قاعدة [٩٥] من أتلف مال غيره وهو يظن أنه له، أو تصرف فيه يظن لنفسه ولاية عليه

٥٧ فقرة، ج ٢ ص ٢٥٠

الصفحة ١ من ٢

  1. من أتلف مال غيره وهو يظن أنَّه له، أو تصرَّف فيه يظن لنفسه ولاية عليه، ثمَّ تبيَّن خطأ ظنِّه:

    فإن كان مستنداً إلى سبب ظاهر من غيره، ثمَّ تبيَّن خطأ المتسبِّب، أو أقرَّ (١) بتعمده للجناية: ضمن المتسبِّب.

    ج ٢ ص ٢٥٠
  2. وإن كان مستنداً إلى اجتهاد مجرَّد؛ كمن دفع مالاً تحت يده إلى من يظنُّ أنَّه مالكه، أو أنَّه يجب الدَّفع إليه، أو أنَّه يجوز ذلك، أو دفع ماله الَّذي يجب عليه إخراجه لحقِّ الله تعالى إلى من يظنُّه مستحِقًّا، ثمَّ تبين الخطأ: ففي ضمانه قولان.

  3. وإن تبيَّن أنَّ المستند لا يجوز الاعتماد عليه، ولم يتبيَّن أنَّ الأمر بخلافه: فإن تعلَّق به حكم فنُقِض؛ فالضَّمان على المتلف، وإلَّا فلا ضمان.

  4. ويندرج تحت هذه الجملة مسائل:
  5. منها: أن يشهد شاهدان بموت زيد، فيقسم ماله بين ورثته، ثمَّ يتبيَّن (٢) بطلان الشَّهادة بقدومه حيًّا؛ فنصَّ أحمد في رواية الميمونيِّ:

    ج ٢ ص ٢٥١أنَّهما يضمنان المال، ولم يتعرَّض للورثة (١) ، وظاهر كلامه استقرار الضمان (٢) على الشُّهود واختصاصهم (٣) به، وهو في الجملة موافق لقوله المشهور عنه في تقرير الضَّمان على الغارِّ كما سبق.

    وقال القاضي: يحتمل أن يكون أغرم الورثة، ورجعوا بذلك على الشُّهود لتغريرهم، ولا ضمان هنا على الحاكم؛ لأنَّه مُلجأ إلى الحكم من جهة (٤) الشهود.

  6. ونقل أبو النَّضر العجليُّ (٥) عن أحمد في حاكم رجم رجلاً بشهادة أربعة بالزِّنى، ثمَّ تبين أنَّه مجبوب (٦) : أنَّ الضَّمان على الحاكم، ولعلَّ تضمينه ههنا لتفريطه؛ إذ المجبوب (٧) لا يخفى أمره غالباً؛ فترك الفحص عن حاله تفريط.

  7. ومنها: لو حكم الحاكم بمال، ثمَّ رجع الشُّهود وصرَّحوا بالخطأ، أو التَّعمُّد لشهادة الزَّور؛ فإن الضَّمان يختصُّ بهم لاعترافهم، ولا

    ج ٢ ص ٢٥٢ينقض حكم الحاكم بمجرَّد ذلك، ولا يرجع على المحكوم له بشيء؛ كما لو باع عيناً أو وهبها (١) أو أقرَّ بها لرجل، ثمَّ أقرَّ بها بعد ذلك لآخر؛ فإنَّه لا يقبل إقراره على الأوَّل، ويضمَن للثَّاني (٢) .

  8. ومنها: أن يحكم الحاكم بمال ويُستَوفَى، ثمَّ تبيَّن أنَّ الشُّهود فسَّاق أو كفَّار؛ فإنَّ حكمه في الباطن غير نافذ بالاتفاق، نقله (٣) أبو الخطاب في «انتصاره» .

  9. وأمَّا في الظاهر؛ فهو نافذ، وهل يجب نقضه؟ المذهب: وجوبه، وهو قول الخرقيِّ والقاضي (٤) ؛ لتبيُّن انتفاء شرط الحكم، فلم يصادف محلًّا، ثمَّ يجب ضمان المال على المحكوم له به؛ لإتلافه له مباشرة.

    قال القاضي: ولو كان المحكوم له معسراً، فللمستحقِّ مطالبة الإمام، وقرار الضَّمان على المحكوم له، ولا شيء على المزكِّين بحال.

  10. ولو حكم لآدميٍّ بإتلاف نفس أو طرف؛ فطريقان:
  11. أحدهما: هو كالمال؛ لأنَّ المستوفي هو المحكوم له، والإمام ممكِّن لا غير، وهي طريقة «المحرَّر» .

  12. والثَّاني: يضمنه الحاكم، صرَّح به القاضي في «المجرد» ، وهو وفق إطلاق الأكثرين؛ لأنَّ المحكوم له لم يقبض شيئاً؛ فنسب الفعل إلى خطأ

    ج ٢ ص ٢٥٣الإمام، كما لو كان المستوفَى حقًّا لله عزَّ وجلَّ؛ فإنَّ ضمانه على الإمام.

  13. وحكى القاضي وغيره رواية أخرى: أنَّه لا ينقض الحكم إذا بان (١) الشُّهود فسَّاقاً، ويضمن الشُّهود؛ كما لو رجعوا عن الشَّهادة.

  14. وهذا ضعيف جداً، ولا أصل لذلك في كلام أحمد، وإنَّما أخذوه من رواية الميمونيِّ في المسألة الأولى، وتلك لا فسق فيها؛ لجواز غفلة الشُّهود، وإنَّما ضمنوا؛ لتبيُّن بطلان شهادتهم بالعيان؛ فهو أعظم من الرُّجوع، ولا يمكن بقاء الحكم بعد تبيُّن فساد المحكوم به عياناً (٢) ، ولا يصحُّ إلحاق الفسق في الضَّمان بالرُّجوع؛ لأنَّ الرَّاجعين اعترفوا ببطلان شهادتهم وتسبُّبهم إلى انتزاع مال المعصوم، وقولهم غير مقبول على نقض الحكم؛ فتعيَّن تغريمهم، وليس ههنا اعتراف ينبني عليه التَّغريم؛ فلا وجه له؛ فالصَّواب: الجزم بأنَّه لا ضمان على أحد على القول بأنَّ الحكم لا ينقض، كما جزم به في «المحرر» .

  15. ومنها: إذا أوصى (٣) إلى رجل بتفريق ثلثه، ففعل، ثمَّ تبيَّن أنَّ عليه ديناً مستغرِقاً للتَّركة؛ ففي ضمانه روايتان (٤) ،

    ولكن هنا لم يتصرَّف في

    ج ٢ ص ٢٥٤ملك الغرماء، بل فيما تعلَّق (١) به حقُّهم، ولكنَّه تعلُّق قويٌّ، لا سيَّما إن قلنا: لم ينتقل إلى الورثة، ولهذا قال أحمد في رواية ابن منصور: التَّركة هي للغرماء لا للورثة (٢) ، ولهذا لا يملك الورثة التَّصرُّف فيها إلَّا بشرط الضَّمان.

  16. وخرَّج (٣) الشيخ تقيُّ الدين على هذا الخلاف: كلَّ من تصرف بولاية في مال، ثمَّ تبيَّن أنَّه مستحَقٌّ.

  17. ومنها: لو وصَّى لشخص بشيء، فلم يُعْرَف الموصى له؛ صرفه (٤) الوصيُّ أو الحاكم فيما يراه من أبواب البرِّ.

  18. فإن جاء الموصى له وأثبت ذلك؛ فهل يضمن المفرِّق ما فرَّقه؟ على

    ج ٢ ص ٢٥٥روايتين، قال ابن أبي موسى: أظهرهما: لا ضمان عليه (١) .

    وقال أبو بكر في «الشَّافي» : إن فعله الوصيُّ بإذن الحاكم لم يضمن، وإن كان بدون إذنه ضمن.

  19. ومنها: لو اشترى الورثة عبداً من التركة وأعتقوه تنفيذاً لوصيَّة موروثهم بذلك، ثمَّ ظهر دين مستغرِق؛ فإنَّهم يضمنون للغرماء، ذكره القاضي وابن عقيل.

  20. ويتخرَّج فيه وجه آخر: بانتفاء الضَّمان من مسألة الوصيِّ. (٢)

  21. ومنها: لو اشترى المضارَب مَن يعتق على ربِّ المال (٣) ؛ صحَّ، وعتق عليه، وهل يضمن العامل؟ فيه ثلاثة أوجه:

    أحدها: يضمن بكلِّ حال، سواء كان عالماً بالحال أو جاهلاً، قاله القاضي في «المجرَّد» ، وأبو الخطاب.

  22. والثَّاني: إن كان جاهلاً لم يضمن، وإن كان عالماً ضمن؛ كما لو عامل فاسقاً أو مماطلاً، أو سافر سفراً مخوفاً، أو دفع الوصيُّ أو أمين (٤) الحاكم مالَ اليتيم مضاربة إلى من ظاهره العدالة، فبان بخلافه؛

  23. فإنَّه لا ضمان في ذلك كلِّه إلَّا مع العلم، وهو قول أبي بكر في «التَّنبيه» ، والقاضي في «خلافه» .

    ج ٢ ص ٢٥٦
  24. والثَّالث: لا ضمان بكلِّ حال، حكاه أبو بكر.

  25. وعلى الضَّمان؛ فهل يضمنه بالثَّمن المشترى، أو بقيمة المثل ويكون شريكاً في الربح الزَّائد؟ على قولين ذكرهما أبو بكر.

  26. ومنها: إذا دفع القصَّار ثوب رجل إلى غيره خطأً، فتصرَّف فيه المدفوع إليه بقطع، أو لُبْسٍ يظنُّه ثوبه؛ فنقل حنبل عن أحمد في قصَّارٍ أبدل الثَّوب، فأخذه صاحبه فقطعه وهو لا يعلم أنَّه ثوبه؛ قال: على القصَّار إذا أبدل، قيل له: فإن كان مالاً فأنفقه؟ قال: ليس هذا مثل المال الَّذي (١) أنفقه؛ لأنَّه مال تلف (٢) .

  27. ففرَّق بين المال إذا أنفق وتلف، وبين الثَّوب إذا قطع؛ لأنَّ العين ههنا (٣) موجودة فيمكن الرُّجوع فيها، ويضمن نقصها القصَّار بجنايته (٤) خطأ.

  28. وظاهر كلامه: أنَّه لا يضمن القاطع؛ لأنَّه مغرور، ولم يدخل على الضَّمان.

  29. أما إن دفع إليه دراهم غيره يظنُّه صاحبها، فأنفقها؛ فالضَّمان على المنفق وإن كان مغروراً؛ لتلف المال تحت يده بانتفاعه به، وذلك مقرِّر

    ج ٢ ص ٢٥٧للضمان مع التَّعزير في إحدى الرِّوايتين.

  30. ونقل محمَّد بن الحكم عن أحمد في هذه المسألة أنَّه ذُكر له قول مالك: لا يغرم الَّذي لبسه، ويغرم الغسَّال لصاحب الثَّوب، فقال: لا يعجبني ما قال، ولكن إذا هو لم يعلم، فلبسه؛ فإنَّ عليه ما نقص، ليس على القصَّار شيء (١) .

  31. فأوجب هنا الضَّمان على اللَّابس لاستيفائه المنفعة، دون الدَّافع؛ لأنَّه لم يتعمَّد الجناية، فكان إحالةُ الضَّمان على المستوفي للنَّفع أولى.

  32. وهذه الرِّواية توافق ما قبلها في تقرير الضَّمان على المنتفع، لا سيَّما والدَّافع هنا معذور، وإنَّما ضمن القصَّار القطع؛ لأنَّه تلف لم يحدث من انتفاع القابض؛ فكان ضمانه على الدَّافع لتسبُّبه إليه، فالرِّوايتان إذن متَّفقتان.

  33. ومن الأصحاب من جعلهما مختلفتين: في أنَّ الضَّمان هل هو على القصَّار، أو على المدفوع إليه؟

  34. ثمَّ منهم من حمل رواية ضمان القصَّار على أنَّه كان أجيراً مشتركاً، فيضمن جناية يده، ورواية عدم ضمانه على أنَّه كان أجيراً خاصًّا؛ فلا يضمن جنايته ما لم يتعمدها، وأشار القاضي في «المجرَّد» إلى ذلك.

  35. ومنها: لو دفع الملتقط اللُّقَطَة إلى واصفها، ثمَّ أقام غيرُه البيِّنة أنها له، فإن كان الدَّفع بحكم حاكم؛ فلا ضمان على الدَّافع، وإن كان بدونه؛ فوجهان:

    ج ٢ ص ٢٥٨أحدهما: لا ضمان؛ لوجوب الدَّفع عليه، فلا ينسب إلى تفريط.

  36. والثَّاني: عليه الضَّمان، وهو قول القاضي، ثمَّ يرجع به على الواصف؛ إلَّا أن يكون قد أقرَّ له بالملك.

  37. أمَّا لو دفع الوديعة إلى من يظنُّه صاحبها، ثمَّ تبيَّن الخطأ؛ فقال الأصحاب: يضمن لتفريطه.

  38. ويتخرَّج فيه وجه آخر: أنَّ الضَّمان على المتلف وحده، وهو ظاهر ما نقله حنبل عن أحمد في مسألة القصَّار.

  39. ولو قتل من يظنُّه قاتل أبيه؛ لاشتباهه به في الصُّورة؛ قُتل به لتفريطه في اجتهاده، ذكره ابن عقيل في «مفرداته» .

  40. ويتخرَّج: أن لا قَوَدَ، وأنَّه يضمن بالدِّية، كما لو قطع يسار قاطع يمينه ظانًّا أنَّها اليمين (١) ؛ فإنَّه لا قَوَد (٢) ، وسواء كان الجاني عاقلاً أو مجنوناً، وفي وجوب الدية له وجهان.