قاعدة [٢٢] العين المنغمرة في غيرها إذا لم يظهر أثرها؛ فهل هي كالمعدومة حكما أو لا؟
٤٣ فقرة، ج ١ ص ١٦٤
الصفحة ١ من ٢
- فيه خلاف، وينبني عليه مسائل:
-
منها: الماء الَّذي استهلكت فيه النَّجاسة، فإن كان كثيراً؛ سقط حكمها بغير خلاف.
-
وإن كان يسيراً؛ فروايتان.
-
ثمَّ من الأصحاب من يقول: إنَّما سقط حكمها، وإلَّا فهي موجودة.
-
ومنهم من يقول: بل الماء أحالها؛ لأنَّ له قوَّة الإحالة، فلم يبق لها وجود، بل الموجود غيرها وهو عين طاهرة، وهي طريقة أبي الخطَّاب (١) .
-
ومنها: اللَّبن المشوب بالماء المنغمر فيه؛ هل يثبت به (٢) تحريم الرَّضاع؟ فيه وجهان:
ج ١ ص ١٦٥أحدهما -وهو المحكي عن القاضي-: أنه يثبت (١) .
-
والثَّاني: لا، واختاره صاحب «المغني» .
-
وعلى الأوَّل؛ فإنما يحرم إذا شرب الماء كلَّه (٢) ؛ ولو في دفعات، ويكون رضعة واحدة، ذكره القاضي في «خلافه» (٣) .
-
ومنها: لو خَلط خمراً بماء، واستهلك فيه ثمَّ شربه؛ لم يحدَّ، هذا هو المشهور، وسواء قيل بنجاسة الماء أو لا.
-
وفي «التنبيه» لأبي بكر عبد العزيز: من لتَّ بالخمر سويقاً أو صبَّها في لبن أو ماء حار، ثمَّ شربها؛ فعليه الحدُّ، ولم يفرق بين أن يستهلك أو لا يستهلك (٤) .
-
ومنها: لو اختلط زيته بزيت غيره على وجه لا يتميَّز؛ فهل هو استهلاك بحيث يجب لصاحبه عوضه من أيِّ موضع كان، أو هو اشتراك؟ في المسألة روايتان:
ج ١ ص ١٦٦المنصوص في رواية عبد الله وأبي الحارث: أنَّه اشتراك (١) ، واختاره ابن حامد، والقاضي في «خلافه» .
-
واختار في «المجرَّد» : أنَّه استهلاك.
-
وأمَّا إن كان المختلط غصباً؛ فقال في رواية أبي طالب: هذا قد اختلط أوَّله وآخره، أعجب إليَّ أن يتنزَّه عنه كلِّه، يتصدَّق به، وأنكر قول من قال: يخرج منه قدر ما خالطه.
-
واختار ابن عقيل في «فنونه» : التَّحريم؛ لامتزاج الحلال بالحرام، واستحالة انفراد أحدهما عن الآخر.
-
وعلى هذا: فليس له إخراج قدر الحرام منه بدون إذن المغصوب منه؛ لأنَّها قسمة؛ فلا تجوز بدون رضا الشَّريكين.
-
لكن لأصحابنا وجه في المكيل والموزون المشترك: أنَّ لأحد الشَّريكين الانفراد بالقسمة دون الآخر، وهو اختيار أبي الخطَّاب، ونصَّ عليه أحمد في «الدَّراهم» .
-
ومنعه القاضي (٢) ، لكنَّه في «خلافه» قال: إن كان الحق في القدر
ج ١ ص ١٦٧المختلط لآدمي معيَّن؛ لم تجز القسمة بدون إذنه، وإن كان لغير معين كالَّذي انقطع خبر مالكه ووجب التَّصدُّق به؛ فللمالك الاستبداد بالقسمة؛ لأنَّ له ولاية التَّصرف فيه بالصَّدقة.
-
وهذا كلُّه بناءً على أنَّه اشتراك.
-
وعن أحمد رواية أخرى: أنَّه استهلاك (١) ، قال في رواية المروذيِّ: يخرج عنه (٢) العوض منه (٣) .
-
وهذا يحتمل: أنَّه أراد أن يخرج بدله عوضاً منه (٤) (٥) .
-
وكذا ساقه المروذيُّ في «كتاب الورع» له أنَّ أحمد قال: يعطي العوض، ولم يقل: منه (٦) .
-
وإن كان أراد أنَّه يُخرج العوض من نفس المختلط (٧) ؛ فهو بناءً على
ج ١ ص ١٦٨أنَّه شركة، وأنَّ له الاستبداد بقسمة ذلك.
-
ومنها: لو وُصِّيَ له برطل من زيت معيَّن، ثمَّ خلطه في زيت آخر:
فإن قلنا: هو اشتراك؛ لم تبطل الوصيَّة.
-
وإن قلنا: هو استهلاك؛ بطلت.
-
ومنها: لو حلف لا يأكل شيئاً، فاستهلك في غيره ثمَّ أكله (١) :
قال الأصحاب: لا يحنث (٢) ، ولم يخرِّجوا فيه خلافاً؛ لأنَّ مبنى الأيمان على العرف، ولم يقصد الامتناع من مثل ذلك (٣) .
-
وقد يخرج فيه وجه بالحنث، وقد أشار إليه أبو الخطَّاب كما سنذكره.
-
وهذا كلُّه في المائعات والأدقَّة ونحوها ممَّا يختلط بعض أجزائه ببعض.
-
فأمَّا الحبوب والدَّراهم ونحوها؛ فمن الأصحاب من قال: حكمها حكم المائعات فيما سبق، وفرَّعوا على ذلك مسائل:
منها: لو اشترى ثمرة، فلم يقبضها حتَّى اختلطت بغيرها، ولم
ج ١ ص ١٦٩تتميَّز (١) ؛ فهل ينفسخ البيع؟ على وجهين:
اختار القاضي في «خلافه» : الانفساخ.
-
وفي «المجرد» : عدمه (٢) .
-
ومنها: لو حلف لا يأكل حنطة، فأكل شعيراً فيه حبَّات حنطة؛ ففي حنثه وجهان، ذكرهما أبو الخطَّاب.
-
وغلَّطه صاحب «التَّرغيب» ، وقال: يحنث بلا خلاف؛ لأنَّ الحبَّ متميِّز لم يستهلك، بخلاف ما لو طحنت الحنطة بما فيها فاستهلكت؛ فإنَّه لا يحنث.
-
ومنها: لو اختلطت دراهمه (٣) بدراهم مغصوبة؛ فالمنصوص عن أحمد في رواية المروذيِّ: إن كانت الدَّراهم قليلة؛ كثلاثة فيها درهم حرام؛ وجب التَّوقُّف عنها حتَّى يعلم، وإن كانت كثيرة؛ كثلاثين فيها درهم حرام؛ فإنَّه يُخرج منها درهماً، ويتصرَّف في الباقي.
-
وله نصوص كثيرة في هذا المعنى (٤) ، وعلَّل بأنَّ الكثير يجحف بماله إخراجه، وأنكر على من قال: يخرج قدر الحرام من القليل كالثَّلاثة إنكاراً شديداً.
- ج ١ ص ١٧٠
وأمَّا القاضي؛ فتأوَّل كلامه على الاستحباب (١) ؛ لأنَّه كلَّما كثر الحلال؛ بَعُدَ تناول الحرام، وشقَّ التَّورُّع عن الجميع، بخلاف القليل، قال (٢) : فالواجب في الجميع إخراج قدر الحرام (٣) .
-
وكذلك ذكر ابن عقيل في «فصوله» .
-
وخالف في «الفنون» ، وقال: يحرم الجميع.
-
ومنها: لو خلط الوديعة - وهي دراهم - بماله، ولم تتميَّز؛ فالمشهور: الضَّمان؛ لعدوانه حيث فوَّت تخلصيها (٤) .
- ج ١ ص ١٧١
وعنه رواية أخرى: لا ضمان عليه؛ لأنَّ النُّقود لا يتعلَّق الغرض بأعيانها، بل بمقدارها، وربَّما كان خلطها مع ماله أحفظ لها.
-
وعلى هذه الرِّواية: فإذا تلف بعض المختلط بغير عدوان؛ جعل التَّالف كلَّه من ماله، وجعل الباقي من الوديعة، نصَّ عليه؛ لأنَّ هذه الأمانة الأصل بقاؤها ووجوب تسليمها، ولم يتيقَّن زوال ذلك، ولهذا قلنا: لو مات وعنده وديعة وجُهِل بقاؤها أنَّها تكون ديناً على التَّركة.
-
وتأوَّل القاضي وابن عقيل كلام أحمد رحمه الله في الضَّمان هنا: على أنَّ الخلط كان عدواناً، وهذا يدلُّ على أنَّه لا ضمان عندهما إلا مع التَّعدي.