قاعدة [٥٢] في التصرف في المملوكات قبل قبضها.
١٠٨ فقرة، ج ١ ص ٣٤٧
الصفحة ٣ من ٣
- ج ١ ص ٣٦٧
وقال في رواية أبي طالب في بيع الزِّيادة في العطاء: قال ابن عبَّاس: ما (٢) يدريه ما يخرج ومتى يخرج؟! لا يشتريه (٣) (٤) ، وكرهه، وربَّما سُمِّي هذا أيضاً بيع الصِّكاك.
-
ونقل حرب عن أحمد في بيع الزِّيادة في العطاء: لا بأس به بعرض، قلت: وما تفسيره؟ قال: هو الرَّجل يزاد في عطائه عشرة دنانير
ج ١ ص ٣٦٨فيشتريها منه بعرض، قال: وسألته عن بيع الصَّكِّ بالعرض قال: لا بأس به (١) .
-
وروى حرب بإسناد صحيح عن ابن عبَّاس: أنَّه كان يكره بيع الزِّيادة في العطاء إلَّا بعرض (٢) ، وهذه رواية ثانية (٣) بالجواز (٤) .
قال القاضي وابن عقيل: هذه الرِّواية فيما إذا بيع بعد حلول العطاء؛ لأنَّه وقت الاستحقاق، فهو حينئذ دين ثابت فيجوز بيعه.
-
لكن على طريقتهما: لا يجوز بيعه من غير الغريم، فرجعا وتأوَّلا الرِّواية على أنَّه اشترى ذلك العرض بثمن مؤجَّل إلى وقت قبض العطاء، وكان وقته معلوماً عندهما، أو أنَّه أحال بثمن العرض على حقِّه من العطاء، ولا يخفى فساد هذا التَّأويل لمن تأمَّل كلام أحمد.
-
وقد يكون مراد ابن أبي موسى ببيع العطاء قبل قبضه: قبل استحقاق قبضه، فأمَّا إذا استحق؛ فهو داخل في بيع الصِّكاك.
- ج ١ ص ٣٦٩
المسألة الثَّانية: بيع الصِّكاك قبل قبضها، وهي الدُّيون الثَّابتة على النَّاس، ويسمَّى صكاكاً لأنَّها تكتب في صكاك، وهي ما يكتب فيه من الرَّقِّ ونحوه؛ فيباع ما في الصَّكِّ، فإن كان الدَّين نقداً وبيع بنقد؛ لم يجز بلا خلاف؛ لأنَّه صرف بنسيئة، وإن بيع بعرض وقبضه في المجلس؛ ففيه روايتان:
إحداهما: لا يجوز (١) ، قال أحمد في رواية ابن منصور في بيع الصَّكِّ: هو غرر (٢) ، ونقل أبو طالب عنه أنَّه كرهه، وقال: الصَّكُّ لا يدرى يخرج أو لا يخرج، وهذا يدلُّ على أنَّ مراده الصَّكُّ من عطاء الديوان.
-
والثَّانية: الجواز، نصَّ عليها في رواية حرب وحنبل ومحمَّد بن الحكم، وفرَّق (٣) بينه وبين العطاء وقال (٤) : الصَّكُّ إنَّما يحتال على رجل وهو مقِرٌّ بدين عليه، والعطاء إنَّما هو شيء مغيَّب لا يدري يصل إليه أم لا.
-
وكذلك نقل حنبل عنه في الرَّجل يشتري الصَّكَّ على الرَّجل بالدَّين؛ قال: لا بأس به بالعرض إذا خرج، ولا يبيعه حتَّى يقبضه؛ يعني: مشتريه، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يجعله من ضمان مشتريه بمجرَّد
ج ١ ص ٣٧٠القبض (١) ، ولا أباح له التَّصرُّف فيه؛ لأنَّه بمنزلة المنافع والثَّمر في شجره، وحاصل هذا: يرجع إلى جواز بيع الدَّين من غير الغريم، وقد نصَّ على جوازه (٢) كما ترى.
-
المسألة الثَّالثة: بيع المغانم قبل أن تقسم، ونصَّ أحمد على كراهته (٣) في رواية حرب وغيره، وعلَّله في رواية صالح وابن منصور: بأنَّه لا يدرى ما يصيبه (٤) ؛ يعني: أنَّه مجهول القدر والعين وإن كان ملكه ثابتاً عليه، لكنَّ الإمام له أن يخصَّ كلَّ واحد بعين من الأعيان، بخلاف قسمة الميراث.
-
وصحَّ عن أبي الزُّبير؛ قال: قال جابر: «أكره بيع الخمس من قبل أن يقسم» (٥) .
-
وروى محمَّد بن إبراهيم الباهليُّ، عن محمَّد بن زيد؛ يعني: العبديَّ، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشتروا الصَّدقات حتَّى تقبض، والمغانم حتَّى تقسم» أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه، وإسحاق بن راهويه والبزَّار
ج ١ ص ٣٧١في «مسنديهما» (١) .
-
ومحمَّد بن زيد: صالح لا بأس به، والباهليُّ: بصريٌّ مجهول، وشهرٌ حاله مشهور.
-
وفي «سنن أبي داود» (٢) من حديث رويفع بن ثابت: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنماً حتَّى يقسم» ، وفي الحديث طول، وأخرج التِّرمذيُّ بعضه وحسَّنه (٣) .
-
وخرَّج النسائي (٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى عن بيع المغانم حتَّى تقسم» ، وخرَّجه الإمام أحمد وأبو داود (٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
-
وروى ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مكحول: «أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المغانم حتى تقسم» (٦) ، مرسل.
-
وهذا في حقِّ آحاد الجيش منهيٌّ عنه، سواء باعه قبل القبض أو بعده (٧) ؛ لأنَّه قبل القبض مجهول، وبعده تعدٍّ وغلول؛ فإنَّه لا يستبدُّ
ج ١ ص ٣٧٢بالقسمة دون الإمام.
-
أمَّا الإمام؛ فإذا رأى المصلحة في بيع شيء من الغنيمة وقسم ثمنه؛ فله ذلك.
-
المسألة الرَّابعة: بيع الصَّدقات قبل القبض.
-
ومأخذه: أنَّ الصَّدقة لا تملك بدون القبض (١) ، وفي «مصنَّف عبد الرَّزَّاق» (٢) عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن غير واحد: «أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلم نهى أن تباع (٣) الصدقة حتَّى تعقل (٤) وتوسم».
-
وعن يحيى بن العلاء البجليِّ، عن [جهضم] (٥) بن عبد الله، عن محمَّد بن زيد (٦) ، عن شهر بن حوشب؛ قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصَّدقات حتَّى تقبض» (٧) ، وهذا المرسل أشبه من المسند السابق.
-
فأما على القول بملكها بمجرد القبول إذا تعيَّنت من غير قبض؛ فقد
ج ١ ص ٣٧٣تقدَّم نصُّ أحمد بجواز التَّوكيل فيها (١) ، وهو نوع تصرُّف؛ فقياسه سائر التَّصرُّفات، ويكون حينئذ كالهبة المملوكة بالعقد.
-
وأمَّا إذا عيَّنها المالك من ماله وأفردها؛ فلا تصير بذلك صدقة، ولا تخرج عن ملكه بدون قبض (٢) المستحقِّ أو قبوله (٣) ، وقد نصَّ أحمد على أنَّها إذا تلفت بعد تعيينها؛ لم تبرأ ذمَّته من الزَّكاة (٤) .
-
وأمَّا إن كان صدقة تطوُّع؛ فاستُحِبَّ إمضاؤها، وكُره الرُّجوع فيها، ونقل عنه ما يدلُّ على خروجها عن ملكه بمجرَّد التعيين (٥) ، نقل عبد الله عنه أنَّه قال: «كلُّ شيء جعله الرَّجل لله يُمضيه، ولا يرجع في ماله» (٦) ، وذلك أنَّه قد خرج من ملكه؛ فليس هو له من صدقة أو معروف أو صلة رحم، وإن كان قليلاً أمضاه.
- ج ١ ص ٣٧٤
ونقل عنه حبيش بن سنديٍّ (١) في رجل دفع إلى رجل دراهمَ، فقال له: تصدَّق بهذه الدَّراهم، ثمَّ إنَّ الدَّافع جاء، فقال: ردَّ عليَّ الدَّراهم، ما يصنع المدفوع، يردُّها عليه؟ قال: لا يردها عليه، يمضيها فيما أمره به.
-
ونقل جعفر بن محمد معناه، وحمل القاضي ذلك على الاستحباب.
قال ابن عقيل: لا أعلم للاستحباب وجهاً، وهو كما قال، وإنَّما يتخرَّج على أنَّ الصَّدقة تتعيَّن بالتَّعيين (٢) ؛ كما نقول في الهدي والأضحية: إنَّه يتعيَّن بالقول بغير خلاف.
-
وفي تعيينه بالنِّيَّة وجهان (٣) .
-
فإذا قال: هذه صدقة؛ تعيَّنت وصارت في حكم المنذورة، صرَّح به الأصحاب، لكن هل ذلك إنشاء منه للنَّذر أو إقرار به؟ فيه خلاف بين الأصحاب.
-
وإذا عيَّن بنيَّته أن يجعلها صدقة وعزلها من ماله؛ فهو كما لو اشترى شاة ينوي التَّضحية بها، ولا يلزم من ذلك سقوط الزَّكاة عنه بتلفها قبل
ج ١ ص ٣٧٥قبض المستحقِّ أو الإمام؛ لأنَّا إن قلنا: الزَّكاة في الذِّمَّة؛ فهو كما لو عين عن هدي واجب في الذِّمَّة هدياً، فعطب؛ فإنَّه يلزمه إبداله، وإن قلنا: في العين؛ فلا يبرأ منها لفوات قبض المستحقِّ أو من يقوم مقامه، وإيصاله إليه واجب عليه؛ فلا يبرأ بدونه، ولا يكتفى فيه بالتَّمييز ولو حصل التَّمكين من القبض؛ لأنَّ فعل الدَّفع واجب عليه؛ فكيف إذا لم يحصل التَّمكين، والله أعلم.