قاعدة [٨٦] الملك أربعة أنواع: ملك عين ومنفعة، وملك عين بلا منفعة، وملك منفعة بلا عين، وملك انتفاع من غير ملك المنفعة.
٢٩ فقرة، ج ٢ ص ١٧٦
- ج ٢ ص ١٧٦
أما النَّوع الأوَّل: فهو عامَّة الأملاك الواردة على الأعيان المملوكة بالأسباب المقتضية لها؛ من بيع وهبة وإرث وغير ذلك.
-
واعلم أنَّ ابن عقيل ذكر في «الواضح في أصول الفقه» إجماع الفقهاء على أنَّ العباد لا يملكون الأعيان، وإنَّما يملك الأعيان خالقها سبحانه وتعالى، وأنَّ العباد لا يملكون سوى الانتفاع بها على الوجه المأذون فيه شرعاً، فمن كان مالكاً لعموم الانتفاع؛ فهو المالك المطلق، ومن كان مالكاً لنوع منه؛ فملكه مقيَّد ويختصُّ باسم خاصٍّ يمتاز به؛ كالمستأجر والمستعير وغير ذلك، وكذلك ذكر ابن الزَّاغونيِّ في كتاب «غرر البيان» ، ورجَّحه الشَّيخ تقيُّ الدِّين رحمه الله (١) .
-
فعلى هذا: جميع الأملاك إنَّما هي ملك انتفاع، ولكنَّ التَّقسيم ههنا وارد على المشهور.
-
النَّوع الثَّاني: ملك العين بدون منفعة، وقد أثبته الأصحاب في الوصيَّة بالمنافع لواحد وبالرَّقبة لآخر أو تركها للورثة، وقد قال أحمد
ج ٢ ص ١٧٧في رواية مهنَّى فيمن أوصى بخدمة عبد أو ظهر دابَّة يُركب (١) أو بدار تسكن؛ فقال: الدَّار لا بأس بها، وأكره العبد والدَّابَّة؛ لأنَّهما يموتان.
قال أبو بكر: الذي أقول به: أنَّ الوصية تصحُّ في جميع ذلك؛ لأنَّ الدَّار تخرب أيضاً (٢) .
-
وحمل القاضي كلام أحمد على الكراهة دون إبطال الوصيَّة.
وقال (٣) الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لم يرد أحمد أنَّ الوصيَّة لا تجوز إلَّا بما يدوم نفعه، فإنَّ هذا لا يقوله أدنى من له نظر في الفقه فضلاً عن أن يكون مثل هذا الإمام، وإنَّما أراد أنَّ العبد والدَّابَّة إذا أوصى (٤) بمنافعهما على التَّأبيد، فلم يترك للورثة ما ينتفعون به؛ فلا يجوز أن يحسب ذلك عليهم من الميراث، فإنَّه لا فائدةَ في الرَّقبة المجرَّدة عن المنافع، بل هو ضرر محض، وقد شرط الله سبحانه لجواز الوصيَّة عدم المضارَّة، لكن إن قصد الموصي إيصال جميع المنافع إلى الموصى له، فهذه وصيَّة بالرَّقبة، فلا تحسب (٥) على الورثة منها شيء، ولا يصحُّ الإيصاء معها بالرَّقبة.
-
وإن قصد مع ذلك إبقاء الرَّقبة للورثة أو الإيصاء بها لآخر؛ بطلت
ج ٢ ص ١٧٨الوصيَّة؛ لامتناع أن تكون المنافع كلُّها لشخص والرَّقبة لآخر، ولا سبيل إلى ترجيح أحد الأمرين، فيبطلان.
-
أمَّا إن وصَّى في وقت بالرَّقبة لشخص، وفي آخر بالمنافع لغيره؛ فهو كما لو وصَّى بعين لاثنين في وقتين (١) .
-
واستدلَّ على أنَّ تمليك جميع المنافع تمليكٌ للعين (٢) بالرُّقبى والعمرى؛ فإنَّها تمليك للرَّقبة؛ حيث كانت تمليكاً (٣) للمنافع في الحياة، وهذا المعنى منتفٍ في الوصيَّة بسكنى الدَّار؛ لأنَّ هذا تمليك منفعة خاصَّة ينتهي بموت الموصى له وبخراب (٤) الدَّار؛ فيعود الملك (٥) إلى الورثة كما يعود الملك في السُّكنى في الحياة.
-
والنَّوع الثَّالث: ملك المنفعة بدون عين، وهو ثابت بالاتِّفاق، وهو ضربان:
- أحدهما: ملك مؤبَّد، ويندرج تحته صور:
-
منها: الوصيَّة بالمنافع كما سبق، ويشمل جميع أنواعها إلَّا منفعة البضع، فإنَّ في دخولها في الوصيَّة وجهين (٦) .
- ج ٢ ص ١٧٩
ومنها: الوقف؛ فإنَّ منافعه وثمراتِه مملوكةٌ للموقوف عليه، وفي ملكه لرقبته وجهان معروفان لهما فوائد متعدِّدة.
-
ومنها: الأرض الخراجيَّة المقرَّة في يد من هي في يده بالخراج، يملك منافعها على التَّأبيد.
-
والضَّرب الثَّاني: ملك غير مؤبَّد.
-
فمنه: الإجارة، ومنافع المبيع المستثناة في العقد مدَّة معلومة.
-
ومنه: ما هو غير مؤقَّت، لكنَّه غير لازم؛ كالعارية على وجه، وإقطاع الاستغلال (١) .
- النَّوع الرَّابع: ملك الانتفاع المجرَّد، وله صور متعدِّدة:
-
منها: ملك المستعير؛ فإنَّه يملك الانتفاع لا المنفعة، إلَّا على رواية ابن منصور عن أحمد: أنَّ العارية المؤقَّتة تلزم (٢) ، كذا قال الأصحاب.
-
ويمكن أن يقال: لزوم العارية المؤقَّتة إنَّما يدلُّ على وجوب الوفاء ببذل الانتفاع لا على تمليك المنفعة.
- ج ٢ ص ١٨٠
ومنها: المنتفِع بملك جاره من وضع خشب وممرٍّ في دار ونحوه، وإن كان بعقد صلح؛ فهو إجارة.
-
ومنها: إقطاع الإرفاق؛ كمقاعد الأسواق ونحوها.
-
ومنها: الطَّعام في دار الحرب قبل حيازته؛ يملك الغانمون الانتفاع به بقدر الحاجة.
-
وقياسه: الأكل من الأضحية، والثَّمر المعلَّق ونحوه.
-
ومنها: أكل الضَّيف لطعام المَضيف؛ فإنَّه إباحة محضة لا يحصل به الملك بحال على المشهور عندنا.
-
وعن أحمد رواية بإجزاء الإطعام في الكفَّارات، وينزل (١) على أحد قولين: إمَّا أنَّ المُضيَّف يملك ما قدِّم إليه؛ وإن كان ملكاً خاصًّا بالنِّسبة إلى الأكل، وإمَّا أنَّ الكفَّارة لا يشترط فيها تمليك.
-
ومنها: عقد النِّكاح، وتردَّدت عبارات الأصحاب في مورده؛ هل هو الملك أو الاستباحة؟
-
فمن قائل: هو الملك، ثمَّ تردَّدوا: هل هو ملك منفعة البضع أو ملك الانتفاع بها؟
-
وقيل: بل هو الحلُّ لا الملك، ولهذا يقع الاستمتاع من جهة الزَّوجة مع أنَّه لا ملك لها.
-
وقيل: بل (٢) المعقود عليه ازدواج كالمشاركة، ولهذا فرَّق الله
ج ٢ ص ١٨١سبحانه بين الازدواج وملك اليمين، وإليه ميل الشَّيخ تقيِّ الدِّين (١) ؛ فيكون من باب المشاركات دون المعاوضات.