قاعدة [١١٩] إذا وجدنا لفظا عاما قد خص بعض أفراده بحكم موافق للأول، أو مخالف له
٥٨ فقرة، ج ٢ ص ٤١٣
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ٤١٣
إذا وجدنا لفظاً عامًّا قد خصَّ بعض أفراده بحكم موافق للأوَّل، أو مخالف له؛ فهل يُقضى بخروج الخاصِّ من العامِّ وانفراده بحكمه المختصِّ به، أو يُقضى بدخوله فيه فيتعارضان مع اختلاف الحكم، ويتعدَّد سبب الاستحقاق مع اتِّفاقه؟
-
هذا على قسمين:
أحدهما: أن يكون الخاصُّ والعامُّ في كلام واحد متَّصل؛ فالمذهب: أنَّه يفرد الخاصُّ بحكمه، ولا يُقضى بدخوله في العامِّ، وسواء كان ذلك الحكم ممَّا يمكن الرُّجوع عنه كالوصايا، أو لا يمكن كالإقرار.
- ويتفرَّع على ذلك مسائل:
-
منها: لو قال: هذه الدَّار لزيد، ولي منها هذا البيت؛ قُبِلَ، ولم يدخل البيت في الإقرار، صرَّح به الأصحاب.
-
ويجيء على اختيار ابن عقيل في مسألة (كان له عليَّ وقضيته) أنَّه لا يقبل منه في القضاء: ألَّا يقبل ههنا إفراد البيت؛ لأنَّ مأخذه: أنَّ المعطوف بالواو جملة مستقلَّة غير مرتبطة بما قبلها؛ فهي دعوى مستقلَّة؛ كما قالوا في قوله: (أنت طالق وعليك ألف) : إنَّها تطلق بغير
ج ٢ ص ٤١٤عوض، بخلاف الاستثناء والصِّفات؛ فإنَّها مع ما قبلها شيء واحد.
-
والصَّحيح الأوَّل، وأنَّ المعطوف بالواو مع المعطوف عليه في حكم الجملة الواحدة، وهو المنصوص عن أحمد.
-
وأمَّا: أنت طالق وعليك ألف؛ ففيها روايتان.
-
ومأخذ الوقوع بغير عوض غير ما ذكروه (١) .
-
ومنها: لو وصَّى لزيد بشيء، وللمساكين بشيء، وهو مسكين؛ فإنَّه لا يستحقُّ مع المساكين من نصيبهم شيئاً، نصَّ عليه أحمد في رواية ابن هانئ (٢) وعليِّ بن سعيد.
-
ونقل القاضي فيما قرأته بخطِّه: الاتِّفاق على أنَّ زيداً لا يستحقُّ من وصيَّة المساكين في مثل (٣) هذه الصُّورة؛ وإن كان مسكيناً.
-
مع أنَّ ابن عقيل في «فنونه» حكى عنه أنَّه خرَّج وجهاً آخر
ج ٢ ص ٤١٥بمشاركتهم إذا كان مسكيناً (١) .
-
ومنها: لو وصَّى لزيد بخاتم، وبفصِّه لآخر، أو وصَّى لرجل بعبد، وبمنافعه لآخر، أو لأحدهما بالدَّار، ولآخر بسكناها، ونحو ذلك، بلفظ لا يقتضي انفراد كلِّ واحد بما وُصِّي له به صريحاً؛ فقال أبو بكر في «الشَّافي» : لكلِّ واحد منهما ما وُصِّي له به لا يشاركه الآخر فيه.
-
وحمله الشَّيخ مجد الدِّين على أنَّه كان في كلام واحد متَّصل، وأخذه من مسألة الإقرار السَّابقة.
-
والمنصوص عن أحمد ههنا التَّوقُّف، قال مهنَّى: سألت أبا عبد الله عن رجل أوصى بعبد لرجل، ثمَّ أوصى به لآخر؛ قال: هذه مشكلة، فقلت له: فإنَّ ناساً يقولون: يكون العبد بينهم نصفين، قال: لا.
فقلت له: فإنَّه أوصى بدار لرجل وأوصى بغلَّتها لآخر، فقال: هذه مثل تلك.
فقلت لأبي عبد الله: فإنَّه (٢) أوصى بخاتمه لرجل وأوصى بالفصِّ لآخر، فقال: وهذه أيضاً مثل تلك، ولم يخبرني فيهم بشيء.
-
فتوقَّف في المسألة، وأنكر قول من قال بالاشتراك في العبد إذا
ج ٢ ص ٤١٦أُوصِيَ به لاثنين (١) ، وجعل حكم الوصيَّة بالدَّار وغلَّتها، والخاتم وفصِّه؛ حُكْمَ الوصيَّة بعبد لاثنين؛ فدلَّ على أنَّه لا اشتراك في الفصِّ والغلَّة.
-
وظاهر كلامه: أنَّه (٢) يكون للموصى له به بخصوصه، لكن هذا قد يكون مأخذه أنَّ الوصيَّة الثَّانية رجوع عن الأولى، كما أشعر به كلامه في العبد (٣) .
-
والمشهور في المذهب: أنَّ الوصيَّة بعين مرَّةً لرجل، ومرَّةً لغيره؛ لا يكون رجوعاً، بل يشتركان فيها، كما نصَّ عليه أحمد في الوصيَّة بالأجزاء المنسوبة؛ كالثُّلث (٤) ونحوه (٥) .
-
ومنها: لو وصَّى بثلثه لرجل، ووصَّى لآخر بمقدَّر منه، فقال (٦)
- ج ٢ ص ٤١٧
أحمد في رواية الحسن بن ثواب في رجل قال: ثلثي هذا لفلان، ويعطى فلان منه مائة درهم في كلِّ شهر إلى أن يموت؛ قال: هو للآخر منهما، قيل (١) : كيف؟ قال: لأنَّ الوصيَّة رجعت إلى الَّذي قال: ويعطى هذا منه كلَّ شهر، وإذا مات هذا وفضل شيء؛ يردُّ إلى صاحب الثُّلث (٢) .
-
ظاهر هذه الرِّواية يدلُّ على تقديم الوصيَّة بالمقدَّر على الوصيَّة بالجزء المنسوب؛ لأنَّهما كالخاصَّة والعامَّة.
-
وكتب القاضي بخطِّه على حاشية «الجامع» للخلَّال: ظاهر كلام أحمد أنَّ الوصيَّة الثَّانية تقتضي الرُّجوع عن الأولى؛ لأنَّ الثَّانية تستغرق جميع المال؛ إذ العمر ليس له حدٌّ معروف، قال: وقد قيل: لا يكون رجوعاً، ويقسم الثُّلث على أربعة: للموصى له بالثُّلث سهم، وثلاثة للآخر، كما لو وصَّى لرجل بماله ولآخر بثلثه، انتهى.
-
وكِلَا الوجهين المذكورين فيهما ضعف؛ لأنَّ أحمد (٣) ردَّ الفاضل عن النَّفقة إلى الأوَّل، وهذا يبطل أنَّه رجوع، ولأنَّ الوصيَّة للثَّاني إنَّما هي من الثُّلث؛ فكيف تكون وصيَّة بالمال كلِّه؟! فيتعيَّن حملها على ما قدَّمناه أوَّلاً (٤) .
- ج ٢ ص ٤١٨
فأمَّا المسألة الَّتي ذكرها الخرقيُّ في كتابه، وهي: إذا أوصى لرجل بعينٍ (١) من ماله؛ كعبد، ولآخر بجزء مشاع منه؛ كالثُّلث، وأنَّ الوصيَّتين تزدحمان في المعيَّن مع الإجازة، كما لو وصَّى به لاثنين، وتبعه على ذلك ابن حامد، والقاضي، والأصحاب؛ فهذا قد (٢) يحمل على ما إذا كانت الوصِيَّتان في وقتين مختلفين، ولا إشكال على هذا (٣) .
-
وإن حُمل على إطلاقه - وهو الَّذي اقتضاه كلام الأكثرين-؛ فهو وجه آخر، ونصوص أحمد وأصوله تخالفه؛ كنصِّه في رواية مهنَّى في الوصيَّة بالعبد لاثنين (٤) ، ونصِّه على أنَّ من أوصى لزيد بشيء، ولجيرانه
ج ٢ ص ٤١٩بشيء، وزيد من جيرانه؛ أنَّه لا يستحقُّ من الوصيَّة للجيران شيئاً.
-
وقد ذكر ابن حامد أنَّ الأصحاب استشكلوا مسألة الخرقيِّ، وأنكروها عليه، ونسبوه إلى التَّفرُّد بها.
-
القسم الثَّاني: أن يكون الخاصُّ والعامُّ في كلامين منفردين؛ فههنا حالتان:
إحداهما: أن يكون المتكلِّم بهما لا يمكنه الرُّجوع عن كلامه، ولا يقبل منه؛ كالأقارير، والشَّهادات، والعقود؛ فيقع التَّعارض في الشَّهادات، ولا يكون الإقرار الثَّاني ولا العقد الثَّاني رجوعاً عن الأوَّل.
-
هكذا ذكره غير واحد من المتأخِّرين، مع أنَّ كلام أحمد وأبي بكر عبد العزيز في أنَّ الخاصَّ لا يدخل في العامِّ ليس فيه تفصيل بين الكلام الواحد وغيره.
-
فقد يقال: إنَّ الخاصَّ لا يدخل في العامِّ مطلقاً، ويكون تخصيصه بالذِّكر قرينة مُخرِجة له من العموم، ما لم يعارض ذلك قرينةٌ تقتضي دخوله فيه.
- ج ٢ ص ٤٢٠
وعلى تقدير دخوله فيه بقرينة أو مطلقاً، فإذا تعارضت دلالة العامِّ ودلالة الخاصِّ في شيء واحد؛ فهل ترجَّح دلالة الخاصِّ، أم يتساويان؟
-
ذكر ابن عقيل في «الواضح» : أنَّهما يتساويان (١) .
-
وذكر أبو الخطَّاب في «التَّمهيد» : أنَّه يقدَّم دلالة الخاصِّ.
-
وهذا هو الَّذي ذكره القاضي، وابن عقيل أيضاً، والأصحاب كلُّهم في مسألة تخصيص القرآن بخبر الواحد، وفي مسألة تقديم الخاصِّ على العامِّ عند التَّعارض وإن عُلم تقدُّم الخاصِّ، حتَّى قال أبو الخطَّاب وغيره: لا يجوز أن يَنسَخ العامُّ الخاصَّ؛ لأنَّه ليس بمساوٍ له.
-
والحالة الثَّانية: أن يكون الرُّجوع ممكناً، كالوصيَّة، وعزل الإمام لمن يمكنه عزله وولايته؛ فهذا يشبه تعارض العامِّ والخاصِّ في كلام الشَّارع في الأحكام، وفي ذلك ثلاث روايات:
أشهرها: تقديم الخاصِّ مطلقاً، وتخصيص العموم به، سواء جهل التَّاريخ أو علم.
-
والثَّانية: إن جهل التَّاريخ؛ فكذلك، وإلَّا قدِّم المتأخِّر منهما.
- ج ٢ ص ٤٢١
والثَّالثة: إن علم التَّاريخ؛ عمل بالمتأخِّر، وإن جهل تعارضا.
- ويتَّصل بهذه القاعدة قاعدتان:
-
إحداهما: إذا اجتمع في شخص استحقاق بجهة خاصَّة؛ كوصيَّة معينة وميراث، واستحقاق بجهة عامَّة؛ كالفقر والمسكنة؛ فإنه لا يأخذ إلَّا بالجهة الخاصَّة، نصَّ عليه (١) .
- ويتفرَّع على ذلك مسائل:
-
منها: إذا أوصى (٢) لزيد بشيء، ووصَّى لجيرانه بشيء، وهو من الجيران؛ فإنَّه لا يعطى من نصيب الجيران.
-
ومنها: إذا وصَّى لزيد بشيء، وللفقراء بشيء، وزيد فقير؛ فإنَّه لا يعطى من نصيب الفقراء شيئاً، نصَّ أحمد على الصُّورتين.