قاعدة [٧٧] من اتصل بملكه ملك غيره متميزا عنه وهو تابع له
٥١ فقرة، ج ٢ ص ٢٠
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ٢٠
من اتَّصل بملكه ملك غيره متميِّزاً عنه وهو تابع له، ولم يمكن فصله منه بدون ضرر يلحقه، وفي إبقائه على الشركة ضرر، ولم يفصله مالكه؛ فلمالكِ الأصل أن يتملَّكه بالقيمة من مالكه، ويجبر المالك على القبول.
-
وإن كان يمكن فصله بدون ضرر يلحق مالك الأصل؛ فالمشهور: أنَّه ليس له تملُّكه قهراً؛ لزوال ضرره بالفصل.
- ويتخرَّج على هذه القاعدة مسائل كثيرة:
-
منها: غراس المستأجر وبناؤه بعد انقضاء المدَّة إذا لم يقلعه المالك؛ فللمُؤْجر تملُّكه بالقيمة (١) ؛ لأنَّه لا يملك قلعه بدون ضمان نقصه، وفيه ضرر عليه، ذكر ذلك القاضي وابن عقيل والأكثرون.
-
ولم يشترط أبو الخطاب ألَّا يقلعه (٢) المالك؛ فلعلَّه جعل الخيرة لمالك الأرض دون مالك الغراس والبناء.
-
ومنها: غراس المستعير وبناؤه إذا رجع المعير أو انقضت مدَّة الإعارة، وقلنا: يلزم بالتَّوقيت؛ فالمنصوص عن أحمد: أنَّه يتملَّك
ج ٢ ص ٢١بالقيمة، نقله عنه مهنَّى وابن منصور (١) .
-
وكذلك نقل عنه جعفر بن محمَّد، لكن قال في روايته: يتملَّك بالنَّفقة.
-
ولمالكه القلع ابتداءً، بغير خلاف، ولا يجبر عليه إذا كان فيه ضرر.
-
وإن لم يكن فيه ضرر؛ فتردَّد فيه كلام الأصحاب، وظاهر كلام أحمد: أنَّه لا يقلع بدون شرط (٢) .
-
ومنها: غراس المشتري في الأرض المشفوعة وبناؤه؛ حيث يتصوَّر ذلك (٣) إذا انتزع الشَّفيع؛ فإنَّه يأخذه مع الأرض بقيمته، نصَّ عليه (٤) ، ولمالكه أن يقلعَه أيضاً، ولا يجبر عليه إلَّا أن يضمن له النَّقص.
-
ومنها: غراس المفلس وبناؤه إذا رجع بائع الأرض فيها؛ فللمفلس والغرماء القلع، فإن أَبَوْهُ وطلب البائع التَّملُّك بالقيمة؛ ملكه، وكذا إذا طلب القلع مضموناً.
- ج ٢ ص ٢٢
ومنها: إذا أصدقها أرضاً، فغرست فيها أو بَنَت (١) ، ثمَّ طلَّقها قبل الدُّخول، وطلب (٢) الرُّجوع في نصفها، وبذل نصف قيمة الغراس والبناء؛ قال الخرقيُّ: تجبر (٣) على القبول.
وقال القاضي: يسقط حقُّه إلى القيمة (٤) . فليست المسألة على قوله ممَّا نحن فيه.
-
فإن قيل: هذه المسألة والَّتي قبلها (٥) يتملَّك فيهما (٦) الغراس والبناء مع الأرض؛ فلا يكون (٧) من صور مسائل القاعدة.
-
قيل: بل هما منها؛ فإنَّ الشَّفيع إنَّما استحقَّ انتزاع بناء المشتري وغراسه؛ لأنَّه أحدثه في حال تعلُّق حقِّه به؛ فكأنَّه قد أحدثه في ملكه.
-
وكذلك الزَّوجة؛ لأنَّها قبل الدُّخول لم يستقرَّ لها الملك على النِّصف؛ لتعرُّضه لعوده إلى الزَّوج باختياره تارة وبغيره أخرى.
-
وفي انتقال ملك النِّصف إليها خلاف مشهور؛ فلذلك (٨) استحقَّ
ج ٢ ص ٢٣الزَّوج تملُّكه.
-
ومنها: القابض بعقد فاسد من المالك إذا غرس وبنى؛ فللمالك تملُّكه بالقيمة، كغراس المستعير، ولا يقلع إلَّا مضموناً؛ لاستناده إلى الإذن، ذكره القاضي وابن عقيل.
-
ومنها: غرس المشتري من الغاصب إذا لم يعلم بالحال، والمنصوص عن أحمد (١) : أنَّه يتملَّك بالقيمة ولا يقلع مجَّاناً، نقله عنه حرب ويعقوب بن بختان في رجل باع أرضاً من رجل، فعمل فيها وغرس، ثمَّ استحقَّها آخر، قال: يردُّ عليه قيمة الغراس (٢) أو نفقته، ليس هذا مثل من غرس في أرض غيره.
-
وكذلك نقل محمَّد بن أبي حرب الجرجرائيُّ عن أحمد فيمن اشترى أرضاً، فغرس فيها وعمل، ثمَّ استحقَّها آخر: أنَّه يردُّ عليه قيمة الغراس يوم يستحقُّ، ليس هذا مثل الغرس في أرض غيره (٣) فيقلع غرسه.
-
وحمل القاضي هذه النُّصوص على أنَّ له القيمة على من غرَّه (٤) كما في المغرور بنكاح أمة؛ قال: فأمَّا المستحِقُّ للأرض؛ فلا ضمان عليه؛ لأنَّه لم يحصل منه إذن في ذلك.
- ج ٢ ص ٢٤
وهذا مخالف لمدلول هذه النُّصوص على ما لا يخفى، وكونه لم يحصل منه إذن لا ينفي كون الغراس محترماً، كما نقول فيمن حمل السَّيلُ إلى أرضه نَوًى، فنبت شجراً: إنَّه كغراس المستعير على أحد الوجهين، لا يقلع مجَّاناً؛ لعدم التَّعدي في غرسه، وهو اختياره؛ أعني: القاضي، وأقرَّها القاضي في موضع آخر من «خلافه» رواية، وكذلك صاحب «المحرر» .
-
ولكن الَّذي ذكره ابن أبي موسى والقاضي في «المجرد» وتبعه عليه المتأخرون: أنَّ للمالك قلعه مجاناً، ويرجع المشتري بالنَّقص على من غرَّه.
-
والصَّحيح الأوَّل، ولا يثبت عن أحمد سواه، وهو قول اللَّيث ومالك وأبي عبيد، وبه قضى عمر بن الخطاب (١) وعمر بن عبد العزيز (٢)
- ج ٢ ص ٢٥
رضي الله عنهما؛ لكنَّ عمر بن الخطاب خيَّر صاحب الأرض بين أن يعطي الغارس قيمة غرسه أو يدفع (١) الغارس إليه قيمة أرضه.
-
وكذلك قضى عمر بن عبد العزيز؛ لكنَّه إنَّما قضى بدفع قيمة الأرض إلى المالك عند عجزه عن دفع قيمة الغراس.
-
وقد ذكر هذه الآثار أبو عبيد في كتاب «الأموال» ، والخلَّال في كتاب القرعة من «الجامع» .
-
ومنها: غراس الغاصب وبناؤه، والمشهور عن أحمد: أنَّ للمالك قلعه مجَّاناً، وعليه الأصحاب.
-
وعنه رواية ثانية: لا يقلع، بل يتملَّك بالقيمة أيضاً، وممَّن حكاها القاضي وابن عقيل في «كتاب الرِّوايتين» لهما، وخرَّجاها في «خلافيهما» من مسألة الصِّبغ، ونصَّ عليها أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه فيمن غصب أرضاً أو داراً وبنى فيها؛ قال: يعجبني أن يَغرم البناء ويُعطِي؛ لأنَّه إن أخذ الغاصب بناءه؛ تضرَّرت (٢) الأرض في الخراب والهدم، ويكون أيضاً ذهاب مال الغاصب في الجصِّ والآجرِّ وكلِّ شيء (٣) .
-
وفي «مسائل ابن هانئ» (٤) عن أحمد في رجل اكترى أرضاً، يغرس
ج ٢ ص ٢٦فيها أشجاراً، واشترط عليه ربُّ الأرض ألَّا يغرس فيها غيرَه، فغرس فيها شجراً - يعني: غير ما اشترطه - وأثمر الشَّجر، وأراد أن يقلع الغرس؛ قال: لا يقلع الشَّجر من الأرض، يضرُّ بهما جميعاً.
-
وعلى هذه الرِّواية؛ فلا يقلع إلَّا مضموناً؛ كغرس المستعير، كذلك حكاها القاضي وابن عقيل؛ فلذلك (١) يملك بالقيمة حيث لم يمكن القلع بدون ضرر (٢) .
-
ومنها: إذا بنى الوارث في الأرض الموصى بها.
قال ابن أبي موسى: إن كان غير عالم بالوصيَّة؛ فهو محترم يتملَّك (٣) بقيمته غير مقلوع وجهاً واحداً، وإن كان عالماً بالوصيَّة؛ فكذلك، ويتوجَّه أن يقلع بناؤه.
-
ولم يفرِّق بين ما قبل القبول وبعده؛ فإنَّ ظاهر كلامه أنَّ الوصية تملك بالموت من غير قبول، فإنَّه ذكر أنَّ من وصَّى لمن لا يعرف؛ حملت وصيَّته إلى الحاكم؛ ليفرِّقها في أبواب البرِّ، ونصَّ أحمد على ذلك أيضاً.
- ج ٢ ص ٢٧
ولكن ما ذكره من أنَّ الوارث إذا بنى وهو عالم بالوصية أنَّ بناءه لا يقلع، يشكل على ذلك؛ لأنَّه يكون كبناء الغاصب، وأمَّا غير العالم؛ فبناؤه كبناء المشتري من الغاصب على ما سبق.
-
والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور: أنَّ البناء للورثة (١) ، ولم يتعرَّض لتملكه عليهم ولا لقلعه، وظاهره أنَّه محترم، وذلك يرجع إلى أنَّ الموصى له يملكه من حين القَبول.
-
أمَّا إن قيل: تملَّكه بالموت، أو يتبيَّن بقبوله ملكُه بالموت؛ فالبناء في الأرض مع العلم بالحال تفريط وعدوان.
-
ومنها: من كان في أرضه نخلة لغيره، فلَحِقَ صاحبَ الأرض ضرر بدخوله؛ قال أحمد في رواية حنبل، وذُكر له الحديث الَّذي ورد في ذلك، وأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر صاحبها أن يبيع فأبى، فأمره أن يناقل فأبى، فأمره أن يهب فأبى؛ فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أنت مضارٌّ، اذهب فاقلع نخله» .
قال أحمد: كلُّ ما كان على هذه الجهة وفيه ضرر؛ يمنع من ذلك، فإن أجاب، وإلَّا جبره السُّلطان، ولا يضرُّ بأخيه إذا كان ذلك (٢) فيه مرفق له.
-
والحديث المشار إليه أخرجه أبو داود في «السُّنن» (٣) ، وأورده
ج ٢ ص ٢٨الخلال في «الجامع» من وجه آخر.
-
ولا يقال: لم يأمره بضمان النَّقص؛ فيكون كغرس الغاصب؛ فكيف يتملَّك؛ لأنَّا قد قدَّمنا الخلاف في غرس الغاصب.
-
وأيضاً؛ فالأمر بالقلع هنا إنما كان عند الإصرار على المضارَّة والامتناع من قبول ما يدفع ضرر المالك، ولهذا قال أصحابنا في المستعير: إذا امتنع المعير من الضَّمان مطلقاً، فطلب قيمة البناء أو الغراس (١) ؛ أجيب إلى ذلك، وإن طلب القلع وضمان النَّقص؛ لم يُجَب.
-
ومن ذلك: إذا اشترى حيواناً يؤكل واستثنى رأسه أو أطرافه؛ فإنَّه يصحُّ، وإذا امتنع المشتري من الذَّبح؛ لم يجبر، وكان له قيمة المستثنى، نصَّ عليه.