قاعدة [١١٨] تعليق فسخ العقد وإبطاله بوجوده: إن كان فيه مقصود معتبر شرعا؛
١٦ فقرة، ج ٢ ص ٤٠٩
- ج ٢ ص ٤٠٩
تعليق فسخ العقد وإبطاله بوجوده: إن كان فيه مقصود معتبر شرعاً؛ صحَّ، وإلَّا لم يصحَّ؛ إذ لو صحَّ؛ لصار العقد غير مقصود في نفسه، هذا مقتضى قواعد المذهب.
- ويتخرَّج على ذلك مسائل:
-
منها: إذا علَّق الطَّلاق بالنِّكاح؛ فالمذهب المنصوص (١) : أنَّه لا يصحُّ؛ لأنَّ النِّكاح لا يقصد للطَّلاق عقيب العقد.
-
واختلفت الرِّواية عنه (٢) فيمن حلف لزوجته ألَّا يتزوَّج عليها بتعليق طلاق من يتزوَّجها عليها بنكاحها؛ هل يصحُّ، أم لا؟ على روايتين؛ لأنَّ هذا فيه حقٌّ للزَّوجة، فيصير مقصوداً، كما لو شرط ألَّا يتزوَّج عليها.
-
فمن الأصحاب من خصَّ الخلاف بهذه الصُّورة، ولم يخرِّج، ومنهم من خرَّج في الكلِّ روايتين.
-
هذا كلُّه إذا لم يكن حالة التَّعليق في نكاحه؛ فإن كانت في نكاحه
ج ٢ ص ٤١٠حينئذ، وعلَّق طلاقها على نكاح آخر يوجد؛ فنصَّ أحمد في رواية ابن منصور وغيره على أنَّه يصحُّ هذا التَّعليق (١) ، وحكاه القاضي في «المجرَّد» عن أبي بكر، ورجَّحه ابن عقيل؛ لأن التَّعليق هنا في نكاح، ومن أصلنا أنَّ الصِّفة المطلقة تتناول جميع الأنكحة بإطلاقها، وتعود الصفة فيها؛ فكيف إذا قيِّدت بنكاح معيَّن.
-
ولو علَّقه في مِلك يمينه لأمته على نكاحها بعد عتقها؛ فنصَّ أحمد في رواية ابن هانئ على أنَّه يصحُّ (٢) ، معلِّلا بأنَّ ملك اليمين كالنِّكاح في استباحة الوطء؛ فلا يكون التَّعليق فيه كتعليق نكاح الأجنبيَّة.
-
وكذلك نصَّ (٣) فيمن أعتق أمته، ثمَّ قال لها متَّصلًا بعتقها: إن نكحتك فأنت طالق: أنه يصحُّ؛ لأنَّه (٤) في هذه الحال يملك عقد النِّكاح عليها قهراً، فلم تنقطع آثار الملك فيه بالكلِّيَّة؛ فلذلك انعقدت فيه الصِّفة.
-
ومنها: تعليق العتق بالملك، والمذهب المنصوص: صحَّته؛ لأنَّ الملك يراد للعتق، ويكون مقصوداً، كما في شراء ذي الرَّحم وغيره.
-
والخلَّال وصاحبه لا يثبتان في المذهب في ذلك خلافاً، وابن حامد والقاضي يحكيان روايتين.
- ج ٢ ص ٤١١
ومنها: تعليق النَّذر بالملك؛ مثل: إن رزقني الله مالاً، فلله عليَّ أن أتصدَّق به، أو بشيء منه؛ فيصحُّ، ونقل الشَّيخ تقيُّ الدِّين عليه الاتِّفاق (١) ، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدَّقنَّ. . .} الآية (٢) .
-
ومنها: تعليق فسخ الوكالة على وجودها، وتعليق الوكالة على فسخها؛ كالوكالة الدَّوريَّة، وقد ذكر صاحب «التَّلخيص» : أنَّ قياس المذهب صحَّة ذلك؛ بناءً على أنَّ الوكالة قابلة للتَّعليق عندنا، وكذلك فسخها.
وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لا يصحُّ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى أن تصير العقود الجائزة لازمة، وذلك تغيير (٣) لقاعدة الشَّرع، وليس مقصود المعلِّق إيقاع الفسخ، وإنَّما قصده الامتناع من التَّوكيل وحلُّه قبل وقوعه، والعقود لا تفسخ قبل انعقادها. (٤)
-
ومنها: تعليق فسخ البيع بالإقالة على وجود البيع (٥) ، أو تعليق فسخ النِّكاح بالعيب على وجود النِّكاح، وقد صرَّح الأصحاب ببطلان ذلك، منهم: القاضي، وابن عقيل، وأبو الخطَّاب، معلِّلين بأنَّه رفع للعقد قبل عقده.
- ج ٢ ص ٤١٢
ومنهم من يعلِّل بأنَّ الفسوخ لا تقبل التَّعليق، وقد صرَّح كثير منهم؛ كالقاضي، وأبي الخطَّاب، وابن عقيل، وصاحب «المغني» بهذا المأخذ، وهو مخالف لما نصَّ عليه أحمد في مسألة: إن جئتني بالثَّمن إلى كذا وكذا، وإلَّا فلا بيع بيننا، أنَّه يصحُّ (١) ، ويكون تعليقاً للفسخ على شرط.
-
وقد صرَّح القاضي بجوازه في البيع خاصَّة في «خلافه» ، ومن المتأخِّرين من صرَّح به في فسخ الإجارة أيضاً.
-
ومنها: تعليق فسخ التَّدبير بوجوده، وصرَّح (٢) القاضي في «المجرَّد» بامتناعه فيما إذا قال لأمته المدبَّرة: كلَّما ولدت ولداً؛ فقد رجعت في تدبيره، فقال: لا يكون رجوعاً؛ لأنَّ الرُّجوع إنَّما يصحُّ في تدبير موجود، وهذا بعدُ ما خلق؛ فكيف يكون رجوعاً؟ كما لو قال لعبده: متى دبَّرتك؛ فقد رجعت؛ لم يصحَّ. هذا لفظه.