قاعدة [١٢١] في تخصيص العموم بالعرف، ولها صورتان
٣٩ فقرة، ج ٢ ص ٤٢٦
- ج ٢ ص ٤٢٦
إحداهما: أن يكون قد غلب استعمال الاسم العامِّ في بعض أفراده حتَّى صار حقيقة عرفيَّة؛ فهذا يخصُّ به العموم بغير خلاف.
-
فلو حلف لا يأكل شواء؛ اختصَّت يمينه باللَّحم المشويِّ دون البيض وغيره ممَّا يُشوى.
-
وكذلك لو حلف على لفظ الدَّابَّة، والسَّقف، والسِّراج، والوتد؛ لا يتناول إلَّا ما يُسمَّى في العرف كذلك، دون الآدميِّ، والسَّماء، والشَّمس، والجبل؛ فإنَّ هذه التَّسمية فيها هُجرت حتَّى عادت مجازاً.
- الصُّورة الثَّانية: ألَّا يكون كذلك، وهو نوعان:
-
أحدهما: ما لا يطلق عليه الاسم العامُّ إلَّا مقيَّداً به، ولا يفرد بحال؛ فهذا لا يدخل في العموم بغير خلاف نعلمه، كخيار شنبر (١) ، وتمر هندي؛ لا يدخلان في مطلق التَّمر والخيار، ذكره القاضي في «خلافه» .
-
ونظيره ماء الورد، لا يدخل في مسمَّى الماء المطلق.
- ج ٢ ص ٤٢٧
والنَّوع الثَّاني: ما يطلق عليه الاسم العامُّ، لكنَّ الأكثر ألَّا يذكر معه إلَّا بقيد أو قرينة، ولا يكاد يفهم عند الإطلاق دخوله فيه؛ ففيه وجهان.
- ويتفرَّع عليهما مسائل:
-
منها: لو حلف لا يأكل الرُّؤوس؛ فقال القاضي: يحنث بأكل كلِّ ما يسمَّى رأساً؛ من رؤوس الطَّير والسَّمك، ونقله في موضع عن أحمد، وقال في موضع: العرف يعتبر في تعميم الخاصِّ لا في تخصيص العامِّ (١) .
وقال أبو الخطَّاب: لا يحنث إلَّا برأس يؤكل في العادة مفرداً، وكذلك ذكر القاضي في موضع من «خلافه» : أنَّ يمينه تختصُّ بما يسمَّى رأساً عرفاً (٢) .
-
وحكى ابن الزَّاغونيِّ في «الإقناع» روايتين:
إحداهما: يحنث بأكل كلِّ رأس.
-
والثَّانية: لا يحنث إلَّا بأكل رؤوس بهيمة الأنعام خاصَّة.
-
وعزا الأوَّل إلى الخرقيِّ.
-
وفي «التَّرغيب» ذكر الوجه الثَّاني: أنَّه لا يحنث إلَّا بأكل رأس يباع
ج ٢ ص ٤٢٨مفرداً للأكل عادة، قال: فإن جرت عادة قوم بإفراد رؤوس الظِّباء؛ حنث به في ذلك المكان.
-
وفي غيره وجهان، مأخذهما: هل الاعتبار بأصل العادة أو عادة الحالف؟ انتهى (١) .
-
ومنها: لو حلف لا يأكل البيض؛ فهو على الوجهين (٢) أيضاً:
فيحنث عند القاضي بأكل بيض السَّمك وغيره.
-
ولا يحنث عند أبي الخطَّاب إلَّا بأكل بيض يزايل (٣) بائضه في حياته.
-
وزعم صاحب «الكافي» أنَّ التَّخصيص هنا إنَّما جاء من إضافة الأكل إلى الرُّؤوس والبيض، حيث كانت العادة تخصُّ بعض أنواعهما.
-
وظاهر كلامه: أنَّه لو علَّق حكماً سوى الأكل؛ لعمَّ بغير خلاف، وفيه نظر.
-
ومنها (٤) : لو حلف لا يأكل اللَّحم، فأكل لحم السَّمك؛ ففيه وجهان أيضاً.
ج ٢ ص ٤٢٩وقال أحمد في رواية صالح: هو على نيَّته (١) .
قال القاضي: معناه إن نوى لحماً بعينه؛ لم يحنث بأكل غيره مع الإطلاق (٢) ، وهو قول الخرقيِّ.
وقال ابن أبي موسى: لا يحنث مع الإطلاق، وإنَّما يحنث بإدخاله بالنِّيَّة، ولعلَّه ظاهر كلام أحمد.
-
ومنها: لو حلف لا يدخل بيتاً، فدخل مسجداً أو حمَّاماً؛ فالمنصوص في رواية مهنَّى: أنَّه يحنث، وأنَّه لا يُرجع في ذلك إلى نيَّته، واستدلَّ بأنَّ المسجد والحمَّام يُسمَّى بيتاً في الكتاب والسُّنَّة (٣) .
-
وهذا يخالف نصَّه في رواية صالح في لحم السَّمك؛ فخُرِّج له في المسألتين روايتان.
-
وخرَّج الأصحاب في هذا وجهاً بعدم الحنث، وخرَّجه صاحب
ج ٢ ص ٤٣٠«المحرَّر» من نصِّه الآتي فيمن حلف بصدقة ماله؛ أنَّه يختصُّ بما يسمَّى عنده مالاً.
-
وكذا الخلاف لو حلف لا يركب فركب سفينة.
-
ومنها: لو حلف لا يشمُّ الرَّيحان، فقال القاضي: تختصُّ يمينه بالفارسيِّ؛ لأنَّه المسمَّى بالرَّيحان عرفاً.
وقال أبو الخطَّاب وغيره: يحنث بكلِّ نبتٍ له رائحة طيبة؛ لأنَّه ريحان حقيقة.
-
وهذا يعاكس قولهما في مسألة الرُّؤوس والبيض (١) .
-
ومنها: لو حلف لا يأكل لحم بقر؛ فهل يحنث بأكل لحم بقر الوحش؟ على وجهين ذكرهما في «التَّرغيب» ، وخرَّجهما من وجهين حكاهما فيما إذا حلف لا يركب حماراً، فركب حماراً وحشيًّا؛ هل يحنث أم لا؟
-
والخلاف ههنا يقرب أخذه من مسألة وجوب الزَّكاة في بقر الوحش، والحنث في مسألة الرُّكوب أضعف؛ لأنَّ الرُّكوب إنَّما يراد به
ج ٢ ص ٤٣١الحمار الأهليُّ.
-
وشبيهٌ بهذا الخلاف لأصحابنا في مرور الحمار الوحشيِّ بين يدي المصلِّي؛ هل يقطع صلاته أم لا (١) ؟ وقد حكاه أبو البقاء في «شرح الهداية» .
-
ومنها: لو حلف لا يتكلَّم، فقرأ، أو سبَّح؛ هل يحنث أو لا؟
-
المشهور: أنَّه لا يحنث.
-
وتوقَّف أحمد فيه في رواية.
-
ومنها: لو حلف بعتق عبيده، أو أعتقهم منجزاً؛ فقال الخرقيُّ وأبو بكر: يتناول القنَّ، والمدبَّر، والمكاتب، وأمَّ الولد، وأشقاصه، وزاد القاضي: عبيد عبده التَّاجر، ونصَّ عليه أحمد في المكاتب في رواية ابن منصور (٢) .
-
وخرَّج القاضي رواية بعدم دخول المكاتبين بدون نيَّة، من رواية مهنَّى في الأشقاص أنَّهم لا يدخلون في عتق المماليك، إلَّا أن ينويهم.
-
ومأخذه: أنَّهم خارجون من اسم الرَّقيق والمملوك عرفاً.
-
ولو قيل: إنَّ أمَّ الولد كذلك؛ لم يبعد.
-
ومنها: لو حلف بصدقة ماله، وأراد البرَّ، أو نذره نذر تبرُّر؛ فإنَّه يتصدَّق بثلث جميع أمواله عند الأصحاب.
-
ونقل الأثرم عن أحمد أنَّه سئل: هل الثُّلث من الصَّامت خاصَّة أو
ج ٢ ص ٤٣٢من جميع ما يملك؟ فقال: ذلك على قدر ما نوى، وعلى قدر مخرج يمينه، والأموال عند النَّاس تختلف (١) ، الأعراب يسمُّون الإبل والغنم الأموال، وغيرهم يسمِّي الصَّامت، وغيرهم الأرضين، فلو أنَّ أعرابيًّا قال: مالي صدقة، أليس كنَّا نأخذه بإبله أو نحو هذا؟ (٢)
قال القاضي في «خلافه» : فظاهر هذا أنَّه يرجع إلى نيته في ذلك، فإن أطلق؛ يرجع إلى عرف الإطلاق عند النَّاذر.
وقال أحمد أيضاً في رواية صالح: إذا قال: جاريتي حرَّة إن لم أصنع كذا وكذا؛ قال ابن عمر وابن عبَّاس: «تعتق» (٣) ، وإذا قال: مالي في المساكين؛ لم يدخل فيه جاريته. (٤)
قال القاضي: وظاهر هذا أنَّ الأمة لا تدخل في عموم المال، قال: والمذهب التَّعميم.
-
والعجب أنَّه (٥) لم يَحكِ بالتَّعميم عن أحمد نصًّا صريحاً ولا ظاهراً.
- ج ٢ ص ٤٣٣
ومنها: لو حلف لا مال له، وله مال غير زكويٍّ؛ فقال الأصحاب: يحنث، وأخذوه من المسألة الَّتي قبلها.
قال ابن الزاغونيِّ في «الإقناع» : وظاهر كلام أحمد أنَّه لا يحنث؛ لأنَّه قال في رواية الحربيِّ: نحن لا نعدُّ الدَّار، والثِّياب، والخادم؛ مالاً.