فصل ولو تعلق الإنشاء باسم لا يتميز به مسماه لوقوع الشركة فيه

٣٦ فقرة، ج ٢ ص ٣٠٨

  1. فإن لم ينو به في الباطن معيَّناً؛ فهو كالتَّصريح بالإبهام.

    ج ٢ ص ٣٠٨
  2. وإن نوى به معيَّناً؛ فإن كان العقد ممَّا لا يشترط له الشَّهادة؛ صحَّ، وإلَّا ففيه خلاف.

  3. والإخبار تابع للإنشاء في ذلك.

  4. ويتخرَّج على ذلك مسائل:
  5. منها: ورود عقد النِّكاح على اسم لا يتميَّز مسمَّاه؛ لا يصحُّ، فلو قال: زوَّجتك بنتي وله بنات؛ لم يصحَّ (١) .

  6. وأمَّا إن عيَّنا في الباطن واحدة، وعقدا العقد عليها باسم غير مميِّز، نحو أن يقول: بنتي، وله بنات، أو يسمِّيها باسم، وينويا في الباطن غير مسمَّاه (٢) ؛ ففي الصِّحة وجهان:

    اختار القاضي: الصِّحَّة في موضع (٣) .

  7. وأبو الخطَّاب، والقاضي في موضع آخر (١) : البطلان.

    ج ٢ ص ٣٠٩
  8. ومأخذه: أنَّ النِّكاح يشترط له الشَّهادة، ويتعذَّر الإشهاد على النِّيَّة.

  9. وعن أبي حفص العكبريِّ: إن كانت المسمَّاة غلطاً لا يحلُّ نكاحها؛ لكونها مزوَّجة، أو غير ذلك (٢) ؛ صحَّ النِّكاح، وإلَّا فلا.

  10. ولو وقع مثل هذا في غير النِّكاح ممَّا لا يشترط له الشَّهادة؛ فإن قلنا في النِّكاح: يصحُّ؛ ففي غيره أولى، وإن قلنا في النِّكاح: لا يصحُّ؛ فمقتضى تعليل من علَّل باشتراط الشَّهادة أن يصحَّ في غيره ممَّا لا يعتبر الإشهاد عليه لصحَّته.

  11. ومنها: الوصيَّة لجاره محمَّد، وله جاران بهذا الاسم؛ وله حالتان:

    إحداهما: أن يعلم بقرينة أو غيرها أنَّه أراد واحداً منهما معيَّناً، وأشكل علينا معرفته؛ فههنا تصحُّ الوصيَّة بغير تردُّد، ويخرج المستحِقُّ منهما بالقرعة على قياس المذهب في اشتباه المستحقِّ للمال بغيره من الزَّوجة المطلَّقة والسِّلعة المبيعة وغيرهما.

  12. والحالة الثَّانية: أن يُطْلِق، وقد يذهل عن تعيين أحدهما بعينه؛ فهو كالوصيَّة لأحدهما مبهماً، ولذلك حكى الأصحاب في الصِّحَّة روايتين.

  13. ولكنَّ المنصوص عن أحمد الصِّحَّة، قال صالح: سألت أبي عن رجل مات وله ثلاثة غلمان، ثلاثتهم اسمهم فرج، فأوصى عند موته،

    ج ٢ ص ٣١٠فقال: فرج حرٌّ، وفرج له مائة، وفرج ليس له شيء. فقال (١) : يقرع بينهم، فمن أصابته القرعة؛ فهو حرٌّ، وأمَّا صاحب المائة؛ فلا شيء له، وذلك أنَّه عبد، والعبد هو وماله لسيِّده.

  14. وهذا يدلُّ على صحَّة الوصيَّة مع اشتراك الاسم؛ لأنَّه إنَّما علَّل البطلان ههنا بكونه عبداً؛ فدلَّ على أنَّه لو كان حرًّا لاستحقَّ.

  15. وزعم صاحب «المغني» أنَّ رواية صالح تدلُّ على بطلان الوصيَّة، وخالفه صاحب «المحرَّر» .

  16. ونقل حنبل: قال أبو عبد الله في رجل له غلامان اسمهما واحد، فأوصى عند موته، فقال: فلان حرٌّ بعد موتي، لأحد الغلامين، وله مائتا درهم، وفلان ليس هو حرٌّ، واسمهما واحد؛ قال: يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة؛ فهو حرٌّ، وأمَّا صاحب المائتين؛ فليس له شيء، وذلك أنَّه عبد، والعبد وماله لسيِّده (٢) .

  17. وهذه تدلُّ على مثل ما دلَّت عليه رواية صالح، لكنَّ السُّؤال يقتضي أن الموصى له بالمائتين هو العتيق، والجواب يدلُّ على خلافه.

  18. ومن ثمَّ زعم صاحب «المحرَّر» (٣) أنَّها تدلُّ على بطلان الوصيَّة

    ج ٢ ص ٣١١للإبهام. وليس كذلك؛ لأنَّه إنَّما علَّل بكونه عبداً لم يعتق.

  19. وتأوَّلها القاضي وابن عقيل على أنَّ الوصيَّة لم تصحَّ؛ لكونه عبداً حال الإيصاء، ولا تكفي حريَّته حال الاستحقاق، وعلى هذا فلا تصحُّ الوصيَّة لأمِّ الولد والمدبَّر.

  20. وهو ضعيف جدًّا، وجواب أحمد إنَّما يتنزَّل على أنَّ الموصى له بالدَّراهم غير المعتَق.

  21. ونقل يعقوب بن بختان: أنَّ أبا عبد الله سئل عن رجل له ثلاثة غلمان، اسم كلِّ واحد منهم فرج؛ فقال: فرج حرٌّ، ولفرج مائة درهم، فقال: يقرع بينهم، فمن خرج سهمه؛ فهو حرٌّ، والَّذي أوصى له بالمائة لا شيء له؛ لأنَّ هذا ميراث.

  22. وهذه الرِّواية من جنس ما قبلها، حيث عَلَّل فيها بطلان الوصيَّة بكون العبد الموصى له ميراثاً للورثة.

  23. فهذه الرِّوايات الثلاثة (١) الَّتي ساقها الخلَّال في «الجامع» ، وكلُّها دالَّة على الصِّحَّة، وهو قول القاضي.

  24. وساقها أبو بكر في «الشَّافي» على أنَّ الموصى له بالدَّراهم هو المعتق، وأنَّ أحمد صحَّح الوصيَّة له في رواية صالح، وأبطلها في رواية حنبل، قال أبو بكر: وبالصِّحَّة أقول.

  25. وفي «الخلَّال» أيضاً عن مهنَّى: أنَّ أحمد قال في رجلين شهدا على رجل أنَّه أوصى عند موته، فقال: لفلان بن فلان من أصحاب فلان

    ج ٢ ص ٣١٢ألف درهم، أو أحاله بها والشُّهود لا يعرفون فلان بن فلان، كيف يصنعون وقد مات الرجل؟ فقال: ينظرون في أصحاب فلان فيهم فلان بن فلان من أصحاب فلان، قلت: فإن جاء رجلان، فقال كلُّ واحد منهما: أنا فلان بن فلان من أصحاب فلان؛ قال: فلا يدفع إليهم شيء، حتَّى يكون رجل واحد.

  26. والظَّاهر أنَّ أحمد لم يتوقَّف في الدَّفع إلَّا ليتيقن المستحقَّ من غيره، لا لصحَّة الوصيَّة؛ فإنهَّا ههنا لمعيَّن في نفس الأمر، وإنمَّا اشتبه علينا لاشتراك الاسمين؛ فلذلك وقف الدَّفع على معرفة عين المستحقِّ إذا رُجي انكشافُ الحال، وأمَّا مع الإياس من ذلك؛ فيتعيَّن تعيين المستحقِّ بالقرعة، قاله بعض أصحابنا المتقدِّمين، وهو الحقُّ.

  27. ومنها: اشتباه المدَّعى عليه إذا كتب القاضي إلى قاضٍ ببلد آخر: إنَّ لفلان على فلان بن فلان المسمَّى الموصوف كذا، فأحضره المكتوب إليه بالصِّفة والنَّسب، فادَّعى أنَّ له مشاركاً في ذلك، ولم يثبت؛ حَكَم عليه.

  28. وإن ثبت له مشارك في الاسم والنَّسب والصِّفة؛ وقف حتَّى يُعلم الخصم منهما، ولم يجز القضاء مع عدم العلم.

  29. أمَّا لو كان المدَّعى المكتوب فيه حيوانًا أو عبداً موصوفاً، ولم يثبت له مشارك؛ ففيه وجهان:

    أشهرهما: أنَّه يسلَّم إلى المدَّعي مختوم العنق، ويؤخذ منه كفيل حتَّى يأتي القاضي الكاتب فيشهد الشُّهود على عينه، ويقضى له به،

    ج ٢ ص ٣١٣ومتَّى لم يشهدوا على عينه؛ وجب ردُّه إلى الحاكم الَّذي سلَّمه، ويكون في ضمان الَّذي أخذه؛ لأنَّه أخذه بغير استحقاق.

  30. والوجه الثَّاني: لا يسلَّم إلَّا بالشَّهادة على عينه.

  31. والفرق بينها وبين الَّتي قبلها: أنَّ الحرَّ قد طابق قول المدَّعى اسمه ونسبه وصفته، فيبعد الاشتراك في ذلك، والعبد والحيوان إنَّما حصل الاتِّفاق في وصفه أو في وصفه واسمه، والوصف كثير الاشتباه وكذلك الاسم.

  32. ونظير هذا ما ذكروه في شهادة الأعمى أنَّه إن عرف المشهود عليه باسمه ونسبه؛ قبلت شهادته، وإن عرفه برؤية قَبْل عمَاه فوصفه؛ ففي قبولها وجهان؛ لأنَّ الوصف المجرَّد يحصل فيه الاشتراك.

  33. ومنها: لو كان له ابنتان اسمهما واحد، فوهب لإحداهما شيئاً، أو أقرَّ لها، ثمَّ مات ولم يبيِّن، فقال القاضي في بعض تعاليقه: قياس المذهب: إخراج المستحقَّة منهما بالقرعة؛ كما لو أقرَّ أنَّه زوَّج إحدى بناته، ثمَّ مات ولم يبيِّن.

  34. وهذا صحيح؛ لأنَّ الهبة والإقرار هنا وقع لمعيَّن في الباطن، وإنمَّا أشكل علينا الوقوف عليه، فيميَّز بالقرعة.

  35. ومنها: لو وجد في كتاب وقف: أنَّ فلانًا (١) وقف على فلان وبني بنيه، واشتبه؛ هل المراد ببني (٢) بنيه: جمع ابن، أو بني بنته؛ واحدة البنات؟

    ج ٢ ص ٣١٤قال ابن عقيل في «فنونه» : يكون بينهما عندنا؛ لتساويهما؛ كما في تعارض البيِّنات.

    وقال (١) الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ليس هذا من تعارض البيِّنات، بل هو بمنزلة تردُّد البيِّنة الواحدة، ولو كان من تعارض البيِّنات؛ فالقسمة عند التَّعارض رواية مرجوحة، وإلَّا فالصَّحيح: إمَّا التَّساقط وإمَّا القرعة، فيحتمل أن يقرع ههنا؛ لأنَّ الحقَّ ثبت لإحدى الجهتين، ولم تعلم عينها، ويحتمل أن يرجَّح بنو البنين؛ لأنَّ العادة أنَّ الإنسان إذا وقف على ولد بنته لا يخصُّ بنيها الذُّكور، بل يعمُّ أولادها، بخلاف الوقف على ولد الذُّكور فإنَّه يخصُّ ذكورهم كثيراً كآبائهم، ولأنَّه لو أراد ولد البنت لسمَّاها باسمها أو لشرَّك بين ولدها وولد سائر بناته، قال: وهذا أقرب إلى الصَّواب.

  36. وأفتى فيمن وقف على أحد أولاده، وله عدَّة أولاد، وجهل اسمه: أنَّه يميَّز بالقرعة.