قاعدة [٨] من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها؛ هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟
٢٣ فقرة، ج ١ ص ٨٥
- ج ١ ص ٨٥
هذا أقسام:
أحدها: أن يكون المقدور عليه ليس مقصوداً في العبادة، بل هو وسيلة محضة إليها؛ كتحريك اللِّسان في القراءة، وإمرار الموسى على الرَّأس في الحلق والختان: فهذا ليس بواجب؛ لأنَّه إنَّما وجب ضرورة القراءة والحلق والقطع، وقد سقط الأصل، فسقط ما هو من ضرورته.
-
وأوجبه القاضي في تحريك اللِّسان خاصَّة، وهو ضعيف جداً.
- القسم الثَّاني: ما وجب (١) تبعاً لغيره، وهو نوعان:
-
أحدهما: ما كان وجوبه احتياطاً للعبادة ليتحقَّق حصولها؛ كغسل رأس (٢) المرفقين في الوضوء، فإذا قُطعت اليد من المرفق، هل يجب غسل رأس المرفق الآخر (٣) أم لا؟ على وجهين:
ج ١ ص ٨٦أشهرهما عند الأصحاب: الوجوب، وهو ظاهر كلام أحمد (١) .
-
واختار (٢) القاضي في كتاب الحجِّ من «خلافه» : أنَّه مستحبٌّ، وحمل كلام الإمام (٣) أحمد على الاستحباب.
-
هذا إذا بقي شيء من العبادة؛ كما في وضوء الأقطع.
-
أمَّا إن لم يبق شيء بالكليَّة؛ سقط التَّبع؛ كإمساك جزء من اللَّيل في الصُّوم؛ فلا يلزم من أبيح له الفطر بالاتِّفاق.
-
والثَّاني: ما وجب تبعاً لغيره على وجه التَّكميل واللَّواحق؛ مثل: رمي الجمار، والمبيت بمنًى لمن لم يدرك الحجَّ:
فالمشهور: أنَّه لا يلزمه؛ لأنَّ ذلك كلَّه من توابع الوقوف بعرفة، فلا يلزم من لم يقف بها.
-
وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى بلزومها، لأنَّها عبادات بنفسها (٤) مستقلَّة.
-
ومن أمثلة ذلك: المريض إذا عجَز في الصَّلاة عن وضع وجهه على الأرض، وقدر على وضع بقيَّة أعضاء السُّجود؛ فإنَّه لا يلزمه ذلك على الصَّحيح؛ لأنَّ السُّجود على بقيَّة الأعضاء إنَّما وجب تبعاً للسُّجود على
ج ١ ص ٨٧الوجه وتكميلاً له (١) .
-
والقسم الثَّالث: ما هو جزء من العبادة وليس بعبادة في نفسه (٢) ، أو هو غير مأمور به لضرره:
فالأوَّل: كصوم بعض اليوم لمن قدر عليه وعجَز عن إتمامه؛ فلا يلزمه (٣) بغير خلاف.
-
والثَّاني: كعتق بعض الرَّقبة في الكفَّارة؛ فلا يلزم القادرَ عليه إذا عجز عن التَّكميل؛ لأنَّ الشَّارع قصده تكميل العتق مهما أمكن، ولهذا شرع السِّراية والسِّعاية، وقال: «لَيْسَ لِله شَرِيكٌ» (٤) ، فلا يشرع عتق بعض الرَّقبة.
-
القسم الرَّابع: ما هو جزء من العبادة، وهو عبادة مشروعة في نفسه: فيجب فعله عند تعذُّر فعل الجميع بغير خلاف، ويتفرَّع عليه مسائل كثيرة:
منها: العاجز عن القراءة يلزمه القيام؛ لأنَّه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة؛ لكنَّه مقصود أيضاً في نفسه، وهو عبادة منفردة.
- ج ١ ص ٨٨
ومنها: من عجز عن بعض الفاتحة؛ لزمه الإتيان بالباقي.
-
ومنها: من عجز عن بعض غسل الجنابة؛ يلزمه الإتيان بما قدر منه؛ لأنَّ تخفيف الجنابة مشروع ولو بغسل أعضاء الوضوء، كما يشرع (١) للجنب إذا أراد النَّوم أو الأكل أو الوطء، ويستبيح به اللَّبث في المسجد عندنا.
- ووقع التَّردُّد في مسائل أخر:
-
منها: المحدث إذا وجد ما يكفي بعض أعضائه؛ وفي وجوب استعماله وجهان.
-
ومأخذ من لا يراه واجباً: إمَّا أنَّ الحدث الأصغر لا يتبعَّض رفعه، فلا يحصل به مقصود، أو أنَّه يتبعَّض لكنَّه يبطل بالإخلال بالموالاة فلا يبقى له فائدة، أو أنَّ غسل بعض أعضاء المحدث غير مشروع، بخلاف غسل بعض أعضاء الجنب كما تقدَّم.
-
ومنها: إذا قدر على بعض صاع في صدقة الفطر؛ فهل يلزمه إخراجه؟ على روايتين.
-
ومأخذ عدم الوجوب: أنهَّ كفَّارة بالمال؛ فلا يتبعَّض؛ كما لو قدر على التَّكفير بإطعام بعض المساكين.
- والصَّحيح: الوجوب، والفرق بينه وبين الكفَّارة من وجهين:
-
أحدهما: أنَّ الكفَّارة بالمال تسقط إلى بدل هو الصَّوم، بخلاف الفطرة.
- ج ١ ص ٨٩
والثَّاني: أنَّ الكفَّارة لا بدَّ من تكميلها، والمقصود من التَّكفير بالمال تحصيل إحدى المصالح الثَّلاث على وجهها، وهي العتق والإطعام والكسوة، وبالتَّلفيق يفوت ذلك؛ فلا تبرأ الذِّمَّة من الوجوب إلَّا بالإتيان بإحدى الخصال بكمالها أو بالصِّيام، وفي الفطرة لا تبرأ الذِّمة منها بدون إخراج الموجود.