قاعدة [٩٧] من بيده مال أو في ذمته دين يعرف مالكه، ولكنه غائب يرجى قدومه
٤١ فقرة، ج ٢ ص ٢٧٠
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ٢٧٠
من بيده مال أو في ذمَّته دين يَعرف مالكه، ولكنَّه غائب يرجى قدومه؛ فليس له التَّصرُّف فيه بدون إذن الحاكم، إلَّا أن يكون يسيراً تافهاً؛ فله الصَّدقة به عنه، نصَّ عليه في مواضع (١) .
-
وإن كان قد أيس من قدومه؛ بأن مضت مدَّة يجوز فيها أن تتزوَّج (٢) امرأته، ويقسم ماله، وليس له وارث؛ فهل يجوز التَّصرُّف في ماله بدون إذن الحاكم؟
-
قد يتخرجَّ على وجهين، أصلهما الرِّوايتان في امرأة المفقود: هل تتزوَّج (٣) بدون إذن (٤) الحاكم أم لا؟
- ج ٢ ص ٢٧١
والمنصوص في رواية صالح: جواز التَّصدُّق به، ولم يعتبر حاكماً.
-
وإن لم يَعرف مالكه بل جهل؛ جاز التَّصدُّق به عنه بشرط الضَّمان بدون إذن حاكم قولاً واحداً على أصحِّ الطَّريقين.
-
وعلى الثَّانية فيه روايتان، وهي طريقة القاضي في «كتاب الرِّوايتين» ، وفي موضع من «المجرد» .
-
وجزم في موضع آخر منه: بتوقُّف التَّصرُّف على إذن الحاكم، والأولى أصحُّ.
- ويتخرَّج على هذه القاعدة مسائل:
-
منها: اللُّقَطَةُ الَّتي لا تملك إذا أجزنا الصَّدقة بها (١) ، أو الَّتي يخشى فسادها إذا أراد التَّصدُّق بها؛ فالمنصوص جواز الصَّدقة بها من غير حاكم.
-
وذكر أبو الخطَّاب رواية أخرى: أنَّه إن كان يسيراً؛ باعه وتصدَّق به، وإن كان كثيراً؛ رفعه إلى السُّلطان، وقال: نقلها مهنَّى.
-
ورواية مهنَّى إنَّما هي فيمن باع من رجل شيئاً، ثمَّ مات المشتري قبل قبضه، وخشي البائع فساده، وهذا ممَّا له مالك معروف ويمكن الاطِّلاع على معرفة ورثته؛ فليست المسألة، نبَّه على ذلك الشَّيخ مجد الدِّين.
- ج ٢ ص ٢٧٢
ومنها: اللَّقيط إذا وُجد معه مال؛ فإنَّه ينفق عليه منه بدون إذن الحاكم (١) ، ذكره ابن حامد.
قال أبو الخطَّاب: وروى عنه أبو الحارث ما يدلُّ على أنَّه لا ينفق عليه إلَّا بإذن الحاكم.
قال الشَّيخ مجد الدين: وهذه الرِّواية إنَّما هي في المودَع أنَّه لا ينفق على زوجة المستودِع وأهله في غيبته إلَّا بإذن الحاكم (٢) .
-
وليس هذا نظير مسألتنا؛ لأنَّ الولاية هنا على معروف، فنظيره من وجد طفلاً معروف النَّسب وأبوه غائب (٣) .
-
ومنها: الرُّهون الَّتي لا يُعرف أهلها، نصَّ أحمد على جواز الصَّدقة بها (٤) في رواية أبي طالب وأبي الحارث وغيرهما (٥) .
- ج ٢ ص ٢٧٣
وتأوَّله القاضي في «المجرد» وابن عقيل: على أنَّه تعذَّر إذن الحاكم؛ لما روى عنه أبو طالب أيضاً: إذا كان عنده رهن وصاحبه غائب وخاف فساده؛ يأتي إلى السُّلطان ليأمر ببيعه، ولا يبيعه بغير إذن السُّلطان. (١)
-
وأنكر ذلك الشَّيخ مجد الدين وغيره، وأقرُّوا النُّصوص على وجوهها؛ فإن كان المالك معروفاً لكنَّه غائب؛ رفع أمره إلى السلطان، وإن كان مجهولاً؛ جاز التَّصرُّف فيه بدون حاكم، وإن كان (٢) علم صاحبه لكنَّه أيس منه؛ تصدَّق به (٣) عنه، نصَّ عليه في رواية أبي الحارث (٤) .
-
ومنها: الودائع الَّتي جُهل ملَّاكها؛ يجوز التَّصدُّق بها بدون حاكم، نصَّ عليه.
-
وكذلك إن فقد ولم يُطَّلَع على خبره وليس له ورثة؛ تُصدِّق به، نصَّ عليه، ولم يعتبر حاكماً.
قال القاضي في «المجرَّد» : فيحتمل أن يحمل على إطلاقه؛ لأنَّه من فعل المعروف، ويحتمل أن يحمل عند تعذُّر إذن الحاكم؛ لأنَّ هذا المال مصرفه إلى بيت المال، وتفرقة مال بيت المال موكول إلى اجتهاد الإمام، انتهى.
- ج ٢ ص ٢٧٤
والصَّحيح: الإطلاق، وبيت المال ليس بوارث على المذهب المشهور، وإنَّما يحفظ فيه المال الضَّائع، فإذا أُيِسَ من وجود صاحبه؛ فلا معنى للحفظ، ومقصود الصَّرف في مصلحة المالك يحصل بالصَّدقة به عنه، وهو أولى من الصَّرف إلى بيت المال؛ لأنَّه ربَّما صُرف عند فساد بيت المال إلى غير مصرفه.
-
وأيضاً؛ فالفقراء مستحِقُّون من مال بيت المال، فإذا وصل إليهم هذا المال على غير يد الإمام؛ فقد حصل المقصود، ولهذا قلنا على أحد الوجهين: إذا فرَّق الأجنبيُّ الوصية، وكانت لغير معيَّن كالفقراء؛ فإنَّها تقع الموقع، ولا تضمن؛ كما لو كانت الوصيَّة لمعيَّن.
-
وعلى هذا الأصل: يتخرَّج جواز أخذ الفقراء (١) الصَّدقة من يد من ماله حرام؛ كقطَّاع الطَّريق، وأفتى القاضي بجوازه.
-
ونصَّ أحمد في رواية صالح على أن من (٢) كانت عنده وديعة، فوكَّل في دفعها، ثمَّ مات، وجُهل ربُّها، وأيس من الاطِّلاع عليه؛ يتصدق بها عنه الوكيل، وورثه الموكِّل في البلد الَّذي كان صاحبها فيه حيث يرون أنَّه كان، وهم ضامنون إذا ظهر له وارث.
-
واعتبار الصدقة في موضع المالك - مع الجهل به -؛ قد نصَّ على مثله في الغصب وفي مال الشُّبهة (٣) .
- ج ٢ ص ٢٧٥
واحتجَّ بأن عمر جعل الدِّية على أهل القرية؛ يعني: إذا جهل القاتل (١) .
-
وجه الحجَّة منه: أنَّ الغرم لمَّا اختصَّ بأهل المكان الَّذي فيه الجاني؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ الجاني أو عاقلته المختصِّين بالغرم لا يخلو المكان عنهم؛ فكذلك الصَّدقة بالمال المجهول مالكه ينبغي أن تختصَّ بأهل مكانه؛ لأنَّه أقرب إلى وصول المال إليه إن كان موجوداً أو إلى ورثته، ويراعى في ذلك الفقر؛ لأنَّها صدقة؛ كما يراعى في وضع الدِّية الغنى.
-
ومنها: الغصوب الَّتي جهل ربُّها، فيتصدَّق بها أيضاً، وقد نصَّ على ذلك في رواية جماعة (٢) .
-
ولم يذكر أكثر الأصحاب فيه خلافاً.
-
وطرد القاضي في «كتاب الرِّوايتين» فيه الخلاف؛ بناءً على أنَّه مستحَقٌّ لبيت المال.
-
وكذلك حكم المسروق ونحوه، نصَّ عليه.
-
ولو مات المالك ولا وارث له يعلم؛ فكذلك يتصدَّق به عنه، نصَّ عليه أيضاً.
- تنبيهان:
-
أحدهما: الدُّيون المستحَقَّة كالأعيان؛ يتصدَّق بها عن مستحِقِّيها، نصَّ عليه.
-
مع أنَّه نصَّ على أنَّ من قال لغريمه: تصدَّق عني بديني الَّذي لي عليك؛ لم يبرأ بالصَّدقة عنه، ولو وكَّله في قبضه من نفسه حيث لم يتعيَّن المدفوع ملكاً له؛ فإنَّ الدَّين لا يتعيَّن ملكه فيه بدون قبضه أو قبض وكيله.
-
وفرَّق القاضي في «خلافه» بين أن يكون المأمور بالدَّفع إليه معيَّناً أو غير معيَّن؛ فإن كان معيَّناً؛ برئ بالدَّفع إليه كالوكيل.
-
وخرَّج في «المجرد» المسألة على بيع الوكيل من نفسه؛ نظراً إلى أنَّ العلَّة هي القبض من نفسه، حيث وكَّله المالك في التَّعيين والقبض.
-
وقد أطلق ههنا جواز الصَّدقة به عنه، فإمَّا أن يكون هذا رواية ثانية بالجواز مطلقاً، أو محمولاً على حالة تعذُّر وجود المالك أو وكيله، وهو الأقرب.
-
وكذلك نصَّ في رواية أبي طالب فيمن عليه دين لرجل وقد مات، وعليه ديون للنَّاس، فقضى عنه دينه بالدَّين الذي عليه: (أنَّه يبرأ به في الباطن) .
-
والثَّاني: إذا أراد من بيده عين جهل مالكها أن يتملَّكها ويتصدَّق بقيمتها عن مالكها؛ فنقل صالح عن أبيه الجواز فيمن اشترى آجرًّا، وعلم أنَّ البائع باعه ما لا يملك، ولا يُعرف له أربابٌ: أرجو إن أخرج
ج ٢ ص ٢٧٧قيمة الآجرِّ وتصدَّق (١) به أن ينجوَ من إثمه.
-
وقد يتخرَّج فيه خلافٌ من جواز شراء الوكيل من نفسه.
-
ويشهد له اختلاف الرِّواية عنه فيمن له دين وعنده به رهن، وانقطع خبر صاحبه وباعه؛ هل له أن يستوفيَ دينه منه ويتصدَّق بالفاضل، أم يتصدَّق به كلِّه؟ على روايتين؛ لأنَّ فيه استيفاءً للحقِّ بنفسه من تحت يده.