قاعدة [٩٩] ما تدعو الحاجة إلى الانتفاع به من الأعيان ولا ضرر في بذله

٢٥ فقرة، ج ٢ ص ٢٨٠

  1. ما تدعو الحاجة إلى الانتفاع به من الأعيان (١) ولا ضرر في بذله؛ لتيسُّره وكثرة وجوده، أو المنافع المحتاج إليها (٢) ؛ يجب بذله مجَّاناً بغير عوض (٣) .

    ج ٢ ص ٢٨٠
  2. ويندرج تحت ذلك مسائل:
  3. منها: الهرُّ لا يجوز بيعه على أصحِّ الرِّوايتين (٤) ، وفي (٥) «صحيح مسلم» النَّهي عنه (٦) ، ومأخذ المنع ما ذكرنا.

  4. ومنها: الماء الجاري والكلأ يجب بذل الفاضل منه للمحتاج إلى

    ج ٢ ص ٢٨١الشُّرب وإسقاء بهائمه.

  5. وكذلك زروعه على الصَّحيح أيضًا.

  6. وسواء قلنا: يملكه من هو في أرضه أو لا.

  7. والصَّحيح: أنَّ مأخذ المنع من بيعه ما ذكرنا (١) ، لا أنَّه غير مملوك بملك الأرض؛ فإنَّ النُّصوص متكاثرة عن أحمد بملك المباحات النَّابتة في الأرض.

  8. ويشهد له أيضاً ما نصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور في اللُّقاط: (لا أرى لصاحب الأرض أن يبيعه (٢) ، النَّاسُ فيه سواء) (٣) ، مع أنَّه مملوك له بلا إشكال، ولا يقال: زال ملكه عنه بمصيره منبوذاً مرغوباً عنه؛ لأنَّ المنع والبيع ينافي ذلك.

  9. ومنها: وضع الخشب على جدار الجار إذا لم يضرَّ به.

  10. وكذلك إجراء الماء في أرضه على إحدى الرِّوايتين.

  11. ومنها: إعارة الحليِّ، ظاهر كلام أحمد وجماعة من الأصحاب وجوبه، وصرَّح به بعض المتأخرين.

  12. واختار بعضهم وجوب بذل الماعون، وهو ما خفَّ قدره وسهل؛ كالدَّلو والفأس والقِدر والمُنْخُل، وإعارة الفحل للضِّراب، وهو اختيار الحارثيِّ، وإليه ميل الشَّيخ تقيِّ الدِّين (١) .

    ج ٢ ص ٢٨٢
  13. ومنها: المصحف تجب إعارته لمن احتاج إلى القراءة فيه ولم يجد مصحفاً غيره، نقله القاضي في «الجامع الكبير» ، وذكر ابن عقيل في كلام له (٢) مفرد أنَّ الأصحاب علَّلوا قولهم: لا يقطع بسرقة المصحف؛ بأنَّ (٣) له فيه حقَّ النَّظر لاستخراج أحكام الشَّرع إذا خفيت عليه، وعلى صاحبه بذله.

  14. لذلك قال ابن عقيل: وهذا (٤) تعليل يقتضي التَّسوية بين سرقته وسرقة كتب السُّنن؛ فإنَّها مضمَّنة (٥) من الأحكام أمثال ذلك، والحاجة إليها داعية، وبذلها للمحاويج إليها من القضاة والحكَّام وأهل الفتاوى واجب على مالكها، انتهى.

  15. ومنها: ضيافة المجتازين، والمذهب وجوبها، وأمَّا إطعام المضطرين؛ فواجب، لكن لا يجب بذله مجَّاناً، بل بالعوض.

  16. وأمَّا المنافع المضطرُّ إليها كمنفعة الظَّهر للمنقطعين في الأسفار، وإعارة ما يضطرُّ إليه؛ ففي وجوب بذلها مجَّاناً وجهان.

  17. واختار الشيخ تقي الدِّين: (أنَّ المضطرَّ إلى الطعام إن كان فقيراً؛ وجب بذله له مجَّاناً؛ لأنَّ إطعامه فرض كفاية؛ فلا يجوز أخذ العوض عنه، بخلاف الغنيِّ؛ فإنَّ الواجب معاوضته فقط) (١) ، وهذا حسن.

    ج ٢ ص ٢٨٣
  18. وحكى الآمديُّ رواية: أنَّه لا يضمن المضطرُّ الطَّعام الَّذي أخذه من صاحبه قهراً؛ لمنعه إيَّاه.

  19. ومنها: رباع مكَّة، لا يجوز بيعها ولا إجارتها على المذهب (٢) المنصوص.

  20. واختلف في مأخذه؛ فقيل: لأنَّ مكَّة فتحت عنوة، فصارت وقفاً أو فيئاً؛ فلا ملك فيها لأحد، وعلى هذا؛ فينبني الخلاف في البيع (٣) والإجارة على الخلاف في فتحها عنوة أو صلحاً.

  21. وقيل: بل لأنَّ الحرم حريم البيت والمسجد الحرام، قد (٤) جعله الله للنَّاس؛ سواء العاكف فيه والباد؛ فلا يجوز لأحد التَّخصيص بملكه وتحجره، بل الواجب أن يكون النَّاس فيه شرعاً واحداً؛ لعموم الحاجة إليه، فمن احتاج إلى ما بيده منه سكنه، وإن استغنى عنه وجب بذل فاضله للمحتاج (٥) إليه، وهو مسلك ابن عقيل في «نظريَّاته» ، وسلكه

    ج ٢ ص ٢٨٤القاضي في «خلافه» أيضاً (١) .

  22. واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢) ، وتردَّد كلامه في جواز البيع؛ فأجازه مرَّة؛ كبيع أرض العنوة عنده، ويكون نقلاً لليد بعوض (٣) ، ومنع منه أخرى؛ إذ الأرض وأنقاض البناء من الحرم غير مملوك للباني، وإنَّما له التَّأليف، وقد رُجِّح به بتقديمه في الانتفاع؛ كمن بنى في أرض مسبلة للسُّكنى بناء من ترابها وأحجارها.

  23. ونقل ابن منصور عن أحمد ما يدلُّ على جواز البيع دون الإجارة (٤) ، وتأوَّله القاضي.

  24. وعلى هذا المأخذ؛ فقد يختصُّ المنع بالقول بفتحها عنوة لمصير الأرض فيئاً، وقد نصَّ أحمد في رواية حنبل على أنَّ علَّة الكراهة أنَّها فتحت عنوة (٥) ؛ فصار المسلمون فيها شركاً (٦) واحداً، قال: (وعمر إنَّما

    ج ٢ ص ٢٨٥ترك السَّواد لذلك)، قال: (ولا يعجبني منع منازل السَّواد ولا أرضيهم) (١) ، وهذا نصٌّ بكراهة (٢) المنع في سائر أراضي العنوة.

  25. وبكلِّ حال؛ فلا يجب الإسكان في دور مكَّة إلَّا في الفاضل عن حاجة السَّاكن، نصَّ عليه (٣) .