قاعدة [٨٩] أسباب الضمان ثلاثة: عقد، ويد، وإتلاف.
١٨ فقرة، ج ٢ ص ٢٠٨
- ج ٢ ص ٢٠٨
أمَّا عقود الضَّمان؛ فقد سبق ذكرها (١) ، وكذلك سبق ذكر الأيدي الضَّامنة.
-
وأمَّا الإتلاف؛ فالمراد به: أن يباشر الإتلاف بسببٍ يقتضيه؛ كالقتل والإحراق، أو ينصب سبباً عدوانيًّا (٢) ، فيحصل به الإتلاف؛ كأن يحفر بئراً في غير ملكه عدواناً، أو يؤجِّج ناراً في يوم ريح عاصف، فيتعدَّى إلى إتلاف مال الغير، أو كان المال محتبساً بشيء وعادته الانطلاق؛ فيزيل احتباسه، وسواء كان له اختيار في انطلاقه أو لم يكن؛ فدخل تحت ذلك ما إذا حلَّ وكاء زقٍّ مائع فاندفق، أو فتح (٣) قفصاً عن طائر فطار، أو حلَّ قيد عبد آبق فهرب، هذا هو الَّذي ذكره ابن حامد والقاضي والأكثرون؛ لأنَّه تسبَّب إلى الإتلاف بما يقتضيه عادة.
-
واستثنى ابن عقيل في «فنونه» : ما كان من الطُّيور يألف البروج
ج ٢ ص ٢٠٩ويعتاد العود؛ فقال: لا ضمان في إطلاقه وإن لم يعد؛ لأنَّ العادة جارية بعوده؛ فليس إطلاقه إتلافاً.
وقال أيضاً في «الفنون» : الصَّحيح التَّفرقة بين ما يُحال الضَّمان على فعله؛ كالآدميِّ، وما لا يُحال عليه الضَّمان؛ كالحيوانات والجمادات، فإذا حلَّ قيد العبد؛ لم يضمن؛ لأنَّ العبد له اختيار، ويصحُّ إحالة الضمان عليه؛ فيقطع مباشرتُه للتَّلف تَسبُّبَ مطلقِه.
-
وهذا الَّذي قاله إنَّما يصحُّ لو كان العبد من أهل الضَّمان لسيِّده، فأمَّا إذا لم يكن من أهل الضَّمان للسَّيِّد؛ تعيَّن إحالة الضَّمان على المتسبب، ولهذا قال الأصحاب: إنَّ جناية العبد المغصوب على سيِّده مضمونة على الغاصب، حيث لم يكن العبد من أهل الضمان للسيد، فأُحيل على الغاصب؛ لتعدِّيه بوضع يده عليه، مع أنَّه ليس سبباً للجناية.
-
ولكن خرَّج ابن الزاغونيِّ في «الإقناع» وجهاً آخر: أنَّه لا ضمان على الغاصب؛ لأنَّ الجناية من أصلها غير قابلة للتَّضمين؛ لتعلُّقها (١) بالرَّقبة المملوكة للمجنيِّ عليه؛ فلا يلزم الغاصبَ منها شيء، ولا يلزم مثله في مُطْلِق العبد؛ لأنَّه متسبب إلى الإتلاف، فإذا لم يمكن إحالة الضَّمان على المباشر أحيل على المتسبِّب؛ صيانةً للجناية على مال المعصوم عن الإهدار مهما أمكن.
-
وخرَّج الآمديُّ وجهًا آخر: أنَّ جناية العبد على سيِّده مضمونة عليه
ج ٢ ص ٢١٠في ذمَّته، يتبع بها بعد عتقه.
-
وههنا فرع يتردَّد (١) فيه بين ضمان اليد والإتلاف: وهو ما إذا حفر بئراً عدواناً أو نصب شبكة أو منجلاً للصَّيد، ثمَّ مات، ثمَّ وقع في البئر حيوان مضمون، أو عثر بآلات الصَّيد حيوان مضمون؛ فإن جعلناه من باب الإتلاف؛ ضمن من التَّركة، وبه صرَّح القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل في «الفصول» في باب الرَّهن؛ حتَّى قالا: لو بيعت التَّركة لفُسِخ في قدر الضَّمان منها؛ لسبق سببه، ولو كانت التَّركة عبداً فأعتقه الورثة قبل الوقوع؛ ضمنوا قيمة العبد؛ كالمرهون، صرَّح به القاضي في «الخلاف» .
-
وإن جعلناه من ضمان اليد؛ فهل يجعل كيده المشاهدة بعد الموت، أو يجعل اليد لمن انتقل الملك إليه؟ يحتمل وجهين أصلهما اختلاف الأصحاب فيما لو نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته؛ هل هو تركةٌ موروثةٌ؛ جعلاً لها كيده المشاهدة، أو هو ملك للورثة؛ لأنه صار (٢) كأيديهم؟
-
والذي صرَّح به القاضي وابن عقيل: أنَّه تركة موروثة.
وقال أبو الخطَّاب في «الانتصار» : بل (٣) هو ملك للوارث بانتقال ملك الشَّبكة إليه، كما يتولَّد من النِّتاج الموروث ويثمر من الشَّجر (٤) .
- ج ٢ ص ٢١١
وأمَّا في العدوان المجرَّد؛ فيحتمل أن ينقطع حكمه بالموت، ويحتمل أن يكون ضمانه من تركة المتعدِّي؛ لانعقاد سببه في حياته.
-
ويشبه ذلك: الاختلاف (١) فيمن مال حائطه، فطولب بنقضه، فباعه، ثمَّ سقط؛ هل يسقط عنه الضَّمان؟ فيه وجهان سبق ذكرهما.
-
وهل يجب الضَّمان على من انتقل إليه الملك (٢) إذا استدامه أم لا؟ الأظهر وجوبه عليه؛ كمن اشترى حائطاً مائلاً؛ فإنَّه يقوم مقام البائع فيه، فإذا طولب بإزالته فلم يفعل؛ ضَمِن على رواية.
-
ولو حفر عبده بئراً عدواناً بغير إذنه، ثمَّ أعتقه، ثمَّ تلف بها مالٌ أو غيره؛ ففي «المغني» : الضَّمان على العبد؛ لاستقلاله بالجناية.
-
وفي «التَّلخيص» : هو على السَّيِّد بقدر قيمة العبد فما دون؛ لثبوته عليه (٣) قبل العتق بذلك؛ فقد وجد السَّبب في ملكه، فلا ينتقل، وهو بعيد.
-
تنبيه: لو أتلف الغاصب المغصوب؛ ضمنه ضمان إتلافٍ ويدٍ.
-
وقد نصَّ أحمد على أنَّ من أمسك صيداً في الحرم، ثمَّ كفَّر عنه، ثمَّ ذبحه: أنَّه يجزئه.
-
وهذا يدلُّ على أنَّه جعله ضمان يد، وإلَّا لما جاز تقديم كفَّارة الإتلاف عليه، ويدلُّ أيضاً على جواز تقديم الكفَّارة، وإن كان يمكن أن
ج ٢ ص ٢١٢توجبها معصيته (١) .
-
وفيه وجه بالمنع ذكره القاضي في «تعليقه» ؛ لأنَّ التَّقديم رخصة؛ فلا تستباح بمحرَّم (٢) .