قاعدة [٧٦] الشريكان في عين مال أو منفعة، إذا كانا محتاجين إلى دفع مضرة أو إبقاء منفعة
٨١ فقرة، ج ٢ ص ٥
الصفحة ١ من ٣
- ج ٢ ص ٥
الشَّريكان في عين مال أو منفعة، إذا كانا محتاجين إلى دفع مضرَّة أو إبقاء منفعة؛ أجبر أحدهما على موافقة الآخر على (١) الصَّحيح من المذهب.
-
وفيه رواية أخرى: إن أمكن أحدهما أن يستقلَّ بدفع الضَّرر؛ فعله، ولم يجبر الآخر معه، لكن إن أراد الآخر الانتفاع بما فعله شريكه؛ فله منعه حتَّى يعطيه حصَّة ملكه من النَّفقة.
-
وإن احتاجا إلى تجديد منفعة؛ فلا إجبار.
- ويندرج تحت ذلك صور:
-
منها: إذا انهدم الحائط المشترك؛ فالمذهب: إجبار الممتنع منهما بالبناء مع الآخر، نصَّ عليه في رواية جماعة (٢) ، فإنَّ الإجبار هنا من جنس المعاوضة (٣) ، والمعاوضة في الأموال المشتركة واجبة لدفع
ج ٢ ص ٦الضَّرر في الانتزاع بالشُّفعة وبيع ما لا يمكن قسمته.
-
والمعنى فيه: أنَّ المالك يستحقُّ الانتفاع بملكه، ويجب على شريكه تمكينه منه، فإذا دار الأمر بين تعطيل الحقِّ بالكليَّة وبين المعاوضة عليه؛ فالمعاوضة أولى؛ لأنه يرجع فيها إلى الانتفاع بالبدل، بخلاف التَّعطيل.
-
وأمَّا الرِّواية الثَّانية بعدم الإجبار؛ فهي مأخوذة من نصِّ أحمد على عدم الإجبار في بناء حيطان السُّفل إذا كان العلو لآخر وانهدم الكلُّ: أنَّه لا يجبر صاحب العلو على البناء مع صاحب السُّفل في السُّفل (١) .
-
والفرق واضح؛ لأنَّ السُّفل ملكه يختص بصاحبه، بخلاف الحائط المشترك، ولذلك عقد الخلَّال لكلِّ واحد منهما باباً، وذكر النَّصَّ بالإجبار في الحائط والنص بانتفائه في الصورة الأخرى.
-
وعلى تقدير ثبوت هذه الرِّواية في الحائط؛ فللشَّريك الاستبداد ببنائه من ماله بغير إذن حاكم، صرَّح به القاضي في «خلافه» ، واعتبر في «المجرد» استئذان الحاكم، ونصَّ أحمد على أنَّه يشهد على ذلك.
-
وله منع الشَّريك الآخر من الانتفاع بما كان له عليه من الحقوق إن أعاده بآلة جديدة من ماله، وإن أعاده بآلته الأولى؛ ففيه وجهان:
أحدهما: ليس له المنع؛ لأنَّه عين ملكهما المشترك، وهو قول القاضي في «المجرد» ، وابن عقيل، والأكثرين.
- ج ٢ ص ٧
والثَّاني: له المنع حتَّى يأخذ نصف قيمة التَّالف (١) ؛ لأنَّه متقوِّم حيث وقع مأذوناً فيه شرعاً، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، والقاضي في «خلافه» ، وجزم به صاحب «المحرر» ، وحكاه صاحب «التَّلخيص» عن بعض المتأخِّرين من الأصحاب.
-
وإذا أعاده بآلة جديدة، واتَّفقا على دفع القيمة؛ جاز، لكن هل المدفوع نصف قيمة البناء، أو نصف ما أنفق عليه؟
-
ذكر القاضي في «خلافه» فيه روايتين، مأخذهما: هل ذلك من باب الرُّجوع بما أنفق على ملكه بإذن معتبر، أو هو معاوضة عن ملك الباني (٢) ؛ كضمان سراية العتق والاستيلاد؟
-
وإن امتنع الباني من القبول، وطلب رفع البناء من أصله؛ ليعيداه من مالهما؛ فقد يتخرَّج على هذا البناء، فإن قلنا: هو رجوع بما أنفق على ملكه؛ لم يكن له الامتناع، وإن قلنا: معاوضة؛ فله ذلك.
-
وفي «المجرَّد» و «الفصول» البناء على الإجبار ابتداءً وعدمه، فإن قلنا: يجبر؛ أجبر هنا على التَّبقية، وإلَّا فلا.
-
وقد يقال: هو معاوضة، سواء كان بالقيمة أو بالنَّفقة، كما أنَّ زرع الغاصب يعاوض عنه بالقيمة على رواية، وبالنَّفقة على أخرى، والإجبار على المعاوضات لإزالة الضَّرر غير مستبعد.
-
فإن قيل: فعندكم لا يجوز للجار منع جاره من الانتفاع بوضع خشبه على جداره؛ فكيف منعتم ههنا؟!
- ج ٢ ص ٨
قلنا: إنما منعنا من عود الحقِّ القديم المتضمِّن ملك الانتفاع قهراً، سواء كان محتاجاً إليه أو لم يكن، وأمَّا التمكين من الوضع للارتفاق؛ فتلك مسألة أخرى، وأكثر الأصحاب يشترطون فيها (١) الحاجة.
-
والتزم ابن عقيل في «المفردات» تخريج رواية من هذه المسألة بمنع الجار من وضع الخشب مطلقاً، ثمَّ اعتذر بأن حقَّ الوضع هنا سقط عقوبة لامتناعه من النَّفقة الواجبة، وحمل حديث الزُّبير وشريكِه في شِرَاج الحرَّة (٢) على مثل ذلك.
-
ومنها: إذا انهدم السَّقف الَّذي بين سفل أحدهما وعُلْو الآخر؛ فذكر الأصحاب في الإجبار الرِّوايتين، والمنصوص ههنا: أنَّه إن تكسَّر خشبه؛ فبناؤه بينهما؛ لأنَّ المنفعة لهما جميعاً، وظاهره الإجبار.
-
وإن انهدم السقف والحيطان؛ لم يجبر صاحب العلوِ على بناء الحيطان؛ لأنَّها خاصُّ ملك صاحب السُّفل، ولكنَّه يجبر على أن يبني معه السقف، فإن لم يفعل؛ أشهد عليه، ومنعه من الانتفاع به حتى
ج ٢ ص ٩يعطيَه حقَّه، ويجبر صاحب السفل على بنائه؛ لأنَّه سترة له، نقل ذلك عنه أبو طالب.
-
ونقل عنه ابن الحكم: أنَّ صاحب السفل لا يجبر على البناء لأجل صاحب العُلْو، لكن صاحب العلو له أن يبني الحيطان ويسقُفَ عليها، ويمنع صاحب السفل من الانتفاع به حتى يعطيَه ما بنى به السُّفل، ويكون لهما جميعاً.
-
وهذا يحتمل: أنَّه أراد يعطيه ما بنى به الحيطان كلَّه؛ فيصير البيت لهما؛ كما كان لأحدهما سفله وللآخر علوه، وهو ظاهر كلامه.
-
ويحتمل: أنَّه يعطيه نصف قيمة بناء السُّفل، وتكون الحيطان مشتركة بينهما.
-
وكذلك حكى الأصحاب روايتين في مشاركة صاحب العلو لصاحب السفل في بناء الحيطان؛ حتى أخذ القاضي منها رواية بعدم الإجبار في الحائط المشترك، وهو بعيد؛ لأنَّ هذا المعنى لو كان صحيحاً؛ لكان الاشتراك حادثاً بعد البناء، فلا يلحق به الملك المشترك قبل البناء.
-
وحكى القاضي في «خلافه» في إجبار صاحب السُّفل على بناء حائطه لحقِّ صاحب العُلْوِ ثلاث روايات:
أحدها: إجباره منفردًا بنفقته، وأخذها من رواية أبي طالب، وفيه نظر؛ لأنَّ أحمد علَّل بأنَّه سترة له؛ فعلم أنَّ إجباره لحقِّ جاره لا لحقِّ صاحب العلو.
-
لكن قد يقال: إنَّ تضرُّر صاحب العُلْو بترك بناء السُّفل أشد من تضرر الجار بترك السترة؛ لأن هذا يمنعه حقَّه بالكليَّة، بخلاف ترك
ج ٢ ص ١٠السترة، وهذه الرواية هي المذهب عند ابن أبي موسى.
-
والثَّانية: يجبر على الإنفاق على وجه الاشتراك، نقلها يعقوب بن بختان؛ فقال: يشتركون على (١) السُّفل، وهو مروي عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه (٢) .
-
والثَّالثة: لا يجبر، وهي رواية ابن الحكم.
-
وحكى في «المجرد» في إجبار كلٍّ منهما على أن يبني مع الآخر الحيطان روايتين.
-
وكذا في الإجبار على بناء السَّقف الَّذي يختصُّ بملكه صاحب العلو.
-
وحاصل هذا يرجع إلى أنَّه هل يلزم الإنسان بناء ملكه الخاصِّ به إذا كان انتفاع غيره به مستحَقًّا؛ كما يلزمه دفع الضَّرر عنه ببناء السُّترة؟ وهل يلزم الشَّريك في الانتفاع البناء مع المالك كالشَّريك في الملك؟
-
وعلى هذا يخرَّج إذا كان له على حائط جار له يحاذيه ساباط بحقٍّ، فانهدم الحائط؛ هل يجبر المالك على بنائه؟
-
وظاهر كلام القاضي في «خلافه» : إجباره أن يبنيه منفرداً به بغير خلاف، ولعلَّ هذا فيما إذا كان بحقِّ معاوضة.
-
ومثله ذكر ابن عقيل في «فنونه» فيمن له حق إجراء مائِه على سطح غيره، فعاب السطح، ولو بجريان مائِه عليه؛ لم يلزم صاحب الماء المشاركة في الإصلاح.
- ج ٢ ص ١١
وكذا لو كان ماء تلك الدَّار يجري إلى بئرٍ لصاحب الدار (١) بحقٍّ، فعابت البئر؛ لم يلزم صاحب الماء المشاركة في إصلاحها.
-
وتخريج ذلك كلِّه على الخلاف في السُّفل الَّذي علوه لمالك آخر متوجِّه، ويرجع إلى أنَّ الشركة في الانتفاع هل هي كالشركة في الملك؟
-
ومنها: القناة المشتركة إذا انهدمت (٢) ، ونصَّ أحمد على الإجبار على العمارة كما سبق، ولم يذكر ابن أبي موسى فيه خلافاً، وإنَّما ذكر الرِّوايتين في الحائط، والفرق: أنَّ الحائط تمكن قسمته، بخلاف القناة والبئر.
-
وطرد القاضي والأكثرون فيه الرِّوايتين.
-
وإذا لم نقل بالإجبار، فعَمَر أحدُهما؛ لم يكن له منع الآخر من الماء، ذكره القاضي في «المجرَّد» ، وابن عقيل، وصاحبا «التلخيص» و «المغني» ؛ لأنَّ الماء باق على ما كان عليه من الملك أو الإباحة، وإنَّما أزال الضَّرر عن طريقه، ولا يقع الاستعمال على تلك الآلات المعمور بها.