قاعدة [٦٠] التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضررا على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد؛
٥٠ فقرة، ج ١ ص ٤٥٦
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٤٥٦
التَّفاسخ في العقود الجائزة متى تضمَّن ضرراً على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممَّن له تعلُّق بالعقد؛ لم يجز ولم ينفذ، إلَّا أن يمكن استدراك الضَّرر بضمان أو نحوه؛ فيجوز على ذلك الوجه.
-
فمن ذلك: الموصى إليه؛ أطلق كثير من الأصحاب: أنَّ له الرَّدَّ بعد القبول في حياة الموصي وبعده.
-
وقيَّد ذلك صاحب «المحرر» بما إذا وجد حاكماً؛ لئلَّا يضيع إسنادها فيقع الضَّرر، وأخذها من رواية حنبل عن أحمد في الموصى يدفع الوصيَّة إلى الحاكم فيبرأ منها، قال: إن كان حاكماً؛ فنعم.
-
وحكى رواية أخرى: أنَّه لا يملك الرَّدَّ بعد الموت بحال، ولا قبله إن لم يُعلِمه بذلك؛ لما فيه من التَّغرير به.
-
وحكى ابن أبي موسى رواية: ليس له الرَّدُّ بحال إذا قَبِلَ، ومن الأصحاب من حملها على ما بعد الموت، وحكاها القاضي في «خلافه» صريحاً في الحالين.
-
ومنها: الوكيل في بيع الرَّهن إذا عزله الراهن يصحُّ عزله على المنصوص؛ لأنَّ الحاكم يأمره بالبيع ويبيع عليه.
-
وخرَّج ابن أبي موسى وجهاً آخر: أنَّه لا ينعزل؛ لأنَّ فيه تغريراً للمرتهن.
- ج ١ ص ٤٥٧
ويتخرَّج وجه ثالث بالفرق بين أن يوجد حاكم يأمر بالبيع أو لا؛ من مسألة الوصيَّة.
-
ومنها: أنَّه يجوز فسخ عقد الجعالة، لكن يستحقُّ العامل أجرة المثل؛ لبطلان المسمَّى بالفسخ، فإذا عمل به أحدٌ مستنداً إليه؛ استحقَّ أجرة المثل، كما لو سمَّى له تسمية فاسدة.
-
ويتخرَّج: أن يستحقَّ في جُعل الآبق المسمَّى بالشَّرع (١) ؛ لأنه (٢) المستحقُّ بالإطلاق، وقد صار وجود التَّسمية كالعدم.
-
ومنها: إذا فسخ المالك عقد المساقاة، وقلنا: هي جائزة (٣) ، فإن كان بعد ظهور الثَّمرة؛ فنصيب العامل فيها ثابت؛ لأنَّه يملكه بالظُّهور رواية واحدة؛ لأنَّ حصَّة المساقي ليست وقاية للمال، بخلاف المضارب، وكذلك لو فسخ العامل بعد الظُّهور.
-
وأمَّا إن كان الفسخ قبل الظُّهور: فإن كان من العامل؛ فلا شيء له لإعراضه، وإن كان من المالك؛ فعليه أجرة المثل للعامل؛ لأنَّه منعه من إتمام عقد يفضي إلى حصول المسمَّى له غالباً؛ فلزمه ضمانه، وأيضاً؛ فإنَّ ظهور الثَّمرة بعد الفسخ لعمل العامل فيها أثرٌ بالقيام عليها وخدمتها؛ فلا يذهب عمله مجَّاناً، وقد أثَّر في حصول المقصود.
-
ويتوجَّه على قول ابن عقيل في المضاربة: أن ينفسخ العقد بالنِّسبة
ج ١ ص ٤٥٨إلى المالك دون العامل؛ فيستحقُّ من الثَّمر المسمَّى له.
-
ومنها: إذا زارع رجلاً على أرضه، ثمَّ فسخ المزارعة قبل ظهور الزَّرع أو قبل البذر وبعد الحرث؛ قال ابن منصور في «مسائله» (١) : قلت لأحمد: الأكَّار (٢) يريد أن يخرج من الأرض فيبيع الزَّرع، قال: لا يجوز بيعه حتَّى يبدو صلاحه، قلت: فيبيع عمل يديه وما عمل في الأرض، وليس فيها زرع، قال: لم يجب له شيء بعدُ، إنَّما يجب بعد التَّمام.
قال ابن منصور: يقول: يجب له بعد ما يبلغ الزَّرع لمَّا اشترط عليه أن يعمل حتَّى يفرغ، فأمَّا أن يكون يذهب عمل يديه وما أنفق في الأرض؛ فلا، وذلك أنَّه إذا أخرجه صاحبه أو خرج بإذنه، فإذا خرج من ذات نفسه، فليس له شيء) انتهى.
-
فحمل ابن منصور قول أحمد: (إنَّه لا شيء له) ، على ما إذا خرج بنفسه؛ لأنَّه معرض عمَّا يستحقُّه من الأرض، بخلاف ما إذا أخرجه المالك أو خرج بإذنه.
-
وظاهر كلامه (٣) : أنَّه يجب له أجرة عمله بيديه وما أنفق على الأرض من ماله، مع أنَّ كلام أحمد إنما فيه (٤) : أنَّه لا يبيع آثار عمله؛
- ج ١ ص ٤٥٩
لأنَّها ليست أعياناً، وهذا لا يدلُّ على أنَّه لا حقَّ له فيها بالكليَّة، ولهذا نقول (١) في آثار الغاصب: إنَّه يكون شريكاً بها على أحد القولين، والمفلس ونحوه لا خلاف فيه، مع أنَّ القاضي قال في «الأحكام السُّلطانيَّة» (٢) : قياس المذهب: جواز بيع العمارة الَّتي هي الإثارة (٣) ، ويكون شريكاً في الأرض بعمارته.
-
وأفتى الشَّيخ تقيُّ الدِّين فيمن زارع رجلاً على مزرعة بستانه ثمَّ أجَّرها؛ هل تبطل المزارعة؟ أنَّه إن زارعه مزارعة لازمة (٤) ؛ لم تبطل بالإجارة، وإن لم تكن لازمة؛ أعطى الفلاح أجرة عمله.
-
وأفتى أيضاً في رجل زرع أرضاً وكانت بُوراً وحرثها؛ فهل له إذا خرج منها فلاحة؟ أنَّه إن كان له في الأرض فلاحة لم ينتفع بها؛ فله قيمتها على من انتفع بها، فإن كان المالك انتفع بها أو أخذ عوضاً عنها من المستأجر؛ فضمانها عليه، وإن أخذ الأجرة عن الأرض (٥) وحدها؛ فضمان الفلاحة على المستأجر المنتفع بها.
- ج ١ ص ٤٦٠
ونصَّ أحمد في رواية صالح (١) فيمن استأجر أرضاً مفلوحة وشرط عليه أن يردَّها مفلوحة كما أخذها: أنَّ له أن يردَّها عليه كما شرط، ويُخرَّج مثل ذلك في المزارعة.
-
ومنها: المضاربة تنفسخ بفسخ المالك لها، ولو كان المال عرضاً، ولكنْ للمضارب بيعه بعد الفسخ لتعلُّق حقِّه بربحه، ذكره القاضي في «خلافه» (٢) ، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور (٣) .
-
وذكر القاضي في «المجرَّد» ، وابن عقيل في باب الشَّركة: أنَّ المضارب لا ينعزل ما دام المال عرضاً، بل يملك التَّصرف حتَّى ينضَّ رأس المال، وليس للمالك عزله، وأنَّ هذا ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل.
-
وذكرا في المضاربة: أنَّه ينعزل بالنِّسبة إلى الشِّراء دون البيع، وحمل صاحب «المغني» مطلق كلامهما في الشَّركة على هذا التَّقييد (٤) ، ومعناه: أنَّ المضارَب بعد الفسخ يملك تنضيض المال، وليس للمالك
ج ١ ص ٤٦١منعه من ذلك إذا كان فيه ربح.
-
لكنَّ ابن عقيل صرَّح في موضع آخر: بأنَّ العامل لا يملك الفسخ حتَّى ينضَّ رأس المال؛ مراعاةً لحقِّ مالكه.
ثمَّ قال ابن عقيل: إذا قصد المالك بعزله الحيلة لاقتطاع الرِّبح؛ مثل أن يشتري متاعاً يرجو به الرِّبح في موسم، فيفسخ قبله ليقوِّمه (١) بسعر يومه ويأخذه؛ لم ينفسخ في حقِّ المضارَب في الرِّبح، وإذا جاء الموسم؛ أخذ حصَّته منه.
-
فجعل العقد باقياً بالنِّسبة إلى استحقاق نصيبه من الرِّبح الذي أراد المالك إسقاطه بعد انعقاد سببه بعمل المضارب؛ فهو كالفسخ بعد ظهور الرِّبح.
وقال ابن عقيل أيضاً في باب الجعالة: المضاربة كالجعالة، لا يملك ربُّ المال فسخها بعد تلبُّس العامل بالعمل. وأطلق ذلك.
وقال في «مفرداته» : إنَّما يملك المضارَب الفسخ بعد أن ينضَّ رأس المال، ويعلم رب المال أنه أراد الفسخ؛ لئلَّا يتمادى به الزَّمان فتتعطَّل (٢) عليه الأرباح.
قال: (وهذا هو الأليق بمذهبنا، وأنَّه لا يحلُّ لأحد المتعاقدين في الشِّرَك والمضاربات الفسخ مع كتم شريكه؛ لأنَّه ذريعة إلى غاية الإضرار، وهو تعطيل المال عن الفوائد والأرباح، ولهذا لا يملك
ج ١ ص ٤٦٢عندنا فسخها ورأس المال قد صار عروضاً، لكن إذا باعها (١) ونضَّ رأس المال؛ فسخ) انتهى.
-
وحاصله (٢) : أنَّه لا يجوز للمضارب الفسخ حتَّى ينضَّ رأس المال ويُعْلِم به ربَّه؛ لئلَّا يتضرَّر بتعطيل ماله عن الرِّبح.
-
كما أنَّه ذكر في «الفصول» : أنَّ المالك لا يملك الفسخ إذا توجَّه المال إلى الرِّبح ولا يسقط به حقُّ العامل، وهو حسن جارٍ على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسدِّ الذَّرائع.
-
ولهذا قلنا: إنَّ المضارب إذا ضارب لآخر من غير علم الأوَّل، وكان عليه في ذلك ضرر؛ ردَّ حقَّه (٣) من الرِّبح في شركة الأوَّل، مع مخالفته لإطلاق الأكثرين أنَّه إذا فسخ قبل الظُّهور فلا شيء له.
-
وأمَّا ما ذكره في باب الجعالة؛ ففيه بُعد، إلَّا أن ينزَّل على مثل هذه الحال، مع أنَّ القاضي ذكر مثله أيضاً في باب الجعالة (٤) .
-
ومنها: الشَّركة إذا فسخ أحدهما عقدها بالقول؛ انفسخت، وإن قال للآخر: عزلتك؛ انعزل المعزول وحده، ذكره القاضي، وتنفسخ مع كون المال عروضاً أو ناضًّا.
-
وحكى صاحب «التَّلخيص» رواية أخرى: لا ينعزل حتَّى ينضَّ
ج ١ ص ٤٦٣المال (١) ؛ كالمضارب.
قال: (والمذهب الأوَّل) ، وفرَّق بأنَّ الشَّريك وكيل، والرِّبح يدخل تبعاً، بخلاف حقِّ المضارب، فإنَّه أصليٌّ، ولا يظهر بدون البيع (٢) .
-
ومنها: الوكيل إذا وكَّله في فعل شيء، ثمَّ عزله وتصرَّف قبل العلم تصرُّفاً يوجب الضَّمان؛ فهل يضمنه الموكَّل؟ فيه وجهان مذكوران فيما إذا وكَّله في استيفاء القصاص ثمَّ عزله فاستوفاه قبل العلم، قال أبو بكر: لا ضمان على الوكيل (٣) .
-
فمن الأصحاب من قال: لعدم تفريطه.
-
ومنهم من قال: لأنَّ عفو موكِّله لم يصحَّ؛ حيث حصل على وجه لا يمكن استدراكه، فهو كما لو عفى بعد الرَّمي.
قال أبو بكر: وهل يلزم الموكِّل الضَّمان؟ على قولين:
أحدهما: لا ضمان عليه (٤) ، وَوُجِّه: بأنَّ عفوه لم يصحَّ كما ذكرنا، وبأنَّه محسن بالعفو؛ فلا يترتَّب عليه الضَّمان به.
-
والثَّاني: عليه الضَّمان؛ لأنَّه سلَّطه على قتل معصوم لا يعلم
ج ١ ص ٤٦٤بعصمته؛ فكان الضَّمان عليه، كما لو أمر بالقتل من لا يعلم تحريمه فقتل؛ كان الضَّمان على الآمر.
-
وللأصحاب طريقة ثانية: وهي البناء على انعزال الوكيل قبل العلم، فإن قلنا: لا ينعزل؛ لم يصحَّ العفو، فيقع القصاص مستحَقًّا لا ضمان فيه.
-
وإن قلنا: ينعزل؛ صحَّ العفو وضمن الوكيل، كما لو قتل مرتدًّا كان (١) أسلم ولم يعلم به، وهل يرجع على الموكِّل؟ على وجهين:
أحدهما: يرجع لتغريره.
-
والثَّاني: لا؛ لأنَّ العفو إحسان منه لا يقتضي الضَّمان (٢) .
-
وعلى هذا؛ فالدِّية على عاقلة الوكيل عند أبي الخطاب؛ لأنَّه خطأ.
-
وعند القاضي في ماله؛ لأنَّه عمدٌ، وهو بعيدٌ.