فصل
٢٧ فقرة، ج ١ ص ٥٥٢
- ج ١ ص ٥٥٢
وقد يجتمع النَّوعان في صور، فيؤدِّي عن ملك غيره واجباً يتعلَّق به حقُّه، وفي ذلك طريقان:
أحدهما: أنَّه على روايتين أيضاً، وهي طريقة الأكثرين.
-
والثَّاني: أنَّه يرجع ههنا رواية واحدة، وهي طريقة القاضي في «خلافه» .
-
فمن ذلك: أن ينفق المرتهن على الرَّهن (٢) بإطعام أو كسوة إذا كان عبداً أو حيواناً؛ ففيه الطَّريقان؛ وأشهرهما: أنَّه على الرِّوايتين، كذلك قال القاضي في «المجرد» و «الرِّوايتين» ، وأبو الخطَّاب وابن عقيل والأكثرون.
-
والمذهب عند الأصحاب: الرُّجوع، ونصَّ عليه أحمد في رواية أبي الحارث، وكذلك نقل عنه ابن القاسم وابن هانئ (٣) : أنَّه يركب
ج ١ ص ٥٥٣ويحلب بقدر نفقته، ولم يعتبر إذناً؛ كما دلَّ عليه النَّصُّ الصَّحيح (١) .
-
وأيضاً؛ فالإذن في الإنفاق ههنا عرفيٌّ (٢) ، فيقوم مقام اللَّفظيِّ، وبالمرتهن إليه حاجة لحفظ وثيقته؛ فصار كبناء أحد الشَّريكين الحائط (٣) المشترك.
-
ونقل عنه ابن منصور فيمن ارتهن دابَّة فعلفها بغير إذن صاحبها: فالعلف على المرتهن؛ مَن أمره أن يعلف؟! (٤) .
-
وكذلك نقل عنه مهنى (٥) في كفن العبد المرهون، لكن الكفن من النَّوع الأوَّل.
-
وهذه الرِّواية ظاهر ما أورده ابن أبي موسى.
-
وحمل القاضي في كتاب «الخلاف» هذا النَّصَّ على أنَّ الرَّاهن كان حاضراً، وأمكن استئذانه، وعلف بدون إذنه.
-
وقد صرَّح القاضي: بأنَّ الرُّجوع مشروط بتعذُّر الاستئذان، وكذلك أبو الخطَّاب وابن عقيل وصاحب «المحرر» ، مع أنَّه وافق طريقة
ج ١ ص ٥٥٤«الخلاف» في الرُّجوع قولاً واحداً، بخلاف ما ذكر في الضَّمان.
-
وضعَّف صاحب «المغني» اعتبار الإذن؛ طرداً لما ذكره في الضَّمان.
-
ومنها: إذا هرب الجمَّال وترك الجمال، فأنفق عليها المستأجر بدون (١) إذن حاكم؛ ففي الرُّجوع الرِّوايتان.
-
ومقتضى طريقة القاضي: أنَّه يرجع رواية واحدة.
-
ثمَّ إنَّ الأكثرين اعتبروا هنا استئذان الحاكم، بخلاف ما ذكروه في الرَّهن، واعتبروه أيضاً في المودَع واللُّقَطَة.
-
وفي «المغني» إشارة إلى التَّسوية بين الكلِّ في عدم الاعتبار، وأنَّ الإنفاق بدون إذنه مخرَّج على الخلاف في قضاء الدَّين.
-
وكذلك اعتبروا الإشهاد على نيَّة الرُّجوع.
-
وفي «المغني» وغيره وجه آخر: أنَّه لا يعتبر، وهو الصَّحيح.
-
ومنها: إذا هرب المساقي قبل تمام العمل استُؤجر عليه من يتمُّه، والحكم فيه حكم الجمَّال (٢) ؛ إلَّا أن للمالك الفسخ ولو قلنا بلزوم المساقاة؛ لتعذُّر (٣) استيفاء المعقود عليه.
-
ومنها: إذا غاب الزَّوج، فاستدانت الزَّوجة للنفقة على نفسها وأولادها الصِّغار نفقة المثل من غير زيادة؛ فإنَّها ترجع، نصَّ عليه في رواية أبي زرعة الدِّمشقيِّ (٤) ، ولم يعتبر إذن الحاكم.
- ج ١ ص ٥٥٥
واعتبر (١) صاحب «المحرر» في لزوم نفقة الأقارب: أن يستدان عليه بإذن الحاكم، مع قوله: (إنَّها لا تلزم بفرض الحاكم) ، وفيه نظر.
-
وفي «التَّرغيب» : ليس لغير الأب الاستقراض إلَّا بإذن الحاكم؛ حتَّى ولا للزَّوجة في حقِّها وحقِّ ولدها الصَّغير، وإنَّما للزَّوجة الأخذ من مال زوجها الموسر عند الامتناع إذا قدرت عليه قدر كفايتها.
-
وحكى في أخذها لولدها وجهين؛ قال: وليس لها الإنفاق على الطِّفل من ماله لو كان له مال بدون إذن وليِّه؛ لانتفاء ولايتها عليه.
-
وهذا كلُّه مخالف لظاهر نصِّ أحمد المتقدِّم ولقواعد المذهب؛ فإنَّ المذهب: أنَّها تأخذ لنفسها ولولدها، ونصَّ أحمد على أنَّها تقبض الزَّكاة لولدها الطِّفل، وقد سبق قول القاضي (٢) وغيره أنَّ من أنفق على أقارب غيره الَّذين يلزم نفقتهم؛ فإنَّه يرجع بذلك عليه كما يرجع عليه بقضاء الدَّين الواجب عليه.
-
وذكر ابن أبي موسى: أنَّ الزَّوجة (٣) إذا استدانت على زوجها نفقة المثل مع غيبته؛ فإنَّها ترجع عليه، ولم يعتبر إذن حاكم، مع أنَّه لم يحك خلافاً في سقوط نفقة الزَّوجة بمضيِّ الزَّمان بدون (٤) فرض الحاكم لها (٥) .
- ج ١ ص ٥٥٦
ومنها: إذا أعاره شيئاً ليرهنه، ثمَّ افتكَّه المعير بقضاء الدَّين؛ فإنَّه يرجع ههنا قولاً واحداً على ظاهر كلام القاضي.
-
ومنها: لو قضى أحد الورثة الدَّين عن الميِّت ليزول تعلُّقه بالتَّركة؛ فإنَّه يرجع أيضاً، ولم يذكر القاضي فيه خلافاً.
-
وهذه المسألة والَّتي قبلها قد لا يطَّرد فيهما الخلاف؛ لأنَّ الإنفاق ههنا لاستصلاح ملك المنفِق؛ فهو كإنفاق الشَّريك على عمارة الحائط يرجع به بغير خلاف، وإنَّما الخلاف إذا كان الإنفاق لاستصلاح ما تعلَّق به حقُّ المنفق؛ إلَّا أنَّ الأصحاب صرَّحوا (١) باطِّراد الخلاف في صورة المساقاة مع تعلُّق الاستصلاح فيها بعين مال المنفق.