قاعدة [٥٤] من ثبت له حق في عين وسقط بتصرف غيره فيها؛ فهل يجوز للمتصرف فيها الإقدام على التصرف المسقط لحق غيره قبل استئذانه أم لا؟
٢٤ فقرة، ج ١ ص ٣٨٦
- ج ١ ص ٣٨٦
هذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون الحقُّ الذي سقط (١) بالتصرف قد أخذ به صاحبه وتملَّكه.
-
والثَّاني: أن يكون قد طالب به صريحاً أو إيماء.
-
والثَّالث: أن يثبت له الحقُّ شرعاً، ولم يأخذ به، ولم يطالب به.
-
فأمَّا الأول: فلا يجوز إسقاط حقِّه ولو ضمنه بالبدل؛ كعتق العبد المرهون - إذا قلنا بنفوذه على المشهور من المذهب -؛ فإنَّه لا يجوز، ذكره غير واحد من الأصحاب، منهم صاحب «الكافي» والقاضي وابن عقيل، مع أنَّ عتقه يوجب ضمان قيمته تكون (٢) رهناً؛ لأنَّ فيه إسقاطاً لحقه القائم في العين بغير رضاه.
- ج ١ ص ٣٨٧
وكذلك إخراج الرهن بالاستيلاد محرَّم (١) ، ولأجله منعنا أصل الوطء.
-
وكذلك ينبغي أن يكون عتق المفلس (٢) المحجور عليه إذا نفذناه؛ لأنَّ غرماءه قد قطعوا تصرُّفه فيه بالحجر وتملَّكوا المال، وقد ذكره (٣) ابن عقيل أيضاً في تبذيره قبل الحجر.
-
وذكر القاضي في «خلافه» : أنَّ ظاهر كلام أحمد جواز عتق الرَّاهن؛ كاقتصاصه من أحد عبديه المرهونين إذا قتل الآخر، ولم يذكر بذلك نصًّا، ولعلَّه أخذه من قوله بنفوذ العتق، ولا يدلُّ (٤) .
-
وأمَّا اقتصاص الرَّاهن من العبد المرهون أو من قاتله (٥) ؛ فقد صرَّح القاضي وابن عقيل: بأنَّه لا يجوز؛ لأنَّ فيه تفويتاً لحق المرتهن من عين الرهن أو قيمته الواجبة له؛ وأوجبا على الراهن قيمته تكون رهناً.
-
وصرَّحا أيضاً ههنا: بأنَّ العتق لا يجوز، وإنَّما ذكرا جوازه في مسألة العتق.
-
وظاهر كلام أحمد: جواز القصاص.
- ج ١ ص ٣٨٨
فيكون الفرق بين القصاص والعتق: أنَّ وجوب القصاص تعلَّق بالعبد تعلُّقاً يقدَّم به على حق المرتهن، بدليل أن حق الجاني مقدَّم على المرتهن لانحصار حقِّه فيه، بخلاف المرتهن، وهذا مفقود في العتق.
-
وأمَّا الثَّاني: فلا يجوز أيضاً، ومنه: خيار البائع المشترط في العقد لا يجوز للمشتري إسقاطه بالتَّصرُّف في المبيع (١) ولو قلنا: إن الملك له (٢) ؛ فإن اشتراط الخيار في العقد تعريض بالمطالبة بالفسخ.
-
وأمَّا الثَّالث: ففيه خلاف، والصَّحيح: أنَّه لا يجوز أيضاً، ولهذا لم يجز إسقاط خياره الثابت في المجلس بالعتق ولا غيره، كما لو اشترطه.
- ويندرج في صور الخلاف مسائل:
-
منها: مفارقة أحد المتبايعين للآخر في المجلس بغير إذنه خشية أن يفسخ الآخر، وفيه روايتان:
إحداهما: يجوز؛ لفعل ابن عمر (٣) .
-
والثَّانية: لا يجوز (٤) ؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
ج ١ ص ٣٨٩أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «ولا يحلُّ له أن يفارقه خشيةَ أن يستقيله» (١) ، وهو صريح في التحريم، وهي اختيار أبي بكر وصاحب «المغني» .
-
ومنها: تصرُّف المشتري في الشقص المشفوع بالوقف قبل الطلب، ينبغي أن تخرَّج على الخلاف في الَّتي قبلها.
-
وصرح القاضي بجوازه.
-
وظاهر كلامه في مسألة التَّحيُّل على إسقاط الشفعة تحريمه، وهو الأظهر (٢) ، ويدلُّ عليه: «أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الشَّريك حتى يعرض على شريكه ليأخذ أو يذر» (٣) ، مع أنَّ حقَّه من الأخذ لا يسقط بذلك، فأولى أن ينهى (٤) عمَّا يُسقِط حقَّه بالكليَّة.
-
ومنها: وطء العبد زوجته الأمة إذا عَتَقَت ولم تعلم (٥) بالعتق؛ ليسقط اختيارها للفسخ؛ الأظهر تخريجه على الخلاف أيضاً (٦) .
ج ١ ص ٣٩٠وقال الشَّيخ مجد الدين في «تعليقه على الهداية» : قياس مذهبنا جوازه. وفيما قاله نظر.
-
ومنها: تصرُّف الزوجة في نصف الصَّداق إذا طلق الزوج قبل الدُّخول، وقلنا: لم يملكه قهراً؛ فإنَّه لا يجوز، صرَّح به في «المحرَّر» .
-
فأما تصرف أحد المتبايعين فيما بيده من العوض إذا استحقَّ الآخر ردَّ ما بيده بعيب أو خُلْفٍ في صفة (١) ؛ فيجوز، ذكره القاضي في «خلافه» ؛ لأنَّ تصرُّفه لا يمنع حقَّ الآخر من رد ما بيده، فإذا رده استحق الرُّجوع بالعوض الَّذي بذله إن كان باقياً، وإلَّا رجع ببدله.
-
وقياس هذا: أنَّ للبائع التصرف في الثَّمن في مدَّة الخيار (٢) (٣) .
-
وظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم: أنَّ للبائع التَّصرُّف في الثمن في مدَّة الخيار، إلَّا أن يُتَّخذ حيلة على أن يقرض غيره مالًا ويأخذ منه ما ينتفع به على صورة البيع (٤) ويشترط الخيار ليرجع فيه، وإن كان على غير وجه الحيلة، فيجوز، ولم يمنعه من التَّصرُّف في الثَّمن.