قاعدة [١١٣] إذا وجدنا جملة ذات أعداد موزعة على جملة أخرى؛ فهل تتوزع أفراد الجملة الموزعة على أفراد الأخرى
١٧٤ فقرة، ج ٢ ص ٣٤٧
الصفحة ١ من ٥
- ج ٢ ص ٣٤٧
إذا وجدنا جملة ذات أعداد موزَّعة على جملة أخرى؛ فهل تتوزَّع أفراد الجملة الموزَّعة على أفراد الأخرى، أو كلُّ فرد منها على مجموع الجملة الأخرى؟
-
هذه على قسمين:
الأوَّل: أن يوجد قرينة تدلُّ على تعيين أحد الأمرين، فلا خلاف في ذلك.
-
فمثال ما دلَّت القرينة فيه على توزيع الجملة على الجملة الأخرى، فيقابل كلُّ فرد كامل بفرد يقابله، إمَّا لجريان العرف، أو دلالة الشَّرع على ذلك، وإمَّا لاستحالة ما سواه (١) :
أن يقول لزوجتيه: إن أكلتما هذين الرَّغيفين فأنتما طالقتان، فإذا أكلت كلُّ واحدة منهما رغيفاً؛ طلقتا؛ لاستحالة أكل كلِّ واحدة للرَّغيفين.
-
أو يقول لعبديه: إن ركبتما دابَّتيكما، أو لبستما ثوبيكما، أو تقلَّدتما سيفيكما، أو اعتقلتما رمحيكما، أو دخلتما بزوجتيكما؛ فأنتما حرَّان؛ فمتى وجد من كلِّ واحد ركوب دابَّته، أو لبس ثوبه، أو تقلُّد سيفه، أو
ج ٢ ص ٣٤٨رمحه، أو الدُّخول بزوجته؛ ترتَّب عليهما العتق؛ لأنَّ الانفراد بهذا عرفيٌّ، وفي بعضه شرعيٌّ (١) ، فيتعيَّن صرفه إلى توزيع الجملة على الجملة، ذكره في «المغني» .
-
ومثال ما دلَّت القرينة فيه على توزيع كلِّ فرد من أفراد الجملة على جميع أفراد الجملة الأخرى: أن يقول رجل لزوجتيه: إن كلَّمتما زيداً وكلَّمتما عمراً (٢) ؛ فأنتما طالقتان، فلا يطلقان حتَّى تكلِّم (٣) كلُّ واحدة منهما زيداً وعمراً.
-
والقسم الثَّاني: ألَّا (٤) يدلَّ دليل على إرادة أحد التَّوزيعين؛ فهل يحمل التَّوزيع عند هذا الإطلاق على الأوَّل أو الثَّاني؟ في المسألة خلاف.
-
والأشهر: أنَّه يوزَّع كلُّ فرد من أفراد الجملة على جميع أفراد الجملة الأخرى إذا أمكن، وصرَّح بذلك القاضي، وابن عقيل، وأبو الخطَّاب في مسألة الظِّهار من نسائه بكلمة واحدة، ولذلك لا يذكر الخلاف إلَّا في بعض الصُّور، ويجب طرده في سائرها ما لم يَمنع منه مانع.
- ولذلك أمثلة كثيرة:
-
منها: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في تعليل مسحه على الخفَّين: «إنِّي أدخلتهما وهما طاهرتان» (١) هل المراد: أنَّه أدخل كلَّ واحدة من قدميه الخفَّين، وكلُّ واحدة منهما طاهرة، أو المراد: أنَّه أدخل كِلا القدمين الخفَّين، وكلُّ قدم في حال إدخالها طاهرة؟
-
وينبني على ذلك مسألة ما إذا غسل إحدى رجليه ثمَّ أدخلها الخفَّ، ثمَّ غسل الأخرى وأدخلها الخفَّ:
فعلى التَّوزيع الأوَّل - وهو توزيع المفرد على الجملة-: لا يجوز المسح؛ لأنَّه في حال إدخال الرِّجل الأُولى الخفَّ لم تكن الرِّجلان طاهرتين.
-
وعلى الثَّاني -وهو توزيع المفرد على المفرد- يصحُّ.
-
وفي المسألة روايتان عن أحمد، ولكنَّ القائل بأنَّ الحدث الأصغر لا يتبعَّض، وأنَّه لا يرتفع إلَّا بعد استكمال الطَّهارة يمنع طهارة الرِّجل الأولى عند دخولها الخفَّ.
-
نعم، وُجدت طهارتهما عند استكمال لبس الخفَّين، وذلك من باب توزيع الجملة على الجملة (٢) .
- ج ٢ ص ٣٥٠
ومنها: مسألة مُدِّ عجوة، وهي قاعدة عظيمة مستقلَّة بنفسها، فلنذكر ههنا مضمونها ملخَّصاً.
-
فنقول: إذا باع ربويًّا بجنسه ومعه من غير جنسه (١) ، من الطَّرفين أو أحدهما؛ كمدِّ عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم، أو مدِّ عجوة ودرهم بمدِّي عجوة، أو بدرهمين؛ ففيه روايتان:
- أشهرهما: بطلان العقد، وله مأخذان:
-
أحدهما: وهو مسلك القاضي وأصحابه؛ أنَّ الصَّفقة إذا اشتملت على شيئين مختلفي القيمة؛ يقسَّط الثَّمن على قيمتهما، وهذا يؤدِّي ههنا إمَّا إلى يقين التَّفاضل، وإمَّا إلى الجهل بالتَّساوي، وكلاهما مبطل للعقد في أموال الرِّبا.
-
وبيان ذلك: أنَّه إذا باع مدًّا -يساوي درهمين- ودرهماً، بمدَّين يساويان
ج ٢ ص ٣٥١ثلاثة دراهم؛ كان الدِّرهم في مقابلة ثلثي مدٍّ، ويبقى مدٌّ في مقابلة مدٍّ وثلث، وذلك ربًا.
-
وكذلك إذا باع مدًّا -يساوي درهمين- ودرهماً، بمدِّين يساويان ثلاثة دراهم؛ فإنَّه يتقابل الدِّرهم بثلثي مدٍّ، ويبقى مدٌّ وثلث في مقابلة مدٍّ (١) .
-
وأمَّا إن فرض التَّساوي؛ كمدٍّ -يساوي درهماً- ودرهم، بمدٍّ يساوي درهمين (٢) ؛ فإنَّ التَّقويم ظنٌّ وتخمين، فلا يتيقَّن معه المساواة (٣) ، والجهل بالتَّساوي ههنا كالعلم بالتَّفاضل.
-
فلو فرض أن المدَّين من شجرة واحدة أو زرع واحد، وأنَّ الدِّرهمين من نقد واحد؛ ففيه وجهان ذكرهما القاضي في «خلافه» احتمالين:
أحدهما: الجواز؛ لتحقق المساواة.
-
والثاني: المنع؛ لجواز أن يتغيَّر أحدهما قبل العقد، فتنقص قيمته وحده.
-
وصحَّح أبو الخطَّاب في «انتصاره» المنع؛ قال: لأنَّا لا نقابل مدًّا بمدٍّ ودرهماً بدرهم، بل نقابل مدًّا بنصف مدٍّ ونصف درهم، ولذلك لو خرج مستحقًّا؛ لاستردَّ ذلك، وحينئذٍ؛ فالجهل بالتَّساوي قائم.
- ج ٢ ص ٣٥٢
هذا ما ذكروه في تقرير هذه الطَّريقة، وهو عندي ضعيف؛ لأنَّ المنقسم هو قيمة (١) الثَّمن على قيمة المثمن، لا أجزاء أحدهما على قيمة الآخر.
-
ففيما إذا باع مدًّا -يساوي درهمين- ودرهماً، بمدَّين يساويان ثلاثة، لا نقول: الدَّرهم مقابل بثلثي مدٍّ، بل نقول: ثلث الثَّمن مقابِل لثلث المثمن (٢) ، فيقابل ثلث المدَّين بثلث مدٍّ وثلث درهم، ويقابل ثلثا المدَّين بثلثي مدٍّ وثلثي درهم، فلا ينفكُّ مقابلة كلِّ جزء من المدَّين بجزء من المدِّ والدِّرهم.
-
ولهذا لو باع شقصاً وسيفاً بمائة درهم وعشرة دنانير؛ لأخذ الشَّفيع الشِّقص بحصته من الدَّراهم والدَّنانير.
-
نعم، يحتاج إلى معرفة ما يقابل الدِّرهم أو المدَّ من الجملة الأخرى
ج ٢ ص ٣٥٣إذا ظهر أحدهما مستحقًّا أو رُدَّ بعيب أو غيره؛ ليُردَّ ما قابله من عوضه، حيث كان المردود ههنا معيَّناً مفرداً.
-
أمَّا مع صحَّة العقد في الكلِّ واستدامته؛ فإنَّا نوزِّع أجزاء الثَّمن على أجزاء المثمن بحسب (١) القيمة، وحينئذٍ؛ فالمفاضلة المتيقَّنة كما ذكروه منتفية.
-
وأمَّا أنَّ المساواة غير معلومة؛ فقد يُعلم في بعض الصُّور كما تقدَّم (٢) . (٣)
-
والمأخذ الثَّاني: أنَّ ذلك ممنوع؛ سدًّا لذريعة الرِّبا، فإنَّ اتِّخاذ ذلك حيلة على الرِّبا الصَّريح واقع كبيع مائة درهم في كيس بمائتين؛ جعلًا للمائة في مقابلة الكيس، وقد لا يساوي درهماً، فمنع ذلك وإن كانا مقصودين؛ حسماً لهذه المادة، وفي كلام أحمد إيماء إلى هذا المأخذ.
-
والرِّواية الثَّانية: يجوز ذلك بشرط أن يكون مع الرِّبويِّ من غير جنسه مع الطَّرفين (٤) ، أو يكون مع أحدهما، ولكنَّ المفرد أكثر من
ج ٢ ص ٣٥٤الَّذي معه غيره، نصَّ عليه (١) أحمد في رواية جماعة (٢) ؛ جعلاً لغير الجنس في مقابلة الجنس، أو في مقابلة الزِّيادة.
-
ومن المتأخِّرين -كالسَّامريِّ - من شرط فيما إذا كان مع كلِّ واحد من غير جنسه من الجانبين التَّساوي؛ جعلاً لكلِّ جنس في مقابلة جنسه، وهو أولى من جعل الجنس في مقابلة غيره، لا سيَّما مع اختلافهما في القيمة.
-
وعلى هذه الرِّواية؛ فإنَّما يجوز ذلك ما لم يكن حيلة على الرِّبا، وقد نصَّ أحمد على هذا الشَّرط في رواية حرب، ولا بدَّ منه (٣) .
-
وعلى هذه الرِّواية: يكون التَّوزيع ههنا للأفراد على الأفراد، وعلى الرِّواية الأولى هو من باب توزيع الأفراد على الجمل، أو توزيع الجمل على الجمل.
-
وللأصحاب في المسألة طريقة ثانية: وهي أنَّه لا يجوز بيع المحلَّى
ج ٢ ص ٣٥٥بجنس حليته قولاً واحداً، وفي بيعه بنقد آخر روايتان، ويجوز بيعه بعَرض رواية واحدة، وهذه طريقة أبي بكر في «التَّنبيه» ، وابن أبي موسى، والشِّيرازيِّ، وأبي محمَّد التَّميميِّ، وأبي عبد الله الحسين الهمذانيِّ في كتاب «المقتدى» (١) .
-
ومن هؤلاء من جزم بالمنع من بيعه بنقد من جنسه وغير جنسه؛ كأبي بكر في «التَّنبيه» ، وقال الشَّيرازيُّ: (والأظهر المنع) (٢) .
-
ومنهم من جزم بالجواز في بيعه بغير جنسه؛ كالتَّميميِّ.
-
ومنهم من حكى الخلاف؛ كابن أبي موسى.
-
ونقل البرزاطيُّ عن أحمد ما يشهد لهذه الطَّريقة في حليٍّ صيغ من مائة درهم فضَّة ومائة نحاس: أنَّه لا يجوز بيعه كلُّه بالفضَّة ولا بالذَّهب، ولا بوزنه من الفضَّة والنُّحاس، ولا يجوز بيعه حتَّى تخلص الفضَّة من النُّحاس، ويبيع كلَّ واحد منهما وحده.
-
وفي توجيه هذه الطَّريقة غموض، وحاصله: أنَّ بيع المحلَّى بنقد بجنسه قبل التَّمييز والتَّفصيل بينه وبين حليته يؤدِّي إلى الرِّبا؛ لأنَّه بيع ربويٌّ بجنسه من غير تحقُّق مساواة؛ لأنَّ بعض الثَّمن يقابل العرض، فيبقى الباقي مقابلاً للرِّبويِّ، ولا يتحقَّق مساواته له.