قاعدة [٨١] النماء المتصل في الأعيان المملوكة العائدة إلى من انتقل الملك عنه بالفسوخ؛
٩٠ فقرة، ج ٢ ص ٥٦
الصفحة ١ من ٣
- ج ٢ ص ٥٦
النَّماء المتَّصل في الأعيان المملوكة العائدة إلى من انتقل الملك عنه بالفسوخ؛ يتبع الأعيان على ظاهر المذهب عند أصحابنا.
-
والمنصوص عن أحمد: أنَّه لا يتبع، وهو الَّذي ذكره الشِّيرازيُّ في «المبهج» ، ولم يحكِ فيه خلافاً، وهو اختيار ابن عقيل، صرَّح به في كتاب الصَّداق، والشَّيخ تقيِّ الدَّين (١) .
-
ويتبع الأصل في التَّوثقة والضَّمان على المشهور.
- ويتخرَّج على ذلك مسائل:
-
منها: المردود بالعيب إذا كان قد زاد زيادة متَّصلة؛ كالسِّمَن وتعليم صناعة؛ فالمشهور عند الأصحاب: أنَّ الزِّيادة للبائع تبعاً لأصلها، ولا يستحقُّ المشتري عليه شيئاً.
-
وصرَّح ابن عقيل: بأن الزيادة للمشتري.
-
وكذلك قال الشِّيرازيُّ، وزاد: أنَّه يرجع على البائع بقيمة النَّماء.
-
وكذلك (٢) ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وأخذه من عموم كلام أحمد في رواية أبي طالب: إذا اشترى غنماً فنمت ثمَّ استُحقَّت؛ فالنَّماء له، قال:
ج ٢ ص ٥٧وهذا يعمُّ المتَّصل والمنفصل (١) .
قلت: وقد نصَّ أحمد على الرُّجوع بقيمة النَّماء المتصل صريحاً كما قال الشيرازي في رواية ابن منصور فيمن اشترى سلعة، فنمت عنده وكان بها داءٌ؛ فإن شاء المشتري حبسها ورجع بقدر الدَّاء، وإن شاء ردها ورجع عليه بقدر النماء (٢) .
-
وتأوَّلها القاضي على أنَّ النَّماء المنفصل يردُّه معها، وهو ظاهر الفساد؛ لأنَّ الضَّمير في قوله: (رجع) يعود إلى المشتري، وفي قوله: (عليه) يعود إلى البائع، وإنَّما يرجع المشتري على البائع بقيمة النَّماء المتَّصل.
-
ووجه الإجبار هنا على دفع القيمة: أنَّ البائع قد أُجبِر على أخذ سلعته وردِّ ثمنها؛ فكذلك نماؤها المتَّصل بها يتبعها في حكمها وإن لم يقع عليه العقد.
-
والمردود بالإقالة والخيار يتوجَّه فيه مثل ذلك؛ إلَّا أن يقال: الفسخ للخيار رفع للعقد من أصله، بخلاف العيب والإقالة، وقد صرَّح بذلك القاضي وابن عقيل في «خلافيهما» ، وفيه بُعد.
-
ومنها: المبيع إذا أفلس مشتريه قبل نقد الثَّمن، ووجده البائع قد نما نماء متَّصلاً؛ قال القاضي وأصحابه: يرجع به، ولا شيء للمفلس، وكذلك ابن أبي موسى ذكر الرُّجوع، وهو مأخوذ ممَّا روى الميمونُّي
ج ٢ ص ٥٨وإسحاق بن إبراهيم عن أحمد: إذا زادت العين أو نقصت يرجع في الزِّيادة والنُّقصان، ولفظ رواية إسحاق: قيل له: فإن كان زاد أو نقص يوم اشتراه؟ قال: هو أحقُّ به زاد أو نقص (١) .
-
وهذا يحتمل أن يراد به زيادة السعر ونقصانه، وإن استبعد ذلك؛ فليس في استحقاق الرُّجوع (٢) ما ينافي مطالبته بقيمة الزِّيادة، كما لو كانت الزِّيادة صِبغاً في الثَّوب.
وقال الخرقي: ليس له الرجوع.
-
وذكر القاضي في كتاب الهبة من «خلافه» : أنَّه منصوص أحمد؛ فيكون أسوةَ الغرماء، كما لو طلَّق الزَّوج قبل الدخول وقد زاد الصَّداقُ زيادة متصلة.
-
وفارق (٣) الرَّدَّ بالعيب عند من سلَّمه: بأنَّ الرَّدَّ بالعيب قد رضي المشتري بردِّه بزيادته بخلاف المفلس، ولأنَّ الرَّدَّ بالعيب استند إلى سبب مقارن للعقد، والفسخ هنا استند إلى سبب حادث، وهو حكم الحاكم؛ فهو شبيه بالطَّلاق قبل الدُّخول.
-
وينتقض الأوَّل: بما لو اشترى عبداً بثوب، فوجد صاحب الثَّوب به عيباً؛ فإنَّه يرده ويأخذ العبد؛ وإن كان قد سمن.
-
والثَّاني: بما لو باعه عيناً بعد إفلاسه وقبل حجر الحاكم؛ فإنَّ
ج ٢ ص ٥٩حجره إنَّما هو معتبر لثبوت الفلس وظهوره، وقد سبق نصُّ أحمد بذلك.
-
وأيضاً: فلو باعه بعد الحجر ولم يعلم؛ فإنَّه يرجع في أحد الوجهين.
-
وفرَّق الأوَّلون بين رجوع البائع ههنا وبين الصَّداق: بأنَّ الصَّداق يُمْكِن الزَّوجَ الرُّجوعُ إلى بدله تامًّا، بخلاف البائع؛ فإنَّه لا يُمْكِنه الوصول إلى حقِّه تامًّا إلَّا بالرُّجوع.
-
وهو ضعيف؛ لأنَّ اندفاع الضَّرر عنه بالبدل لا يُسقط حقَّه من العين لو كان ثابتاً، ثمَّ يبطل بما لو كانت الزَّوجة مفلسة، فإن حقَّه لا يثبت في العين؛ فبطل الفرق.
-
ويتخرَّج من رواية ابن منصور في الرد بالعيب (١) : أن يرجع البائع ههنا ويردَّ قيمة الزيادة، كما لو صبغ المفلس الثَّوب.
-
ومنها: ما وهبه الأب لولده إذا زاد زيادة متَّصلة؛ فهل يمنع رجوع الأب أم لا؟ على روايتين معروفتين.
-
والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور: امتناع الرُّجوع.
-
وعلى القول بجوازه؛ فلا شيء على الأب للزِّيادة؛ لأنها تابعة لما يباح له من مال ولده؛ فهو بالرُّجوع والقبض متملِّك لها.
- ج ٢ ص ٦٠
ومنها: إذا أصدقها شيئاً فزاد زيادة متَّصلة، ثمَّ طلَّقها قبل الدخول؛ لم يكن له الرجوع في نصفه، وسقط حقُّه منه إلى قيمة النِّصف، ذكره الخرقيُّ، ولم يُعلم عن أحد من الأصحاب خلافه؛ حتَّى جعله القاضي في «المجرد» رواية واحدة.
-
وفرَّق بينه وبين بائع المفلس: بأنَّ فسخ البائع رفعٌ للعقد من أصله، والطَّلاق قاطع للنِّكاح من حينه؛ فلا يكون للزَّوج حقٌّ في الزيادة.
-
وهذا ممنوع؛ فإنَّ الفسخ بالفلس رفعٌ للعقد من حينه أيضاً؛ فهو كالطَّلاق.
-
وخرَّج صاحب «المحرر» : الرُّجوع في النِّصف بزيادته المتَّصلة من الرِّواية المحكيَّة عن أحمد بالرُّجوع في نصف الزيادة المنفصلة وأولى، وسنذكر أصل هذه الرِّواية فيما بعد، إن شاء الله تعالى (١) .
-
ويتخرَّج وجه آخر: برجوعه في النِّصف بزيادته، وبردِّ قيمة الزِّيادة كما في الفسخ بالعيب على ما تقدَّم.
-
وهذا إذا كانت العين يمكن فصلها وقسمتها، وإن لم يمكن؛ فهو شريك بقيمة النِّصف يوم الإصداق.
-
ومنها: إذا اشترى قصيلاً (٢) بشرط القطع، فتركه حتَّى سنبل واشتدَّ، أو ثمراً لم يبدُ صلاحه بشرط القطع، فتركه حتَّى بدا صلاحه؛ فهل
ج ٢ ص ٦١يبطل البيع بذلك أم لا؟ فيه روايتان.
-
أشهرهما: أنَّه يبطل، وهو اختيار الخرقيِّ، وأبي بكر، وابن أبي موسى، والقاضي، والأكثرين.
- وللبطلان مأخذان:
-
أحدهما: أنَّ تأخيره (١) محرَّم لحقِّ الله عز وجل، فأبطل البيع؛ كتأخير القبض في الرِّبوبيَّات، ولأنَّه وسيلة إلى شراء الثَّمرة وبيعها قبل بدوِّ صلاحها، وهو محرَّم، ووسائل المحرَّم ممنوعة، وبهذا علَّل أحمد في رواية أبي طالب (٢) .
-
والمأخذ الثَّاني: أنَّ مال المشتري اختلط بمال البائع قبل التَّسليم على وجه لا يتميَّز منه؛ فبطل به البيع، كما لو تلف؛ فإنَّ تلفه في هذه الحال يبطل البيع؛ لضمانه على البائع.
-
فعلى المأخذ الأوَّل: لا يبطل البيع إلَّا بالتَّأخير إلى بدوِّ الصَّلاح واشتداد الحبِّ، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب (٣) ، وظاهر كلام الخرقيِّ، ويكون تأخيره إلى ما قبل ذلك جائزاً.
-
وقد نصَّ أحمد في رواية الحسن بن ثوَّاب (٤) على أنَّه إذا أخَّره حتَّى
ج ٢ ص ٦٢تلف بعاهة قبل صلاحه: أنَّه من ضمان البائع، معلِّلاً بأنَّ هذا شيء في ملك البائع ونخله.
-
فلمَّا علَّل باتصاله بملك البائع؛ عُلم أنَّ البيع لم يكن منفسخاً قبل تلفه، ولا كان التَّأخير تفريطاً، ولو كان المشترَى رطبة أو ما أشبهها من النَّعناع والهندباء، أو صوفاً على ظهرٍ فتركها حتَّى طالت؛ لم ينفسخ البيع؛ لأنَّه لا نهيَ في بيع هذه الأشياء، وهذه طريقة القاضي في «المجرَّد» .
-
وعلى المأخذ الثَّاني: يبطل البيع بمجرَّد الزِّيادة واختلاط المالين؛ إلَّا أنَّه يعفى عن الزِّيادة اليسيرة؛ كاليوم واليومين، نصَّ (١) على ذلك أحمد في رواية أحمد (٢) بن سعيد (٣) ، ولا فرق بين الثَّمر والزَّرع وغيرهما من الرَّطبة والبقول والصُّوف، وهي طريقة أبي بكر عبد العزيز، والقاضي في «خلافه» ، وصاحب «المغني» .
-
وبمثل ذلك أجاب أبو الحسن الخرزيُّ (٤) فيمن اشترى خشباً ليقطعه، فتركه حتَّى اشتدَّ وغلظ: أنَّ البيع ينفسخ، ومتى تلف بجائحة
ج ٢ ص ٦٣بعد التَّمكُّن من قطعه؛ فهو من ضمان المشتري.