قاعدة [١٧] إذا تقابل عملان: أحدهما ذو شرف في نفسه ورفعة وهو واحد
١٨ فقرة، ج ١ ص ١٣٢
- ج ١ ص ١٣٢
إذا تقابل عملان: أحدهما ذو شرف في نفسه ورفعة وهو واحد، والآخر ذو تعدد في نفسه وكثرة، فأيُّهما يرجَّح؟ ظاهر كلام أحمد: ترجيح الكثرة.
- ولذلك (١) صور:
-
أحدها: إذا تعارض صلاة ركعتين طويلتين، وصلاة أربع ركعات في زمن واحد؛ فالمشهور: أنَّ الكثرة أفضل.
-
وحكي عن أحمد رواية أخرى: بالعكس.
-
وحكي عنه رواية ثالثة: بالتَّسوية.
-
والثانية: أهدى بدنة سمينة بعشرة، وبدنتين بعشرة أو بأقلَّ.
قال ابن منصور: قلت لأحمد (٢) : بدنتان سمينتان بتسعة وبدنة بعشرة، قال: ثنتان (٣) أعجب إليَّ (٤) (٥) .
- ج ١ ص ١٣٣
ورجَّح الشَّيخ تقيُّ الدِّين تفضيل البدنة السَّمينة (١) ، وفي «سنن أبي داود» حديث يدلَّ عليه (٢) .
-
والثَّالثة: رجل قرأ بتدبر وتفكر سورة، وآخر قرأ في تلك المدَّة سوراً عديدة سرداً:
قال أحمد في رواية جعفر بن أحمد بن أبي قيماز (٣) ، وسئل: أيُّما أحبُّ إليك: التَّرسُّل أو الإسراع؟ قال: أليس قد جاء بكلِّ حرف كذا
ج ١ ص ١٣٤وكذا حسنة (١) ؛ قالوا له: في السُّرعة؟ ! قال: إذا صوَّر الحرف بلسانه ولم يسقط من الهجاء (٢) .
-
وهذا ظاهر في ترجيح الكثرة على التَّدبُّر.
-
ونقل عنه حرب: أنَّه كره السُّرعة؛ إلَّا أن يكون لسانه كذلك لا يقدر أن يترسَّل (٣) .
-
وحمل القاضي الكراهة على ما إذا لم يبيِّن الحروف.
-
ونقل عنه مثنَّى بن جامع (٤) : في رجل أكل فشبع وأكثر الصَّلاة والصِّيام، ورجل أقلَّ الأكل، فقلَّت نوافله وكان أكثر (٥) فِكْرة؛ أيُّهما أفضل؟ فذكر ما جاء في الفكر: تفكُّر ساعة خيرٌ من قيام ليلة. قال: فرأيت هذا عنده أكثر؛ يعني: الفكر (٦) .
- ج ١ ص ١٣٥
وهذا يدلُّ (١) على تفضيل قراءة التَّفكُّر على السُّرعة، وهو اختيار الشَّيخ تقيِّ الدِّين (٢) ، وهو المنصوص صريحاً عن الصَّحابة والتَّابعين (٣) .
-
والرَّابعة (٤) : رجلان، أحدهما ارتاضت نفسه (٥) على الطَّاعة، وانشرحت بها وتنعَّمت، وبادرت إليها طواعيةً ومحبَّة، والآخر يجاهد نفسه على تلك الطَّاعات ويكرهها عليها، أيهما أفضل؟ (٦)
ج ١ ص ١٣٦قال الخلال: كتب إليَّ يوسف بن عبد الله الإسكافيُّ: حدَّثنا الحسن بن عليٍّ بن الحسن: أنَّه سأل أبا عبد الله عن الرَّجل يشرع له وجه برٍّ فيحمل نفسه على الكراهة، وآخر يشرع له فيسرُّ بذلك، فأيُّهما أفضل؟ فقال (١) : ألم تسمع النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ وَهُوَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيْهِ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ» ؟! (٢) .
-
وهذا ظاهر في ترجيح المكرِه نفسه؛ لأنَّ له عملين: جهاداً، وطاعة أخرى، ولذلك كان له أجران، وهذا قول ابن عطاء (٣) وطائفة من الصُّوفية من أصحاب أبي سليمان الدَّارانيِّ (٤) .
- ج ١ ص ١٣٧
وعند الجنيد (١) وجماعة من عبَّاد البصرة: أنَّ الباذل لذلك طوعاً ومحبة أفضل، وهو اختيار الشَّيخ تقيِّ الدِّين (٢) ؛ لأنَّ مقامه في طمأنينة النَّفس أفضل من أعمال متعددة، ولأنَّه من أرباب المنازل والمقامات، والآخر من أرباب السلوك والبدايات؛ فمثلهما كمثل رجلين: أحدهما مقيم بمكة يشتغل (٣) بالطَّواف، والآخر يقطع المفاوز والقفار في السَّير إلى مكة؛ فعمله أشقُّ، والأوَّل أفضل (٤) ، والله أعلم.
-
الخامسة: تعارض عتق رقبة نفيسةٍ بمال، وعتق رقاب متعدَّدة بذلك المال.
قال القاضي وابن عقيل: الرِّقاب أفضل.
- ج ١ ص ١٣٨
وفيه أيضاً نظر، وقد كان طائفة من السَّلف؛ كابن عمر (١) والربيع بن خثيم (٢) يستحبَّان الصَّدقة بما يشتهيانه من الأطعمة؛ وإن كان المسكين ينتفع بقيمته أكثر (٣) ؛ عملاً بقوله تعالى: {لن تنالوا البرَّ حتَّى تنفقوا ممَّا تحبون} ، وهذا (٤) في العتق أولى مع قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الرِّقَابِ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا» (٥) ، والله أعلم.