قاعدة [٦٨] إيقاع العبادات أو العقود أو غيرهما مع الشك في شرط صحتها؛
٤٤ فقرة، ج ١ ص ٤٨٩
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٤٨٩
إيقاع العبادات أو العقود أو غيرهما (١) مع الشَّكِّ في شرط صحَّتها؛ هل يجعلها كالمعلَّقة على تحقُّق ذلك الشَّرط أم لا؟
- وهي نوعان:
-
أحدهما: ما يشترط فيه النِّيَّة الجازمة (٢) ، فلا يصحُّ إيقاعه بهذا التردد، ما لم يكن الشَّكُّ غلبة ظنٍّ فيكفي مثله في إيقاع العبادة أو العقد؛ كغلبة الظن بدخول الوقت، وطهارة الماء والثوب ونحو ذلك (٣) .
-
ومن أمثلة ذلك (٤) : ما إذا صلى يظنُّ نفسه محدثاً (٥) ؛ فتبين متطهراً (٦) .
- ج ١ ص ٤٩٠
ومنها: ما لو شكَّ هل ابتدأ مدَّة مسح الخفين في السَّفر أو الحضر؟ فمسح يومًا آخر بعد انقضاء مدَّة الحضر، ثمَّ تبيَّن أنَّه ابتدأها في السفر؛ لزمه إعادة الصَّلاة للشَّكِّ.
- وهل يلزمه إعادة الوضوء؟ فيه وجهان:
-
أحدهما: لا يلزمه، وبه جزم في «المغني» ؛ لأنَّ الوضوء يصحُّ مع الشَّكِّ في سببه؛ كمن شكَّ في الحدث، فتوضَّأ ينوي رفعه، ثمَّ تبيَّن محدثاً.
-
والثَّاني: يلزمه؛ لأنَّ المسح رخصة ولم تتحقَّق إباحتها؛ فلم تصحَّ؛ كمن قصر وهو يشكُّ في جواز القصر.
-
ومنها: لو توضَّأ من إناء مشتبه، ثمَّ تبيَّن أنه طاهر؛ لم تصحَّ طهارته في المشهور.
وقال القاضي أبو الحسين: تصحُّ. وهو يرجع إلى أنَّ الجزم بصحة الوضوء (١) لا يشترط كما سبق.
-
ومنها: لو توضَّأ شاكًّا في الحدث، أو صلَّى مع غلبة ظنِّه بدخول الوقت، ونوى الفرض إن كان محدثاً أو الوقت قد دخل، وإلَّا فالتَّجديدَ أو النَّفلَ؛ فذكر ابن عقيل: أنَّه يجزئه؛ لأنَّ هذا حكمه ولو لم ينوه، فإذا نواه لم يضرَّه.
-
ومنها: لو كان له مال حاضر وغائب، فأدَّى زكاةً ونوى أنَّها عن الغائب إن كان سالماً، وإلَّا فتطوع، فبان سالماً؛ أجزأه؛ لما ذكرنا.
- ج ١ ص ٤٩١
وحكي عن أبي بكر (١) : أنَّه لا يجزئه؛ لأنَّه لم يخلص النية للفرض.
-
ويخرَّج منه وجه في الَّتي قبلها: أنَّها لا تصحُّ، وأولى؛ لأنَّه هناك لم يبن على أصل مستصحب، ولكنَّه بنى على غلبة ظنٍّ بدخول الوقت، وهو يكفي في صحَّة الصَّلاة.
-
ومنها: إذا نوى ليلة الشَّكِّ: إن كان غداً من رمضان فهو فَرْضِي، وإلَّا فهو نفل؛ فهل يجزئه عن رمضان إن وافق؟ يُبنى على أنَّ نية التَّعيين؛ هل تشترط لرمضان؟
-
فإن قلنا: تشترط، وهو المشهور في المذهب؛ لم يجزئه؛ لأنَّه لم يجزم بالتَّعيين، ولم يبن على أصل مستصحب يجوز الصِّيام فيه، بخلاف مسألة الزَّكاة.
-
وهذا بخلاف ما لو نوى ليلة الثَّلاثين من رمضان: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم عنه، وإلَّا فأنا مفطر؛ فإنَّه يصحُّ صيامه في أصحِّ الوجهين؛ لأنَّه بنى على أصل لم يثبت زواله، ولا يقدح تردُّده؛ لأنَّه حكمُ صومِه مع الجزم.
-
والثَّاني: وهو قول أبي بكر: لا يجزئه للتردُّد.
-
ونقل صالح عن أبيه: أنَّه تجزئه النِّيَّة المتردِّدة مع الغيم دون الصَّحو؛ لأنَّ الصوم مع الغيم لا يخلو من تردُّد ينافي الجزم، فإذا تردَّد في النِّيَّة؛ فقد نوى حكم الصَّوم، فلا يضرُّه، بخلاف حالة الصَّحو؛ فإنَّه
ج ١ ص ٤٩٢لا يحتاج فيها إلى التَّردُّد.
-
والنَّوع الثَّاني: ما لا يحتاج إلى نيَّة جازمة، فالصَّحيح فيه (١) الصِّحَّة.
-
وقد سبق من أمثلته: إذا نكحت امرأة المفقود قبل أن يجوز لها النكاح، ثم تبين أنَّه كان جائزاً؛ ففي الصِّحَّة وجهان.
-
ومنها: لو كان له عند رجل دنانير وديعة، فصارفه عليها وهو يجهل بقاءها؛ ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول القاضي في «المجرد» : لا تصحُّ؛ لأنها ليست تالفة فتكون مصارفة عليها وهي في الذِّمَّة، ولا حاضرة فتكون مصارفةَ عينٍ (٢) .
-
والثَّاني: وهو قول ابن عقيل: أنَّه يصح؛ لأنَّ الأصل بقاؤها، فصار كبيع الحيوان الغائب بالصِّفة؛ فإنَّه يصحُّ مع احتمال تلفه؛ لأنَّ الأصل بقاؤه (٣) .
فقال ابن عقيل: فإن كانت باقية تقابضا، وصحَّ العقد، وإن كانت تالفة؛ تبيَّن بطلان العقد.
-
وهذا الَّذي قاله صحيح إذا تلفت (٤) بغير تفريط، فأمَّا إن تلفت تلفاً
ج ١ ص ٤٩٣مضموناً في الذِّمَّة؛ فينبني على تعيين النقود بالتَّعيين، فإن قلنا: يتعيَّن؛ لم يصح العقد، وإلَّا صحَّ، وقامت الدنانير الَّتي في الذِّمَّة مقام الوديعة، إلَّا على الوجه الَّذي يشترط فيه للصَّرف التَّعيين؛ فلا يصحُّ على ما في الذِّمَّة.
-
ومنها: لو وكَّله في شراء جارية، فاشتراها له، ثمَّ جحد الموكِّل الوكالة، فأراد الوكيل أن يشتريها منه، فلم يعترف بالملك، ثمَّ قال له: إن كنت أذنت لك في شرائها، فقد بعتكها؛ فهل يصحُّ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يصحُّ؛ لأنَّ البيع لا يصحُّ تعليقه (١) ، وهو قول القاضي وابن عقيل.
-
والثَّاني: يصحُّ، ذكره في «الكافي» احتمالاً؛ لأنَّه تعليق على شرط واقع يعلمانه، فلا يؤثِّر ذكره في العقد، كما لو قال: بعتك هذه إن كانت جارية، ويشهد له نصُّ أحمد في رواية ابن منصور بصحَّة بيع الغائب إن كان سالماً (٢) ، فإن هذا مقتضى إطلاق العقد؛ فلا يضرُّ تعليق البيع عليه.
- ج ١ ص ٤٩٤
ومنها: الرجعة في عقد نكاح شكَّ في وقوع الطلاق فيه.
قال أصحابنا: هي رجعة صحيحة رافعة للشَّكِّ، وهذه المسألة الَّتي أفتى فيها شريك بأنَّه يطلق ثمَّ يراجع.
-
ومأخذه: أنَّ الرَّجعة مع الشَّكِّ في الطلاق يصيِّرها كالمعلقة على شرط، ولا يصحُّ تعليقها؛ فلا يصحُّ تمثيل قوله بمن شكَّ في نجاسة ثوبه، فأمر بتنجيسه، ثمَّ يغسله.
-
ولذلك لم يصب من أدخل قوله في «أخبار المغفَّلين» ؛ فإنَّ مأخذه في ذلك خفي عنه.
-
فأمَّا الرَّجعة مع الشَّكِّ في حصول الإباحة بها؛ كمن طلَّق وشكَّ: هل طلَّق ثلاثاً أو واحدة، ثم راجع في العدة؛ فيصح عند أكثر أصحابنا؛ لأنَّ الأصل بقاء النكاح، وقد شكَّ في انقطاعه، والرَّجعة استبقاء له؛ فيصح مع الشَّكِّ في انقطاعه.
-
وعند الخرقيِّ: لا يصح؛ لأنَّه قد تيقن سبب التَّحريم، وهو الطلاق، فإنه إن كان ثلاثاً؛ فقد حصل التَّحريم بدون زوج وإصابة، وإن كان واحدة؛ فقد حصل به التَّحريم بعد البينونة بدون عقد جديد؛ فالرَّجعة في العدَّة لا يحصل بها الحلُّ إلَّا على هذا التَّقدير فقط؛ فلا
ج ١ ص ٤٩٥يزيل الشَّكَّ مطلقاً، فلا يصحُّ؛ لأنَّ تيقُّن سبب وجود التَّحريم مع الشَّكِّ في وجود المانع منه؛ يقوم مقام تحقق وجود الحكم مع الشك في وجود المانع (١) ؛ فيستصحب حكم السبب كما يعمل بالحكم، ويلغى المانع المشكوك فيه كما يلغى مع تيقُّن وجود حكمه.
-
وقد استشكل كثير من الأصحاب كلام الخرقيِّ وتعليله؛ بأنَّه تيقَّن التَّحريم، وشكَّ في التَّحليل، وظنوا أنَّه يقول بتحريم الرَّجعية، وليس بلازم؛ لما ذكرنا.
-
ومنها: لو حكم الحاكم في مسألة مختلف فيها بما يرى أنَّ الحقَّ في غيره؛ أثم وعصى بذلك، ولم ينقض حكمه إلَّا أن يكون مخالفاً لنصٍّ صريح، ذكره ابن أبي موسى.
وقال السَّامريُّ: بل ينقض حكمه؛ لأنَّ شرط صحَّة الحكم موافقة الاعتقاد، ولهذا لو حكم بجهل لنقض حكمه، مع أنَّه لا يعتقد بطلان ما حكم به، فإذا اعتقد بطلانه؛ فهو بالرَّدِّ أولى.
- وللأصحاب وجهان فيما ينقض فيه حكم الجاهل والفاسق:
-
أحدهما: ينقض جميع أحكامه؛ لفقد أهليَّته، وهو قول أبي الخطَّاب وغيره.
-
الثَّاني: ينقض كلُّها، إلَّا ما وافق الحقَّ المنصوص والمجمع عليه، وينقض ما وافق الاجتهاد؛ لأنَّه ليس من أهله، وهو اختيار صاحب «المغني» .
- ج ١ ص ٤٩٦
ويشبه هذا؛ قولنا في الوصيِّ الفاسق إذا قسَّم الوصيَّة، فإن أعطى الحقوق لمستحِقٍّ معيَّن يصحُّ قبضه؛ لم يضمنه؛ لأنَّه يجب إيصاله إليه وقد حصل، وإن كان لغير معيَّن؛ فوجهان.
-
ومنها: الحكم بإسلام من اتُّهم بالرِّدَّة إذا أنكر وأقرَّ بالشهادتين؛ فإنَّه حكم صحيح، وإن حصل التردد في مستنده؛ هل هو الإسلام المستمر على ما يدَّعيه، أو الإسلام المجدَّد على تقدير صحَّة ما اتُّهم به؟
-
وقد قال الخرقي: ومن شُهد عليه بالرِّدَّة، فقال: ما كفرت، فإن شَهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله؛ لم يكشف عن شيء، قال في «المغني» : (لأنَّ هذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي؛ فكذلك المرتد) ، قال: (ولا حاجة في ثبوت إسلامه إلى الكشف عن صحَّة ردَّته) .
-
ونقل محمَّد بن الحكم عن أحمد فيمن أسلم من أهل الكتاب ثمَّ ارتدَّ، فشهد قوم عدول أنَّه تنصَّر أو تهوَّد، وقال هو: لم أفعل، أنا مسلم، قال: أقبل قوله، ولا أقبل شهادتهم. وذكر كلاماً معناه أنَّ إنكاره أقوى من الشُّهود (١) .
- ج ١ ص ٤٩٧
وكذلك نقل عنه أبو طالب في رجل تنصَّر، فأُخِذَ، فقال: لم أفعل؛ قال: يقبل منه. وعلل بأنَّ المرتدَّ يستتاب لعلَّه يرجع، فيقبل منه، فإذا أنكر بالكلِّيَّة؛ فهو أولى بالقبول (١) .