قاعدة [٥٣] من تصرف في عين تعلق بها حق لله تعالى أو لآدمي معين
٣٦ فقرة، ج ١ ص ٣٧٦
- ج ١ ص ٣٧٦
إن كان الحقُّ مستقرًّا فيها بمطالبة من له الحقُّ بحقِّه (٣) أو يأخذه بحقِّه (٤) ؛ لم ينفذ التَّصرُّف.
-
وإن لم يوجد سوى تعلُّق الحقِّ (٥) لاستيفائه منها؛ صحَّ التَّصرُّف على ظاهر المذهب.
-
وقياس قول أبي بكر: لا يصحُّ؛ حيث قال: لا يصحُّ وقف الشَّفيع (٦) ولا رهن الجاني، وكلامه في «الشافي» يدلُّ على أنَّ التَّصرُّف فيما وجبت فيه الزَّكاة لا يصحُّ في قدرها.
- ج ١ ص ٣٧٧
وكذلك اختار أبو الخطاب في «الانتصار» : أنَّه لا يصحُّ التَّصرُّف في الجاني بالبيع؛ لتعلُّق الحقِّ بعينه، فإن فداه السيد؛ كان افتكاكاً له، وسقط الحقُّ المتعلِّق به، كما لو وفَّى دين الرهن.
-
والمذهب الأوَّل؛ وهو الفرق بين أن يثبت استحقاق يتعلَّق بالعين، وبين (١) أن يترتَّب على الثُّبوت مقتضاه بالأخذ بالحقِّ أو بالمطالبة به؛ فالأوَّل ملك أن يتملَّك، والثَّاني تملَّك أو طالب بحقِّه الَّذي لا يمكن دفعه عنه (٢) ، وهو شبيه بالفرق بين المفلس قبل الحجر عليه وبعده؛ فالفلس مقتضٍ للحجر والمنع من التَّصرُّف، ولا يثبت ذلك إلَّا بالمطالبة والحكم.
- ويتخرَّج على هذه القاعدة مسائل كثيرة:
-
منها: التَّصرُّف في المرهون ببيع أو غيره ممَّا لا سراية له (٣) ؛ لا يصحُّ؛ لأنَّ المرتهن أخذ بحقِّه في الرَّهن من التَّوثُّق والحبس وقبضه، وحُكم له به؛ فهو بالنِّسبة إلى الرَّهن كغرماء المفلس المحجور عليه.
-
وأمَّا العتق؛ فإنَّما نفذ لقوَّته وسرايته، كما نفذ حجُّ المرأة والعبد بدون إذن السَّيِّد والزَّوج، حتَّى إنَّهما لا يملكان تحليلهما على
ج ١ ص ٣٧٨إحدى الرِّوايتين (١) ؛ لقوَّة الإحرام ولزومه، ولهذا ينعقد مع فساده ويلزم إتمامه.
-
ومنها: الشفيع إذا طالب بالشُّفعة؛ لا يصحُّ تصرف المشتري بعد طلبه؛ لأنَّ حقَّه تقرَّر وثبت، وقبل المطالبة إنَّما كان له (٢) أن يتملَّك، والمطالبة إمَّا تملُّك (٣) على رأي القاضي، وإمَّا مؤذنة بالتَّملُّك ومانعة للمشتري من التصرف؛ إذ تصرُّف المشتري إنَّما كان نافذاً؛ لترك الشَّفيع الاحتجار عليه والأخذ بحقِّه، وقد زال (٤) .
-
فإن نهى الشَّفيع المشتري عن التَّصرُّف ولم يطالب بها؛ لم يصر المشتري ممنوعاً، بل تسقط الشُّفعة على قولنا: هي على الفور (٥) ، ذكره القاضي في «خلافه» .
-
ومنها: إذا حلَّ الدَّين على الغريم وأراد السَّفر، فإن منعه غريمه من ذلك؛ لم يجز له السفر، وإن فعل؛ كان عاصياً به؛ لأنَّه حبسه (٦) ، وله ولاية حبسه لاستيفاء حقِّه؛ كالمرتهن في الرَّهن (٧) .
- ج ١ ص ٣٧٩
وإن لم يمنعه، فهل له الإقدام على السفر؟ ذكر ابن عقيل فيه وجهين:
أحدهما: يجوز (١) ؛ لأنَّ الحبس عقوبة لا يتوجَّه بدون الطَّلب والإلزام.
-
والثَّاني: لا؛ لأنَّه يمنع بسفره حقًّا واجباً عليه، لا لثبوت الحبس في حقِّه (٢) ؛ بل لما يلزم من سفره من تأخير (٣) الحقِّ الواجب.
-
ومنها: المفلس إذا طلب البائع منه سلعته الَّتي يرجع بها (٤) قبل الحجر؛ لم ينفذ تصرُّفه، نصَّ عليه، قال إسماعيل بن سعيد (٥) : سألت أحمد عن المفلس: هل يجوز فعله فيما اشترى قبل أن يطلب البائع منه ما بايع المشتري عليه؛ فقال: إن أحدث المشتري فيه عتقاً أو بيعاً أو هبة؛ فهو جائز عندنا (٦) ما لم يطلب البائع ذلك، وذلك أنَّ الحديث قال: «هو أحقُّ به» (٧) ؛ ولا يكون أحقَّ به إلَّا بالطَّلب، فلعلَّه ألَّا يطلبه،
ج ١ ص ٣٨٠فقلت: أرأيت إن طلبه منه؛ فلم يدفعه إليه؟ قال: فلا يجوز بيعه ولا هبته ولا صدقته بعد الطَّلب.
-
ونقل عنه إسماعيل أيضاً كلاما يدلُّ على أنَّ مطالبة البائع تثبت إمَّا بتفليس الحاكم، أو باشتهار فلسه بين النَّاس.
-
وكذلك نقل عنه محمَّد بن موسى الدَّنْداني (١) (٢) أنَّ اشتهار (٣) فلسه بظهور أماراته يمنع نفوذ تصرُّفاته مطلقاً (٤) .
-
ومنها: لو وَجَد مضطرًّا وعنده طعام فاضل، فبادر فباعه أو رهنه؛ هل يصحُّ؟
قال أبو الخطاب في «الانتصار» في الرَّهن: يصحُّ، ويستحقُّ أخذه من يد المرتهن، والبائع مثله، ولم يفرق بين ما قبل الطلب وبعده.
-
والأظهر: أنَّه لا يصح بيعه بعد الطلب؛ لوجوب الدفع، بل ولو
ج ١ ص ٣٨١قيل: لا يصحُّ بيعه مطلقاً مع علمه باضطراره؛ لم يبعد؛ لأنَّ بذله له واجب بالثمن، فهو كما لو طالب الشَّفيع بالشُّفعة وأولى؛ لأنَّ هذا يجب بذله ابتداء لإحياء النَّفس.
-
وقد يفرَّق بأن الشَّفيع حقه منحصر (١) في عين الشِّقص، وهذا حقُّه في سدِّ الرَّمق، ولهذا كان إطعامه فرضاً على الكفاية، فإذا نقله إلى غيره؛ تعلَّق الحقُّ بذلك الغير، ووجب البدل عليه.
-
وأمَّا ما تعلَّق به حقٌّ مجرَّد؛ فيندرج تحته مسائل متعدِّدة:
منها: بيع النِّصاب بعد الحول؛ فإنَّه يصحُّ، نصَّ عليه؛ لأنَّ الوجوب إن كان متعلِّقاً في الذمة وحدها فلا إشكال، وإن كان في العين وحدها؛ فليس بمعنى الشَّركة، ولا بمعنى انحصار الحقِّ فيها، ولا تجوز (٢) المطالبة بالإخراج منها عيناً مع وجود غيرها، فلا يتوجَّه انحصار الاستحقاق فيها بحال.
-
ومنها: بيع الجاني، يصحُّ في المنصوص، وهو قول أكثر الأصحاب، وسواء (٣) طالب المجنيُّ عليه بحقه أو لا؛ لأنَّ حقه ليس في ملك العبد، ولو كان كذلك لملكه ابتداء، وإنَّما وجب له أرش جنايته، ولم يجد محلًّا يتعلَّق به الوجوب سوى رقبة العبد الجاني؛ فانحصر الحقُّ فيها بمعنى الاستيفاء منها، فإن رضي المالك (٤) ببذله
ج ١ ص ٣٨٢جاز، وإلَّا فإنَّما له أقل الأمرين من قيمة الجاني أو أرش جنايته، فأيُّهما بُذِل له؛ لزمه قبوله، والمطالبة منه (١) إنَّما تتوجَّه بحقِّه، وحقُّه هو أرش الجناية لا ملك رقبة العبد على الصَّحيح، فلا يتوجَّه المنع من التَّصرُّف فيه (٢) ؛ لأنَّ تسليمه إليه (٣) لم يتعيَّن.
-
ومنها: من ملك عبداً من الغنيمة، ثمَّ ظهر سيِّده، وقلنا: حقُّه ثابت فيه بالقيمة، فباعه المغتنم قبل أخذ سيِّده؛ صحَّ، ويملك السيد انتزاعه من الثَّاني (٤) .
-
وكذلك لو رهنه؛ صحَّ، ويملك السَّيِّد انتزاعه من المرتهن، ذكره أبو الخطاب في «الانتصار» أيضاً، ولم يفرق بين أن يطالب (٥) بأخذه أو لا.
-
والأظهر: أنَّ المطالبة تقطع التَّصرُّف؛ كمطالبة الشَّفيع.
-
ومنها: تصرُّف الورثة (٦) في التَّركة المتعلِّق بها حقُّ الغرماء، وفي صحَّته وجهان: أصحُّهما: الصِّحَّة (٧) .
- ج ١ ص ٣٨٣
وعلى المنع ينفذ بالعتق كالرَّهن.
-
واختار ابن عقيل في «نظريَّاته» : أنَّه لا ينفذ إلَّا مع يسارهم؛ لأنَّ تصرُّفهم تبع لتصرُّف الموروث في مرضه، وهذا متوجه على قولنا: إن حقَّ الغرماء تعلق بالتَّركة في المرض.
-
ومنها: تصرف الزوجة في نصف الصداق بعد الطلاق إذا قلنا: لم يدخل في ملك الزوج قهراً (١) .
قال صاحب «التَّرغيب» : يحتمل وجهين؛ لتردُّده بين خيار البيع (٢) وبين خيار الواهب.
-
ومنها: تصرُّف من وهبه المريض ماله كلَّه في مرضه قبل موته؛ فيجوز (٣) ، وينفذ حتى لو كان أمة كان له وطؤها، ذكره القاضي في «خلافه» .
- ج ١ ص ٣٨٤
واستبعده الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١) ؛ لأنَّه يتوقَّف على إجازة الورثة (٢) ؛ فكيف يجوز قبلها؟!
-
وقد يقال: هو في الظَّاهر ملكه بالقبض، وموت الواهب وانتقال الحقِّ إلى ورثته مظنون؛ فلا يمنع التَّصرُّف.
-
وأما تصرُّف المشتري في مدة الخيار له وللبائع؛ فالمنصوص عن أحمد: أنه موقوف على إمضاء البيع (٣) (٤) ، وكذلك ذكره أبو بكر في «التَّنبيه» ، وهو ظاهر كلام القاضي في «خلافه» ؛ لأنه تصرف (٥) في خالص ملكه (٦) ، ولم يتعلَّق به سوى حق البائع في الفسخ، وقد زال (٧) ، فأشبه تصرُّف الابن فيما وهبه له الأب؛ غير أنَّ تصرف الابن لا يقف على
ج ١ ص ٣٨٥إمضاء الأب؛ لأنَّ حق الأب في الفسخ يسقط بانتقال الملك (١) ، ولأنَّ تسلُّط الأب على الرجوع (٢) لم يكن لبقاء أثر ملكه، بل هو حقٌّ ثابت بالشرع مع ثبوت ملك الولد واستقراره؛ فلا يمنع التصرف.
-
وطَرْدُ هذا: في كلِّ من تصرف في ماله وقد تعلق به حق غيره؛ لا يبطل من أصله؛ كتصرف المريض فيما زاد على ثلث ماله؛ فإنَّه يقف على إمضاء الورثة، وعتق المكاتب لرقيقه يقف على تمام ملكه بالعتق، ذكره أبو بكر في «الخلاف» .
-
وكذا ذكر أبو الخطاب في «انتصاره» في مسألة إجازة الورثة: أنَّ تصرُّف الرَّاهن يصح ويقف على إجازة المرتهن.
-
وذكر الشَّيخ مجد الدين: أن هذا قول من يقول بوقف تصرف الفضولي.
-
وذكر أبو الخطاب أيضاً: أن تصرف المشتري في الشِّقص المشفوع يصح ويقف على إجازة الشفيع.