قاعدة [٥٥] من ثبت له حق التملك بفسخ أو عقد؛ هل يكون تصرفه تملكا أم لا؟ وهل ينفذ تصرفه أم لا؟
٦٤ فقرة، ج ١ ص ٣٩١
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٣٩١
المشهور من المذهب: أنَّه لا يكون تملُّكًا، ولا ينفذ، وفي بعض صورها خلاف.
-
ومن صور المسألة: البائع بشرط الخيار إذا تصرَّف في المبيع؛ لم يكن تصرُّفه فسخاً ولم ينفذ، نصَّ عليه، وقال في رواية ابن القاسم: لا يجوز عتق البائع؛ لأنَّه غير مالك له في ذلك الوقت، إنَّما له فيه خيار (١) ، فإذا اختاره ثمَّ أعتقه؛ جاز، فأمَّا دون أن يردَّ البيع؛ فلا.
- واختلف الأصحاب في المسألة على طرق:
-
أحدها: أنَّه لا يكون فسخاً رواية واحدة، وإنَّما ينفسخ بالقول، وهي طريقة أبي بكر، والقاضي في «خلافه» ، وصاحب «المحرر» ، وهي أصحُّ.
-
وقد نصَّ أحمد على أنَّ بيعه ليس بفسخ في رواية إسماعيل بن سعيد.
-
ونصَّ على أنه إذا وطئ؛ فعليه الحدُّ في رواية مهنَّى.
- ج ١ ص ٣٩٢
والطَّريقة الثَّانية: أن المسألة على روايتين (١) ، وهي طريقة القاضي في «كتاب الرِّوايتين» ، وأبي الخطاب، وابن عقيل، وصاحب «المغني» ، ورجَّحا أنَّه فسخ؛ لأنَّ ملك المشتري في مدة الخيار غير مستقر؛ فينفسخ بمجرَّد تصرف البائع، بخلاف بائع المفلس؛ لأنَّ ملك المفلس تامٌّ.
-
والطريقة الثالثة: أنَّ تصرُّفه فسخ بغير خلاف، كما أنَّ تصرُّف المشتري إمضاء وإبطال للخيار في المنصوص، وهي طريقة القاضي في «المجرد» ، والحلوانيِّ في «الكفاية» ، وهي مخالفة للمنصوص، ولا يصحُّ اعتبار فسخ البائع بإمضاء المشتري؛ لأنَّ ملك المشتري قائم وملك البائع مفقود.
-
والطَّريقة (٢) الرابعة: أن تصرُّفه بالوطء فسخ بغير خلاف؛ لأنَّه اختيار، بدليل وطء من أسلم على أكثر من أربع نسوة، وبغيره فيه الخلاف، وهي طريقة صاحب «الكافي» .
-
وممَّن صرَّح بأن الوطء اختيارٌ: القاضي في «المجرد» ، وحكاه في «الخلاف» عن أبي بكر في «التَّنبيه» ، ولم أجده فيه.
-
ولا يصحُّ إلحاق وطء البائع بوطء من أسلم على أكثر من أربع نسوة؛ لأنَّ ملكه قائم؛ فكذلك كان الوطء اختياراً في حقِّه، فهو كوطء
ج ١ ص ٣٩٣المشتري ههنا، والبائع بخلافه، وقد نصَّ أحمد على أنَّ عليه الحدَّ في رواية مهنَّى (١) .
-
وأمَّا نفوذ التَّصرُّف؛ فممتنع على الأقوال كلِّها، صرَّح به الأكثرون من الأصحاب؛ لأنَّه لم يتقدمه ملك، اللَّهم إلَّا أن يتقدَّمه سبب يوجب الانفساخ كالسَّوم ونحوه.
-
وذكر الحلوانيُّ في «التبصرة» : أنَّه ينفذ، ويتخرَّج (٢) من قاعدة لنا ستذكر إن شاء الله تعالى، وهي: أنَّه يكفي مقارنة شروط العقد للعقد في صحَّته.
-
ومنها: إذا باع أمة بعبد، ووجد بالعبد عيباً؛ فله الفسخ واسترجاع الأمة، وكذلك سائر السِّلع المعيبة إذا علم بها بعد العقد، وليس له التَّصرُّف في عوضه (٣) الذي أداه؛ لأن ملك الآخر عليه تام مستقر، فلو أقدم وأعتق الأمة أو وطئها؛ لم يكن ذلك فسخاً، ولم ينفذ عتقه، ذكره القاضي في «خلافه» .
-
وذكر في «المجرَّد» وابن عقيل في «الفصول» احتمالاً آخر: أنَّ وطأه يكون استرجاعاً كما في وطء المطلَّقة الرجعية، ومن أسلم على أكثر من أربع نسوة.
-
وهذا واهٍ جدًّا؛ فإن الملك عن الرَّجعيَّة ومن أسلم عليهنَّ لم يزل،
ج ١ ص ٣٩٤وههنا قد زال (١) .
-
ومنها: لو باع أمة، ثمَّ أفلس المشتري قبل نقد الثمن والأمة موجودة بعينها، فله استرجاعها بالقول بدون إذن الحاكم على أصحِّ الوجهين، حكاهما القاضي؛ بناءً على نقض حكم الحاكم بخلافه (٢) ، فيكون كالفسخ المجمع عليه، فلا يحتاج إلى حاكم، ولو أقدم على التصرف فيها ابتداء (٣) ؛ لم ينفذ، ولم يكن استرجاعاً، وكذلك الوطء، ذكره القاضي في «الخلاف» ؛ لتمام ملك المفلس.
-
وفي «المجرَّد» و «الفصول» : أنَّ الوطء استرجاع، وأنَّ فيه احتمالاً آخر بعدمه (٤) .
-
ويمكن تخريج هذا الخلاف في سائر التصرفات على طريقة من أثبت الخلاف في تصرف البائع في مدَّة الخيار؛ لأن ملك المفلس غير تامٍّ، بدليل منعه من التصرف في ماله لحقِّ البائع؛ فهو كالمشتري في مدَّة الخيار، غير أنَّ ضعف الملك هنا طارئ، وفي مدَّة الخيار مبتدأ،
ج ١ ص ٣٩٥ولا أثر لذلك.
-
ومنها: تصرف الشَّفيع في الشقص المشفوع قبل التملك؛ هل يكون تملكاً، ويقوم ذلك مقام قوله: تملَّكته، أو مقام المطالبة عند من أثبت بها الملك، أو مقام الأخذ باليد عند من أثبت الملك به؟ يمكن تخريجه على الخلاف في المسألة الَّتي (١) قبلها، ولا سيَّما بعد المطالبة؛ لأنَّ حقَّه استقرَّ وثبت، وانقطع تصرُّف المشتري.
-
ومنها: لو وهب الأب لولده شيئاً، وقبضه الولد، ثمَّ تصرَّف الأب فيه بعد القبض؛ هل يكون تصرفه رجوعاً؟ المنصوص: أن لا، قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا وهب لابنه جارية وقبضها الابن؛ لم يجز للأب عتقها حتَّى يرجع فيها، وقال في رواية ابن هانئ (٢) : هذه الجارية للابن، وأعتق الأب ما ليس له.
-
وخرَّج أبو حفص البرمكي (٣) في كتاب «حكم الوالدين في مال ولدهما» رواية أخرى: أنَّ العتق صحيح، ويكون رجوعاً، وسيأتي ذكر رجوع أصل هذا التَّخريج إن شاء الله تعالى (٤) .
-
وفي «التلخيص» : لا يكون وطؤه رجوعاً، وهل يكون بيعه وعتقه
ج ١ ص ٣٩٦ونحوهما رجوعاً؟ على وجهين، ولا ينفذ عليهما؛ لأنَّه لم يلاق الملك، انتهى.
-
ويتخرَّج وجه بنفوذه؛ لاقتران الملك به كما سبق.
-
ومنها: لو تصرَّف الوالد في مال ولده الَّذي يباح له تملُّكه (١) قبل التَّملُّك؛ لم ينفذ، ولم يكن تملكاً على المعروف من المذهب، وإن تملكه لا يحصل بدون القبض الذي يراد به التملك، وقد نص عليه أحمد في مواضع (٢) ؛ لأنه مباح، فلم يُتملَّك بدون قبضه؛ كالاصطياد والاحتشاش.
-
ولم يخرجوا في تملكه بالقول بمجرده خلافاً من الهبة ونحوها؛ لأنَّ الهبة عقد من اثنين؛ فيكتفى فيه بالقبول؛ كعقد المعاوضة، وههنا
ج ١ ص ٣٩٧اكتساب مال مباح من غير عقد؛ فلا يكتفى فيه بدون القبض والحيازة، وما لم يُحَز؛ فهو باق على ما كان عليه.
-
وخرَّج أبو حفص البرمكيُّ رواية أخرى بصحَّة تصرفه بالعتق قبل القبض، وأخذ ذلك ممَّا رواه المروذيُّ عنه أنَّه قال: لو أنَّ لابنه جارية فعتقها، كان جائزاً (١) .
-
وفي رواية محمَّد بن الحكم: يُعتق الأب في مال الابن، هو ملك الابن حتَّى يُعتق الأب أو يأخذ.
-
وفي رواية الميموني: أرى أنَّ ماله يؤخذ منه ويُعتَق منه؛ إلَّا أمَّ ولد ابنه (٢) .
-
وفي (٣) توجيه هذه الرِّواية (٤) طريقان:
أحدهما: أنَّ رقيق الابن له (٥) فيه شبهة ملك، ولذلك نفذ استيلاده فيه، فينفذ عتقه، كعتق أمة من المغنم، لكن لا يضمن؛ لأنَّ الأب لا يطالب بما أتلفه من مال ولده.
-
والثَّاني: أن يقال: وقع الملك مقارناً للعتق، فنفذ، وهذا (٦) القدر
ج ١ ص ٣٩٨من الملك يكتفى به في العتق، كما لو قال لغيره: أْعتِق عبدك عنِّي وعليَّ ثمنه، ففعل؛ صحَّ (١) ووقع العتق والملك معاً.
-
ونقل أبو طالب عن أحمد أنَّه قال: بيع الأب وشراؤه على ابنه جائز؛ لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك» (٢) ، وظاهر هذه الرواية (٣) جواز الإقدام على التصرف في ماله ونفوذه وحصول التملك به.
-
وفي «التَّنبيه» لأبي بكر: بيع الأب على ابنه، وعتقه، وصدقته، ووطء إمائه ولم (٤) يكن الابن قد وطئ؛ جائز (٥) ، ويجوز له بيع عبيده وإمائه وعتقهم.
- ولهذا القول مأخذان أيضاً:
-
أحدهما: أنَّ الملك يقترن بالتَّصرُّف، فينفذ كما في نظائره.
-
والثَّاني: أنَّ هذا تملُّك قهريٌّ في مال معين؛ فيكتفى فيه بالقول الدَّالِّ على التملك، كما تُملك الهبة المعينة بمجرد القبول على رواية،
ج ١ ص ٣٩٩ولهذا حكى طائفة من الأصحاب في بيع المباحات النابتة والجارية في الأرض المملوكة قبل حيازتها روايتين، ولم يذكروا خلافاً في أنَّها غير مملوكة، وممَّن سلك هذا المسلك صاحب «المقنع» في كتاب البيع (١) ، وصاحب «المحرر» .
-
ووجه صحة البيع على هذا: أنَّه مقدور على تسليمه، وليس ملكاً لغيره (٢) ؛ فهو كالمملوك له، وهو قريب من بيع الصِّكاك قبل استحقاقها، وقد تقدم الخلاف فيها (٣) .
-
وأمَّا تصرُّف الأب في أمة ولده بالوطء قبل القبض:
فإن أحبلها؛ صارت أم ولد له.
-
وإن لم يحبلها، فإن قلنا: لا يملك الأب مال ولده إلَّا بالقبض؛ لم يملكها حتَّى يقبضها، وإن قلنا: يُملك (٤) بمجرد التَّصرُّف؛ صارت ملكاً له بالوطء بمجرَّده.
-
ونقلت من خطِّ القاضي -وذكر أنه نقله من خط ابن شاقلا-: قال الشَّيخ - يعني: أبا بكر عبد العزيز-: روى الأثرم أن المرأة إذا وطئها زوجها وانقضت العدة ثمَّ تزوجت، فإن أتت بولد لستَّة أشهر، فتداعياه جميعاً: أُرِيَ القافةَ.
ج ١ ص ٤٠٠وقال: إذا وطئ الرَّجل جارية ابنه وإن كان الابن قد وطئ؛ فلا حد على الأب؛ لأنَّها بنفس الوطء ملك له.
قال الشَّيخ (١) : في نفسي من مسألة الأثرم شيء، انتهى.