قاعدة [٨٨] في الانتفاع وإحداث ما ينتفع به في الطرق المسلوكة في الأمصار والقرى وهوائها وقرارها.
٦٢ فقرة، ج ٢ ص ١٩٦
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ١٩٦
أمَّا الطَّريق نفسه:
فإن كان ضيِّقاً، أو أحدث فيه ما يضرُّ بالمارة؛ فلا يجوز بكلِّ حال.
-
وأمَّا مع السَّعة وانتفاء الضَّرر:
فإن كان المحدَث فيه متأبِّداً؛ كالبناء والغراس؛ فإن كان لمنفعة خاصَّة بآحاد (١) النَّاس؛ لم يجز على المعروف من المذهب، وإن كان لمنفعة عامَّة؛ ففيه خلاف معروف: منهم من يطلقه (٢) ، ومنهم من يخصُّه بحالة انتفاء إذن الإمام فيه.
-
وإن كان غير متأبِّد ونفعه خاصٌّ؛ كالجلوس وإيقاف الدَّابَّة: ففيه خلاف أيضاً.
-
وأمَّا القرار الباطن؛ فحكمه حكم الظَّاهر على المنصوص.
- ج ٢ ص ١٩٧
وأمَّا الهواء؛ فإن كان الانتفاع به خاصًّا بدون إذن الإمام؛ فالمعروف منعه، وبإذنه فيه خلاف.
- ويندرج تحت ذلك مسائل كثيرة:
-
منها: إذا حفر في طريقٍ واسعٍ بئراً، فإن كان لنفع المسلمين؛ ففيه طريقان:
أحدهما: إن كان بإذن الإمام؛ جاز، وإن كان بدون إذنه؛ فروايتان (١) ، قاله القاضي وابن عقيل وصاحب «المحرر» .
-
والثَّاني: فيه روايتان على الإطلاق، قاله أبو الخطاب وصاحب «المغني» ؛ إذ البئر مَظِنَّة العطب.
-
وإن كان الحفر لنفسه ضمن بكلِّ حال؛ ولو كان في فنائه، نصَّ عليه (٢) ، ولا يجوز إذن الإمام فيه عند الأصحاب.
-
وفي «الأحكام السُّلطانيَّة» للقاضي: إنَّ له التَّصرف في فنائه بما شاء من حفر وغيره إذا لم يضرَّ، وأمَّا في فناء غيره؛ فإن أضرَّ بأهله؛ لم يجز، وإن لم يضرَّ؛ جاز، وهل يعتبر إذنهم أو إذن الإمام في فناء المسجد؟ على وجهين.
-
ومنها: إذا بنى مسجدًا في طريق واسع ولم يضرَّ بالمارَّة؛ قال الأكثرون من الأصحاب: إن كان بإذن الإمام؛ جاز، وإلَّا فروايتان.
ج ٢ ص ١٩٨وقال أحمد في رواية ابن الحكم: أكره الصَّلاة في المسجد الَّذي يؤخذ من الطريق إلَّا أن يكون بإذن الإمام. (١)
-
ومنهم من أطلق الرِّوايتين، وكلام أحمد أكثره غير مقيَّد، قال في رواية المروذيِّ: المساجد الَّتي في الطرُّقات حكمها أن تهدم (٢) .
وقال إسماعيل الشَّالنجيُّ: سألت أحمد عن طريق واسع للمسلمين عنه غنًى، وبهم إلى أن يكون هناك مسجد حاجة؛ هل يجوز أن يبنى هناك مسجد؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يضرَّ بالطريق (٣) .
قال (٤) : وسألت أحمد: هل يبنى على خندق مدينة المسلمين مسجد للمسلمين عامَّة؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يضرَّ بالطَّريق.
قال الجوزجانيُّ في «المترجم» (٥) : والَّذي عنى أحمد من الضَّرر بالطَّريق: ما وقَّت النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الأذرع. كذا قال.
-
ومراده: أنَّه يجوز البناء إذا فضل من الطَّريق سبعة أذرع.
-
والمنصوص عن أحمد أنَّ قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إذا اختلفتم في الطَّريق؛
- ج ٢ ص ١٩٩
فاجعلوه سبعة أذرع» (١) ، في أرض مملوكة لقوم أرادوا البناء فيها، وتشاجروا في مقدار ما يتركونه منها (٢) للطَّريق.
-
وبذلك فسره ابن بطَّة وأبو حفص العكبريُّ والأصحاب، وأنكروا جواز تضييق الطَّريق الواسع إلى أن يبقى منه سبعة أذرع.
-
ومنها: بناء غير المساجد في الطُّرقات؛ فإن كان البناء للوقف على المسجد؛ فهو كبناء المسجد، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣) .
-
وكذا إن كان لمصلحة عامَّة؛ كخان مسبَّل (٤) ونحوه.
-
وإن كان لمنفعة تختصُّ بآحاد النَّاس؛ فالمشهور: عدم جوازه؛ لأنَّ الطَّريق مشترك؛ فلا يملك أحد إسقاط الحقِّ المشترك فيه (٥) والاختصاص به، ولا يملك الإمام الإذن في ذلك.
-
وفي كتاب الطُّرقات لابن بطَّة: إن بعض الأصحاب أفتى بجوازه، وأخذه من نصِّ أحمد في بناء المسجد، والفرق واضح؛ لأنَّ المسجد حقُّ الاشتراك فيه باقٍ، غير أنَّه انتقل من استحقاق المرور إلى
ج ٢ ص ٢٠٠استحقاق اللُّبث للعبادة (١) .
-
وكلام أحمد يدلُّ على المنع، قال في رواية ابن القاسم: إذا كان الطَّريق قد سلكه النَّاس وصُيِّر طريقاً؛ فليس لأحد أن يأخذ منه شيئاً قليلاً ولا كثيراً.
وقال في رواية العباس بن موسى (٢) : إذا نضب الماء عن جزيرة؛ لم يبن فيها؛ لأنَّ فيها (٣) ضرراً، وهو أنَّ الماء يرجع (٤) .
قال القاضي: معناه: إذا بنى في طريق المارَّة، فيضرُّ بالمارَّة في ذلك الطَّريق؛ فلم يجوِّزه.
-
وكره في رواية ابن بختان أن يطحن في الغروب، وقال: ربَّما غرقت السُّفن.
وقال في رواية مثنَّى: إذا كانت في طريق النَّاس؛ فلا يعجبني (٥) .
-
والغروب: كأنَّها طاحونة، تصنع في النَّهر الَّذي تجري فيه السُّفن.
-
وكره شراء ما يُطحن فيها.
-
وذكر ابن عقيل في الغربة في النَّهر: إن كان وضعها بإذن الإمام، والطَّريق واسع، والجريان معتدل بحيث يمكن الاحتراز منه؛ جاز، وإلَّا
ج ٢ ص ٢٠١لم يجز.
-
ولعلَّ الغربة -كالسَّفينة- لا يتأبَّد، بخلاف البناء.
-
وحكم الغراس حكم البناء، وقد قال أحمد في النَّخلة المغروسة في المسجد: إنَّها غُرست بغير حقٍّ؛ فلا أحبُّ الأكل منها، ولو قلعها الإمام كان أولى.
-
ومن الأصحاب من أطلق فيها الكراهة؛ كصاحب «المبهج» (١) ، وجعل ثمرها لجيران المسجد الفقراء.
-
ونصَّ أحمد في رواية ابن هانئ وابن بختان، في دار السَّبيل يُغرَس فيها كرمٌ؛ قال: إن كان يضرُّ بهم؛ فلا.
-
وظاهره: جوازه مع انتفاء الضَّرر، ولعلَّ الغرس كان لجهة (٢) السَّبيل أيضاً.
-
ومنها: اختصاص آحاد النَّاس في الطَّريق بانتفاع لا يتأبَّد.
-
فمن ذلك: الجلوس للبيع والشِّراء؛ فقال الأكثرون: إن كان الطَّريق واسعاً، ولا ضرر في الجلوس بالمارَّة؛ جاز بإذن الإمام ودون إذنه، وإلَّا لم يجز، وللإمام (٣) أن يقطعه من شاء.
-
وذكر القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة» في جوازه بدون إذن الإمام روايتين.
- ج ٢ ص ٢٠٢
وحكى في كتاب «الرِّوايتين» في المسألة روايتين: بالجواز (١) والمنع، وحملهما (٢) على اختلاف حالين؛ فالجواز إذا لم يضرَّ بالمارة، والمنع إذا أضرَّ، وجعل حقَّ الجلوس كحقِّ الاستطراق؛ لأنَّه لا يعطِّل حقَّ المرور بالكليَّة؛ فهو كالقيام فيها لحاجة.
-
وأظنُّ ابن بطة حكى قبله (٣) روايتين مطلقتين في الجواز وعدمه، وكذلك ذكر صاحب «المقنع» في الجلوس في الطَّريق الواسع؛ هل يوجب ضمان ما عثر به؟ على وجهين، وذلك يدلُّ على الخلاف في جوازه.
-
وأمَّا القاضي؛ فقال: لا يضمن بالجلوس رواية واحدة.
-
ومن ذلك: لو ربط دابَّته أو أوقفها في الطرَّيق، والمنصوص: منعه.
قال في رواية أبي الحارث: إذا أقام دابَّته (٤) في (٥) الطَّريق؛ فهو ضامن لما جنت، ليس له في الطريق حقٌّ (٦) .
-
وكذلك نقل عنه أبو طالب وحنبل ضمان جناية الدَّابَّة إذا ربطها في الطَّريق (٧) .
- ج ٢ ص ٢٠٣
وكذلك أطلق ابن أبي موسى وأبو الخطاب من غير تفريق بين حالة الضِّيق والسَّعة؛ ومأخذه: أنَّ طبع الدَّابَّة الجناية بفمها أو برجلها، فإيقافها في الطَّريق كوضع الحجر ونصب السِّكين فيه.
-
وحكى القاضي في كتاب «الرِّوايتين» رواية أخرى بعدم الضَّمان إذا وقف في طريق واسع؛ لقول أحمد في رواية أحمد بن سعيد: إذا وقف على نحو ما يقف النَّاس، أو في موضع يجوز أن يقف في مثله، فنفحت بيد أو رجل؛ فلا شيء عليه، قال القاضي: ظاهره أنَّه لا ضمان إذا كان واقفاً لحاجة وكان الطَّريق واسعاً (١) ، فهو كالقيام فيها لحاجة (٢) .