قاعدة [٩٦] من وجب عليه أداء عين مال، فأداه عنه غيره بغير إذنه

٥٦ فقرة، ج ٢ ص ٢٦٢

الصفحة ١ من ٢

  1. من وجب عليه أداء عين مال، فأدَّاه عنه غيره بغير إذنه؛ هل يقع موقعه وينتفي الضَّمان عن المؤدِّي؟

    ج ٢ ص ٢٦٢
  2. هذا على قسمين:

    أحدهما: أن تكون العين ملكاً لمن وجب عليه الأداء، وقد تعلَّق بها حقُّ الغير:

    فإن كان المتصرِّف له ولاية التَّصرُّف؛ وقع الموقع ولا ضمان، ولو كان الواجب ديناً.

  3. وإن لم يكن له ولاية:
  4. فإن كانت العين متميِّزة بنفسها؛ فلا ضمان ويجزئ.

  5. وإن لم تكن متميِّزة من بقيَّة ماله؛ ضمن ولم يجزئ، إلَّا أن يجيز المالك التَّصرُّف، ونقول بوقف عقود الفضوليِّ على الإجازة.

  6. ويتفرَّع على هذا مسائل:
  7. منها: لو امتنع من وفاء دينه وله مال، فباع الحاكم ماله ووفَّاه عنه؛ صحَّ، وبرئ منه ولا ضمان.

  8. ومنها: لو امتنع من أداء الزكاة، فأخذها الإمام منه قهراً؛ فإنَّها تجزئ عنه ظاهراً وباطناً في أصحِّ الوجهين، وهو ظاهر كلام أحمد

    ج ٢ ص ٢٦٣والخرقيِّ؛ لأنَّ للإمام ولاية على الممتنع، وهذا حقٌّ تدخله النِّيابة، فوقع موقعه.

  9. ومنها: لو تعذَّر استئذان من وجبت عليه الزَّكاة؛ لغَيبة أو حبس، فأخذ السَّاعي الزَّكاة من ماله؛ سقطت عنه.

  10. ومنها: وليُّ الصبي والمجنون يخرج عنهما الزَّكاة ويجزئ؛ كما يؤدِّي عنهما سائر الواجبات الماليَّة من النَّفقات والغرامات.

  11. ومنها: إذا عيَّن أضحية، فذبحها غيره عنه بغير إذنه (١) ؛ أجزأت عن صاحبها، ولم يضمن الذَّابح شيئاً، نصَّ عليه؛ لأنَّها متعيِّنة للذَّبح ما لم يبدلها، وإراقة دمها واجب (٢) ؛ فالذَّابح قد عجَّل الواجب، فوقع موقعه (٣) .

  12. ولا فرق عند الأكثرين بين أن تكون معيَّنة ابتداء، أو عن واجب في الذِّمَّة.

  13. وفرَّق صاحب «التَّلخيص» بين ما وجب في الذِّمَّة وغيره (٤) ، وقال: المعيَّنة عن واجب في الذِّمَّة يشترط لها نيَّة المالك عند الذَّبح، فلا يجزئ ذبح غيره لها بغير إذنه؛ فيضمن.

  14. ومنها: لو أحرم وفي يده المشاهدة صيد، فأطلقه غيره بغير إذنه؛ فقال القاضي والأكثرون: لا يضمن؛ لأنَّه فعل الواجب عليه، كما لو

    ج ٢ ص ٢٦٤أدَّى عنه دينه في هذه الحال.

  15. وفي «المبهج» للشيرازيِّ: أنَّه يضمن؛ لأنَّ ملكه لم يزل عنه، وإرسال الصَّيد إتلاف يوجب الضَّمان؛ فهو كقتله، اللَّهم إلَّا أن يكون المرسِل حاكماً أو وليَّ صبيٍّ؛ فلا ضمان للولاية.

  16. وهذا كلُّه بناءً على قولنا: يجب عليه إرساله وإلحاقه بالوحش، وهو المنصوص.

  17. وأمَّا (١) إن قلنا: يجوز له نقل يده إلى غيره بإعارة أو إيداع، كما قاله القاضي في «المجرَّد» ، وابن عقيل في باب (٢) العارية؛ فالضَّمان واجب بغير إشكال (٣) .

  18. ومنها: لو نذر الصَّدقة بمال معيَّن، فتصدَّق به عنه غيره؛ ففيه وجهان:

    أحدهما: لا ضمان عليه؛ كالأضحية، وهو اختيار أبي الخطَّاب في «الانتصار» ، سواء قيل بزوال ملكه وامتناع الإبدال كما اختاره، أو ببقاء الملك وجواز الإبدال؛ إذ لا فرق بين الدَّراهم المنذورة وبين الأضحية في ذلك.

  19. والثَّاني: الضَّمان، وهو قول القاضي وابن عقيل.

  20. ويشكل الفرق بينه وبين الأضحية، لا سيَّما والنُّقود لا تتعيَّن بالتَّعيين

    ج ٢ ص ٢٦٥في العقود على إحدى الرِّوايتين، بخلاف الحيوان.

  21. وقد يقال في الفرق: إنَّ الأضحية إنَّما يجوز إبدالها بخير منها، والنُّقود متساوية غالباً؛ فلا معنى لإبدالها (١) .

  22. وقد أشار القاضي إلى الفرق: بأنَّ النَّذر يحتاج إخراجه إلى نيَّة كالزَّكاة.

  23. وهذا ممنوع، بل نقول في نذر الصَّدقة بالمعيَّن ما نقول في الأضحية المعيَّنة.

  24. وأمَّا إذا أدَّى غيره زكاته الواجبة من ماله أو نَذْرِه الواجب في الذِّمَّة، أو كفَّارته من ماله بغير إذنه، حيث لا ولاية له عليه؛ فإنَّه يضمن في المشهور؛ لأنَّه لا يسقط به فرض المالك؛ لفوات النِّيَّة المعتبرة منه وممَّن يقوم مقامه.

  25. وخرَّج الأصحاب نفوذه بالإجازة من نفوذ تصرُّف الفضوليِّ بها.

  26. وهذا الَّذي ذكرناه (٢) في العبادات؛ كالزَّكاة والأضحية والنَّذر؛ إنَّما هو إذا نواه المخرِج عن المالك.

  27. فأمَّا إن نوى عن نفسه، وكان عالماً بالحال؛ فهو غاصب محض، فلا يصحُّ تصرُّفه لنفسه بأداء الزَّكاة، ولا بذبح الأضحية والهدي ولا غيرهما؛ لأنَّه وقع من أصله تعدِّياً، وذلك ينافي التَّقرُّب.

  28. وخرَّج بعض الأصحاب وجهاً: بوقفه على الإجازة، من القول

    ج ٢ ص ٢٦٦بوقف تصرُّف الغاصب.

  29. وربَّما ذكره بعضهم رواية في الزَّكاة.

  30. وخرَّجه ابن أبي موسى وجهاً في العتق، لكن إذا التزم ضمانه في ماله، وهذا شبيه بتصرُّف الفضوليِّ.

  31. وهل يجزئ عن المالك في هذه الحال أم لا؟ حكى القاضي والأكثرون في الأضحية روايتين.

  32. والصَّواب: أنَّ الرِّوايتين تتنزَّل على اختلاف حالين لا على اختلاف قولين؛ فإن نوى الذَّابح الذَّبح عن نفسه مع علمه بأنَّها أضحية الغير؛ لم تجزئ؛ لغصبه واستيلائه على مال الغير وإتلافه له عدواناً، وإن كان يظنُّ الذَّابح أنَّها أضحيته؛ لاشتباهها عليه؛ أجزأت عن المالك.

  33. وقد نصَّ أحمد على الصُّورتين في رواية ابن القاسم وسندي، مفرِّقاً بينهما مصرِّحاً بالتَّعليل المذكور، وكذلك الخلَّال فرَّق بينهما وعقد لهما بابين منفردين؛ فلا تصحُّ التَّسوية بعد ذلك.

  34. ومتى قيل بعدم الإجزاء؛ فعلى الذَّابح الضَّمان، لكن هل يضمن أرش الذَّبح أو كمال القيمة؟

  35. أمَّا على رواية تحريم ذبيحة الغاصب؛ فضمان القيمة متعيِّن.

  36. وأمَّا على القول بالحلِّ - وهو المشهور-؛ فقد يقال: إن كانت معيَّنة عن واجب في الذِّمَّة؛ فحكم هذا الذَّبح حكم عطبها، وإذا عطبت؛ فهل ترجع إلى ملكه؟ على روايتين.

  37. فإن قيل: برجوعها إلى ملكه؛ فعلى الذَّابح أرش نقص الذَّبح خاصَّة.

  38. وإن قيل: لا ترجع إلى ملكه؛ فالذَّبح حينئذ بمنزلة إتلافها بالكليَّة؛ فيضمن الجميع، ويشتري المالك بالقيمة ما يذبحه عن الواجب عليه، ويصرف الكلَّ مصرف الأضحية (١) .

    ج ٢ ص ٢٦٧
  39. وإن كانت معيَّنة ابتداء أو تطوُّعاً؛ فقد فوَّت على المالك التَّقرُّب بها، وكونها أضحية أو هدياً، لكن على وجه لا يلزمه بدلها.

  40. فيحتمل أن يتصدَّق بلحمها، كالعاطب دون محلِّه، ويأخذ أرش الذَّبح من الذَّابح ويتصدَّق به.