قاعدة [٥٢] في التصرف في المملوكات قبل قبضها.
١٠٨ فقرة، ج ١ ص ٣٤٧
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١ ص ٣٥٨
فهذا الكلام في التَّصرُّف في المبيع وعوضه.
-
فأمَّا غير المبيع من عقود المعاوضات؛ فهي ضربان:
أحدهما: ما يخشى انفساخ العقد بتلفه قبل قبضه؛ مثل: الأجرة المعينة، والعِوَض في الصُّلح بمعنى البيع ونحوهما؛ فحكمه حكم البيع فيما سبق.
-
وأمَّا التَّصرُّف في المنافع المستأجرة:
فإن كان بإعارة ونحوها؛ فيجوز؛ لأنَّ له استيفاء العوض بنفسه وبمن يقوم مقامه.
-
وإن كان بإجارة؛ صحَّ أيضاً بعد قبض العين (١) ولم يصحَّ قبلها؛ إلَّا للمؤجر على وجه سبق (٢) .
-
ويصحُّ إيجارها بمثل الأجرة، وبأزيد في إحدى (٣) الرِّوايتين.
-
وفي الأخرى: يمنع بزيادة؛ لدخوله في ربح ما لم يضمن.
-
والصَّحيح: الجواز؛ لأنَّ المنافع مضمونة على المستأجر من وجه،
ج ١ ص ٣٥٩بدليل أنَّه لو عطَّلها حتَّى فاتت من غير استيفاء؛ تلفت من ضمانه، فهي كالثَّمر في رؤوس الشَّجر هو مضمون عليه (١) بإتلافه.
-
والضَّرب الثَّاني: ما لا يخشى انفساخ العقد بهلاكه قبل قبضه؛ مثل: الصَّداق، وعوض الخلع، والعتق (٢) ، والمصالح به عن دم العمد، ونحو ذلك؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز التَّصرُّف فيه قبل القبض، وهو قول القاضي في «المجرد» ، وأبي الخطاب، غير أنَّه استثنى منه الصداق، والسَّامريِّ، وصاحبي «المغني» و «التَّلخيص» ، ونصَّ أحمد على صحة هبة المرأة صداقها قبل القبض، وهو تصرُّفٌ فيه.
-
ووجه ذلك: أنَّ تلف هذه الأعواض لا تنفسخ بها عقودها؛ فلا ضرر في التَّصرُّف فيها، بخلاف البيع والإجارة ونحوهما.
-
ومع هذا (٣) ؛ فصرَّح القاضي (٤) في «المجرَّد» : بأنَّ غير المتميِّز فيها مضمون على من هو بيده؛ ففرَّق بين الضَّمان والتَّصرُّف (٥) ههنا (٦) ،
ج ١ ص ٣٦٠ونسب إليه صاحب «التَّلخيص» : أنَّه سوَّى بينهما (١) ؛ فأثبت الضَّمان ومنع التَّصرُّف، وهو وهم عليه.
-
والوجه الثَّاني: أنَّ حكمها حكم البيع (٢) ؛ فلا يجوز التَّصرُّف في غير المتعيِّن منها قبل القبض، وهو الَّذي ذكره القاضي في «خلافه» ، وقال: (هو قياس قول أصحابنا) ، وابن عقيل في «الفصول» و «المفردات» ، والحلوانيُّ، والشِّيرازيُّ، وصاحب «المحرر» ، واختاره صاحب «المغني» في كتاب النكاح؛ إلحاقاً لها بسائر عقود المعاوضات.
-
ولا يصحُّ التَّفريق بعدم الانفساخ؛ لأنَّ الزُّبرة - الحديد العظيمة - إذا اشتريت وزناً؛ فلا يخشى هلاكها والتَّصرُّف فيها ممنوع، ومنافع الإجارة يخشى هلاكها والتَّصرُّف فيها جائز.
-
ورجَّح الشَّيخ تقيُّ الدِّين الوجه الأوَّل، ولكنه بناه على أنَّ علةَ منعِ التَّصرُّفِ (٣) الرِّبحُ فيما لم يضمن (٤) (٥) ،
ج ١ ص ٣٦١وهو (١) منتف ههنا، وهو أحد المآخذ للأصحاب في أصل المسألة.
-
وعدَّ القاضي من هذا الضَّرب (٢) : القرض وأروش الجنايات وقيم المتلفات، ووافقه ابن عقيل على قيم المتلفات.
-
وفيه نظر؛ فإنَّ القرض لا يملك بدون القبض، على ما جزم به في «المجرَّد» (٣) ، وقيم المتلفات ينفسخ الصُّلح عنها بتلف العوض المضمون، وكذلك أروش جنايات الخطأ بخلاف العمد (٤) ؛ لأنَّه لا يمكن الرُّجوع إلى القصاص بعد العفو عنه، وتعيين قيمة المتلف أو مثله ليس بعقد ليدخله الفسخ (٥) ، ثمَّ إنَّه مضمون في الذِّمَّة كالدَّين، وذلك لا يتعيَّن في الخارج إلَّا بالقبض على المذهب.
-
وألحق صاحب «التَّلخيص» بهذا أيضاً: الملك العائد بالفسخ قبل القبض والاسترداد؛ لأنَّه لا يخشى انتقاض سببه، وهذا متَّجه على الوجه الأول (٦) الَّذي اختاره.
- ج ١ ص ٣٦٢
فأمَّا على (١) الثاني (٢) : فإن كان العقد المنفسخ غير (٣) معاوضة؛ صارت العين أمانة كالوديعة، فيجوز التَّصرُّف فيها قبل القبض، وإن كان عقد معاوضة؛ فهو مضمون (٤) على الأشهر، فيتوجَّه: أن يمنع التَّصرُّف فيه؛ لأنَّ ضمانه (٥) من آثار ضمان العقد السَّابق؛ فيلتحق به.
-
ويتوجَّه: ألَّا يمنع؛ كالعواري والغصوب.
-
ولو حجر الحاكم على المفلس، ثمَّ عيَّن لكلِّ غريم عيناً من المال بحقِّه؛ ملكه (٦) بمجرَّد التعيين، ذكره القاضي في الزكاة من «المجرد» .
-
فعلى هذا يتوجه: أن يجوز له التصرف فيه قبل القبض.
- تنبيه:
-
ما اشترط القبض لصحَّة عقده لا يصحُّ التَّصرُّف فيه قبل القبض؛ لعدم ثبوت الملك، وقد صرَّح به في «المحرر» في الصَّرف ورأس مال السَّلَم.
-
فأمَّا إن قيل بالملك بالعقد؛ فحكى في «التَّلخيص» في الصَّرف المتعيِّن وجهين؛ لأنَّ انتفاء القبض ههنا مؤثِّر في إبطال العقد؛ فلا
ج ١ ص ٣٦٣يصحُّ ورود عقد آخر عليه قبل انبرامه.
-
والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور: المنع في الصَّرف والسَّلم (١) .
-
والعقود القهريَّة كالأخذ بالشفعة؛ يصح التصرف فيها قبل القبض، ذكره أيضاً في «التلخيص» .
-
النَّوع الثَّاني: عقود يثبت بها الملك من غير عوض؛ كالوصيَّة والهبة (٢) والصَّدقة.
-
فأمَّا الوصية: فيجوز التَّصرف فيها بعد ثبوت الملك وقبل القبض باتفاق الأصحاب فيما نعلم (٣) ، وسواء كان الموصى به معيَّناً أو مبهماً، وسواء قلنا: إنَّ له ردَّ المبهم (٤) قبل قبضه أو لا، لأنَّ أكثر ما في جواز
ج ١ ص ٣٦٤ردِّه أنَّه غير لازم من جهته، وهذا لا يمنع صحَّة التَّصرُّف؛ لأنَّها لازمة من جهة الميت بموته؛ فهو كالمبيع المشترط فيه الخيار للمشتري وحده.
-
وأمَّا الهبة الَّتي تملك بالعقد بمجرَّده: فيجوز التَّصرُّف فيها أيضًا قبل القبض (١) ، وقد نصَّ أحمد عليه كما سنذكره؛ لأنَّ حقَّ الواهب ينقطع عنها بمجرَّد انتقال ملكه، وليست في ضمانه؛ فلا محذور في التَّصرُّف فيها بوجه.
-
وأمَّا الصَّدقة الواجبة والتَّطوُّع؛ فالمذهب المنصوص: أنَّها لا تملك بدون القبض كما سبق؛ فلا كلام على هذا.
-
وعلى التَّخريج المذكور يملكها قبل القبض: فينبغي أن تكون كالهبة (٢) .
-
وقد نصَّ أحمد في رواية أبي الحارث وابن بختان (٣) وابن هانئ: في رجل عليه دين، ويريد رجل يقضيه عنه من زكاته؟ فقال: يدفعه إليه. فقيل له: هو محتاج ويخاف أن يدفعه إليه يأكله. قال: يقول له حتَّى
ج ١ ص ٣٦٥يوكِّله فيقضيه عنه.
-
وهذا ظاهر في أنَّه ملك الزكاة بالتعيين والقبول؛ وجاز تصرفه فيها بالوكالة قبل القبض.
-
وكذلك نقل حنبل في «مسائله» : أنَّ أحمد ذكر له قول أبي سلمة: «لا بأس إذا كان للرَّجل طعام أمر له به سلطان أو وهب له أن يبيعه قبل أن يقبضه، والعبد مثل ذلك، والدَّابَّة يبيعها قبل أن يقبضها» ، فقال أحمد: لا بأس بذلك ما لم تكن للتِّجارة، وقوله: إذا لم يكن للتِّجارة؛ لأنَّ المنع من البيع إنَّما كان لدخوله في ربح ما لم يضمن، وما ملكه بغير عوض؛ فلا يتصوَّر فيه ربح.
-
فأمَّا لو نوى بتملِّكه (١) التِّجارة؛ فظاهر كلامه المنع؛ لأنَّه جعله من الأموال المعدَّة للرِّبح، فامتنع بيعه قبل القبض.
-
هذا الكلام في العقود.
-
فأمَّا الملك بغير عقد؛ كالميراث، والغنيمة، والاستحقاق من أموال الوقف أو الفيء للمتناولين منه؛ كالمرتزقة (٢) في ديوان الجند، وأهل الوقف المستحقِّين له، فإذا ثبت لهم الملك، وتعيَّن مقداره؛ جاز لهم التَّصرُّف فيه قبل القبض بغير خلاف أيضاً؛ لأنَّ حقَّهم مستقرٌّ فيه، ولا علاقة لأحد معهم، ويد من هو في يده بمنزلة يد المودع ونحوه من الأمناء.
- ج ١ ص ٣٦٦
وأمَّا قبل ثبوت الملك؛ فله حالتان:
إحداهما: ألَّا يوجد سببه؛ فلا يجوز التَّصرُّف بغير إشكال؛ كتصرُّف الوارث قبل موت موروثه، والغانمين قبل انقضاء الحرب، ومن لا رسم له في ديوان العطاء في الرِّزق.
-
والثَّانية: بعد وجود السَّبب وقبل الاستقرار؛ كتصرُّف الغانمين قبل القسمة - على قولنا: إنَّهم يملكون الغنيمة بالحيازة، وهو المذهب الصَّحيح -، والمرتزقة قبل حلول العطاء ونحوهم؛ فقال ابن أبي موسى: (لا يجوز بيع العطاء قبل قبضه ولا بيع الصَّكِّ بعين ولا وَرِق قولاً واحداً، وإن باعه بعروض؛ جاز في إحدى الرِّوايتين إذا قبض العروض قبل أن يتفرَّقا، ومنع منه في الأخرى، ولا يجوز بيع المغانم قبل أن تقسم (١) ، ولا الصَّدقات قبل أن تقبض (٢) (٣) انتهى.
-
فهذه أربع مسائل (٤) :
أحدها: بيع العطاء قبل قبضه، وهو رزق بيت المال.
-
وقد نصَّ أحمد على كراهته في رواية أبي طالب وابن منصور وبكر بن محمَّد (٥) ، وقال: هو شيء مغيَّب، لا يدري يصل إليه أو لا،
ج ١ ص ٣٦٧أو ما هو (١) .
وقال مرَّة: لا يدري؛ يخرج أو لا يخرج.