل: المنع من بيع جميع الأعيان قبل القبض؛ معلِّلاً

    ج ١ ص ٣٥٠بأنَّ العقد الأوَّل لم يتمَّ؛ حيث بقي من أحكامه التَّسليم؛ فلا يرد عليه عقد آخر قبل انبرامه، ولم يجعل الضَّمان ملازماً له (١) .

  11. وكلام القاضي في «الجامع الصغير» قد يتأوَّل بأنَّه ذكر أنَّ المتعيِّن يجوز بيعه قبل القبض، وغير المتعيِّن لا يجوز، ثمَّ لازم بعد ذلك بين جواز البيع والضَّمان، وهو صحيح على ما ذكره؛ فإنَّه اقتصر على ذكر جادَّة المذهب، وهو أنْ لا ضمان ولا منع (٢) إلَّا في المبهم خاصَّة (٣) .

  12. وممَّا يبيِّن أنْ لا تلازم بين التَّصرف والضَّمان (٤) : أنَّ المنافع المستأجرة يجوز أن يؤجرها المستأجر وهي مضمونة على المؤجر الأوَّل، والثَّمر المبيع على شجره يجوز بيعه على المنصوص وهو مضمون على البائع الأوَّل، والمقبوض قبضاً فاسداً كالمكيل إذا قبض جزافاً ينتقل الضَّمان فيه إلى المشتري، ولا يجوز التَّصرُّف فيه قبل كيله، وبيع الدَّين ممَّن هو في ذمَّته جائز على المذهب وليس مضموناً على مالكه، وكذلك المالك يتصرَّف في المغصوب والمعار والمقبوض بعقد فاسد وضمانها على القابض.

  13. والتَّعليل بتوالي الضَّمانين ضعيف؛ لأنَّه لا محذور فيه، كما لو تبايع

    ج ١ ص ٣٥١الشِّقصَ المشفوع جماعة ثمَّ انتزعه الشَّفيع من الأوَّل.

  14. وكذلك التَّعليل بخشية انتقاض الملك بتلفه عند البائع؛ يبطل بالثَّمر (١) المشترى في رؤوس الشَّجر وبإجارة المنافع المستأجرة (٢) ، وبهذا أيضاً ينتقض تعليل ابن عقيل (٣) ، وببيع الدَّين ممَّن هو عليه (٤) ، ولأنَّ (٥) البائع وفَّى ما عليه بالتَّخلية والتَّمييز؛ فلم يبق له علقة في العقد.

  15. وعلَّل أيضاً: بأنَّه داخل في بيع ما ليس عنده، وهو شبيه بالغرر؛ لتعرُّضه للآفات، وهو يقتضي المنع في جميع الأعيان.

  16. وأشار الإمام أحمد إلى أنَّه (٦) المراد من النَّهي عن ربح ما لم

    ج ١ ص ٣٥٢يضمن؛ حيث كان مضموناً على بائعه، فلا يربح فيه مشتريه، وكأنَّه (١) حمل النَّهي عن الرِّبح على النَّهي عن أصل البيع؛ لأنَّه مَظِنَّة الرِّبح.

  17. ويتخرَّج له قول آخر: أنَّ المنهيَّ عنه هو حقيقة الرِّبح، دون البيع بالثَّمن الَّذي اشتراه به؛ فإنَّه منع في روايةٍ من إجارة المنافع المستأجرة إلَّا بمثل الأجرة؛ لئلَّا يربح فيما لم يضمن، ومنع في رواية أخرى من ربح ما اشتراه المضارب على وجه المخالفة لربِّ المال؛ لأنَّه ضامن له بالمخالفة؛ فكره أحمد ربحه؛ لدخوله في ربح ما لم يضمن، وأجاز أصل البيع، وأجاز الاعتياض عن ثمن المبيع قبل قبضه بقيمته (٢) من غير ربح؛ لئلَّا يكون ربحاً فيما لم يضمنه.

  18. فيُخرَّج من هذا روايةٌ عنه: أنَّ كلَّ مضمون على غير مالكه يجوز بيعه بغير ربح، ويلزم مثل ذلك في بيع الدَّين من الغريم، والثَّمر على رؤوس النَّخل، وغيرهما ممَّا لم يضمنه البائع (٣) .

  19. ونقل حنبل عن أحمد في بيع الطَّعام الموهوب قبل قبضه: لا بأس به ما لم يكن للتِّجارة، وهذا يدلُّ على أنَّ الممنوع في بيع الطَّعام قبل قبضه هو الرِّبح والتَّكسُّب، ولا فرق في ذلك بين بيعه من بائعه وغيره،

    ج ١ ص ٣٥٣وقد نصَّ أحمد على منع بيعه من بائعه حتَّى يكيله (١) .

  20. واختلف الأصحاب في الإقالة فيه قبل القبض؛ فمنهم من خرَّجها على الخلاف في كونها بيعاً أو فسخاً، فإن قيل: إنَّها بيع؛ لم يصحَّ، وإلَّا صحَّت (٢) .

  21. وعن أبي بكر: أنَّه منعها (٣) على الرِّوايتين بدون كيل ثان؛ لأنَّها تجديد ملك.

  22. ويتخرَّج لنا رواية ثانية: بجواز البيع من البائع؛ لأنَّ أحمد أجاز في رواية منصوصة عنه بيعه من الشَّريك الَّذي حضر كيله وعلمه من غير كيل آخر؛ فالبائع أولى.

  23. وحكى القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل في «الفصول» في كتاب الإجارات روايتين في جواز بيعه قبل القبض من بائعه خاصَّة، وذكرا مأخذها، وهو اختلاف الرِّوايتين عنه في بيع الدَّين في الذِّمة إذا كان طعاما مكيلاً أو موزوناً قبل قبضه، وهذا مخالف لما ذكراه في البيع؛ فإنَّهما خصَّا فيه (٤) الرِّوايتين بما في الذِّمَّة، سواء كان طعاماً أو غيره (٥) .

  24. وهذا في التَّصرُّف فيه (١) بالبيع، وأمَّا غيره من العقود؛ فقال القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل: لا يجوز رهنه ولا هبته ولا إجارته قبل القبض؛ كالبيع، ثمَّ ذكرا في الرَّهن عن الأصحاب: أنَّه يصحُّ رهنه قبل قبضه؛ لأنَّه لا يؤدِّي إلى ربح ما لم يضمن، بخلاف البيع.

    ج ١ ص ٣٥٤
  25. وفي هذا المأخذ نظرٌ؛ لأنَّ الرَّهن إنَّما يصحُّ فيما يصح بيعه؛ لأنَّه يفضي إلى البيع، لكن تركه (٢) في يد البائع لا يطول غالباً، وقبضه متيسِّر؛ فلذلك يصحُّ رهنه.

  26. وعلَّل ابن عقيل المنع من رهنه: بأنَّه غير مقبوض ولا متميِّز ولا متعيِّن. وفيه ضعف؛ لإمكان تمييزه وقبضه.

  27. وعلَّل مرَّة أخرى في الرَّهن والهبة: بأنَّ القبض شرط لهما (٣) ؛ فكيف ينبني عقدٌ مِن شَرْطِه القبض على عقدٍ لم يوجد فيه القبض؟!

  28. وللأصحاب وجه آخر: بجواز رهنه على غير ثمنه، حكاه أبو الخطَّاب فيما كان معيَّناً؛ كالصُّبرة، وأظنُّه منع منه في المبهم؛ لعدم تأتِّي القبض، وهو معتبر فيه (٤) كما ذكر ابن عقيل؛ فخُرِّج من هذا وجهان للأصحاب في سائر (٥) العقود.

  29. ومن الأصحاب من قطع بجواز جعله مهراً (١) ، معلِّلاً: بأنَّ ذلك غرر (٢) يسير؛ فيغتفر في الصَّداق، ومنهم صاحب «المحرَّر» ، وهذا وجه ثالث.

    ج ١ ص ٣٥٥
  30. هذا كلُّه في المبيع.

  31. فأمَّا ثمنه:

    فإن كان معيَّناً؛ جاز التَّصرُّف فيه قبل قبضه، سواء كان المبيع يجوز التَّصرف فيه قبل القبض أو لا، صرَّح به القاضي (٣) .

  32. وإن كان مبهماً؛ لم يجز إلَّا بعد قبضه (٤) .

  33. وإن كان ديناً؛ جاز أن يعاوض عنه قبل قبضه، ذكره القاضي وابن عقيل، ولم يخرِّجا المعاوضة على الدَّين على الخلاف في بيع الدَّين ممَّن هو (٥) عليه، وقد حكيا في ذلك روايتين، والأكثرون أدخلوه في

    ج ١ ص ٣٥٦جملة صورة الخلاف.

  34. وقد نصَّ أحمد على جواز اقتضاء أحد النَّقدين من الآخر بالقيمة في رواية الأثرم وابن منصور وحنبل (١) .

  35. ونقل عنه القاضي البرتيُّ (٢) في طعام في الذِّمَّة؛ هل يشتري به شيئاً ممَّن عليه؟ فتوقَّف، قال: فقلت له: لم لا يكون هذا مثل اقتضاء الوَرِق من الذِّهب؟! فكأنَّه أجازه من غير أن يوضحه إيضاحاً بيِّناً.

  36. وهذا يشعر بأنَّ اقتضاء أحد النَّقدين من الآخر يجوز من غير خلاف؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنه في ذلك (٣) ،

    ج ١ ص ٣٥٧والخلاف في المعاوضة (١) عنهما بغيرهما، ولم يذكر القاضي وابن عقيل في الصَّرف في ذلك (٢) خلافاً.

  37. والمعنى في ذلك (٣) : أنَّ النَّقدين لتقاربهما في المعنى أُجريا مُجرى الشَّيء الواحد، فأخْذُ أحدهما عن الآخر ليس معاوضة محضة، بل هو نوع استيفاء، وقد صرَّح بذلك أحمد في رواية أبي طالب، قال: ليس هو ببيع إنَّما هو اقتضاء.

  38. وكذلك لم يجز (٤) إلَّا بالسِّعر؛ لأنَّه لمَّا فاتت المماثلة في القدر لاختلاف الجنس؛ اعتُبِرت في القيمة، وهذا المأخذ (٥) هو الذي ذكره صاحب «المغني» .

  39. ومن الأصحاب من جعل مأخذه (٦) النَّهي عن ربح ما لم يضمن.

  40. وأمَّا القاضي؛ فأجاز المعاوضة عن أحد النَّقدين بالآخر بما يتَّفقان عليه، وتأوَّل كلام أحمد بتأويل بعيد جداً، وقد ذكرنا أنَّ طريقة القاضي

    ج ١ ص ٣٥٨وابن عقيل في الإجارة: أنَّ ما في الذِّمة إذا كان مكيلاً أو موزوناً؛ لم يجز بيعه قبل قبضه لأجنبيٍّ رواية واحدة، وفي بيعه لمن هو في ذمته روايتان؛ لأنَّه قبل القبض مبهم غير متميِّز.