قاعدة [١٢٦] الصور التي لا تقصد من العموم عادة؛ إما لندورها، أو لاختصاصها بمانع، لكن يشملها اللفظ مع اعتراف المتكلم بأنه لم يرد إدخالها فيه

٢٩ فقرة، ج ٢ ص ٤٥٦

  1. الصُّور الَّتي لا تُقصَد من العموم عادة؛ إمَّا لندورها، أو لاختصاصها بمانع، لكن يشملها اللَّفظ مع اعتراف المتكلِّم بأنَّه لم يُرد إدخالها فيه؛ هل يحكم بدخولها أم لا؟

    ج ٢ ص ٤٥٦
  2. في المسألة خلاف، ويترجَّح في بعض المواضع الدُّخول وفي بعضها عدمه؛ بحسب قوَّة القرائن وضعفها.

  3. ويتخرَّج على هذه القاعدة مسائل كثيرة:
  4. منها: إذا قيل له: تزوَّجت على امرأتك؟ فقال: كلُّ امرأة لي طالق؛ هل تطلق المرأة المخاطبة أم لا، إذا قال: لم أردها؟

  5. وقد سبق (١) أنَّ أحمد نصَّ تارة على أنَّها تطلق، وتوقَّف فيها (٢) أخرى، وخرَّجها ابن عقيل على روايتين.

  6. ومنها: لو قذف آباءه إلى آدم وحوَّاء؛ فنصَّ أحمد في رواية حرب: على أنَّ عليه حدًّا واحداً (٣) ، ولم يجعله ردَّة عن الإسلام؛ لأنَّه لم يقصد دخول الأنبياء في ذلك، ولا يقصد ذلك مسلم.

  7. وخرَّج الشَّيخ تقيُّ الدِّين فيه وجهاً آخر: أنَّه ردَّة من المسألة الآتية (١) .

    ج ٢ ص ٤٥٧
  8. ومنها: لو قال: عصيت الله فيما أمرني به؛ هل تكون يميناً؟

    قال القاضي: ليس بيمين؛ لأنَّ المشهور تخصيص المعاصي بالذُّنوب دون الكفر.

    وقال صاحب «المحَّرر» : عندي أنَّه يمين لدخول التَّوحيد فيه.

  9. ومنها: لو قال لعبيده وهم عنده: أنتم أحرار، وكان فيهم أمُّ ولده وهو لا يعلم بها، ولم يُرِد عِتقَها؛ هل تعتق أم لا؟ على روايتين، حكاهما أبو بكر وابن أبي موسى، ونصَّ أحمد على عتقها في رواية ابن هانئ وغيره (٢) .

  10. وشبَّهها في رواية أحمد بن الحسين بن حسَّان بمن نادى امرأة له، فأجابته أخرى، فطلَّقها يظنُّها المناداة، وقال: تطلق هذه بالإجابة، وتلك بالتَّسمية (٣) .

  11. وهذه المسألة- أعني: مسألة المناداة - فيها روايتان:

    إحداهما: تطلق المناداة وحدها، نقلها مهنَّى (٤) ، وهي اختيار الأكثرين؛ كأبي بكر وابن حامد والقاضي؛ فيتعيَّن تخريج رواية في أمِّ

    ج ٢ ص ٤٥٨الولد: أنَّها لا تعتق منها (١) .

  12. وعلى الرِّواية الثَّانية: تعتق المناداة والمجيبة.

  13. وظاهر كلام أحمد في رواية أحمد بن الحسين بن حسَّان: أنَّهما تطلقان جميعاً في الباطن والظَّاهر، كما تقول في إحدى الرِّوايتين: إذا لقي امرأة يظنُّها أجنبيَّة، فطلَّقها، فإذا هي زوجته؛ أنَّ زوجته تطلق ظاهراً وباطناً.

  14. وزعم صاحب «المحرَّر» أنَّ المجيبة إنَّما تطلق ظاهراً.

  15. والفرق بينها وبين المطلَّقة الَّتي يعتقدها أجنبيَّة: أنَّ الطَّلاق ههنا صادف محلًّا ينفذ فيه، وهو المناداة؛ فلا تحتاج إلى محلٍّ آخر، بخلاف طلاق من يعتقدها أجنبيَّة؛ فإنَّه لو لم يقع بها؛ لَلَغِيَ الطَّلاق الصَّادر من أهله في محلِّه، ولا سبيل إليه، وقد أشار أحمد إلى معنى هذا الفرق، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله (٢) .

  16. ومنها: لو حلف لا يسلِّم على فلان، فسلَّم على جماعة هو فيهم، وهو لا يعلم بمكانه، ولم يرده بالسَّلام؛ فحكى الأصحاب في حنثه الرِّوايتين.

  17. ويشبه تخريجهما على مسألة من حلف لا يفعل شيئاً ففعله جاهلاً بأنَّه المحلوف عليه.

  18. والمنصوص عن أحمد ههنا الحنث في رواية مهنَّى (١) ؛ حتَّى فيما إذا كان المحلوف عليه مستتراً بين القوم ببارية في المسجد وهو لا يراه.

    ج ٢ ص ٤٥٩
  19. ونقل عنه أبو طالب: إن كان وحده فسلَّم عليه وهو لا يعرفه؛ حنث، وإن كان بين جماعة ولم يعلم به؛ لم يحنث؛ لأنَّه أراد الجماعة.

  20. وهذا يشبه ما تقدَّم في الفرق بين المناداة إذا أجابت غيرها، وبين من يطلِّقها يعتقدها أجنبيَّة، فإنَّ المحلوف عليه لم يقصد السَّلام عليه بالكليَّة، وهناك من يصحُّ قصده غيره، فانصرف السَّلام إليه دونه، بخلاف ما إذا كان وحده؛ فإنَّ المحلوف عليه وجد، ولكن مع الجهل به.

  21. وقد تأوَّل القاضي رواية أبي طالب هذه على أنَّه أخرجه بالنِّيَّة من السَّلام، ولا يصحُّ؛ لأنَّه لم يكن عالماً بحضوره بينهم؛ فكيف يستثنيه بالنِّيَّة؟!

  22. ومنها: لو وقف المسلم على قرابته، أو أهل قريته، أو وصَّى لهم وفيهم مسلمون وكفَّار؛ لم يتناول الكفَّار حتَّى يصرِّح بدخولهم، نصَّ عليه في رواية حرب وأبي طالب (٢) .

  23. ولو كان فيهم مسلم واحد والباقي كفَّار؛ ففي الاقتصار عليه وجهان؛ لأنَّ حمل اللَّفظ العامِّ على واحد بعيد جدًّا (٣) .

  24. ومنها: لو تهايأ المعتَق بعضه وسيِّده على منافعه وأكسابه؛ فهل يدخل فيها الأكساب النَّادرة؛ كالرِّكاز والهديَّة واللُّقطة، أم لا؟ على وجهين.

    ج ٢ ص ٤٦٠
  25. ومنها: لو قال: ما أحلَّ الله عليَّ حرام، وله زوجة ومال، وقال: لم أرد زوجتي؛ فهو مظاهر، عليه كفَّارة الظِّهار، نصَّ عليه في رواية ابن منصور (١) ؛ لأنَّ الزَّوجة أشهر أفراد الحلال الَّذي يقصد تحريمه، ولا ينصرف الذِّهن ابتداء إلى غيره؛ فلا يصحُّ إخراجه من العموم بعدم إرادة دخوله، وإنَّما يصحُّ إخراجه بإرادة عدم دخوله.

  26. فأمَّا إن لم يكن له زوجة وله مال؛ فهو يمين كسائر تحريم المباحات.

  27. وإذا كان له زوجة ومال؛ فعليه كفَّارة ظهار لا غير، نصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور (٢) وأبي طالب (٣) في صورة: كلُّ ما أحلَّ الله عليَّ حرام.

    وقال ابن عقيل: تجب مع كفَّارة الظِّهار كفَّارة يمين؛ لدخول المال في العموم.

  28. ووجَّه القاضي نصَّ أحمد بتوجيهات مستبعدة، وعندي في تخريجه وجهان:

    ج ٢ ص ٤٦١أحدهما: أنَّ المتبادر إلى الأفهام من تحريم الحلال؛ تحريم الزَّوجة دون الأموال؛ فإنَّها لا تُقصد بالتَّحريم، فلا تدخل في العموم؛ لكونها لا تُقصد عادة، فتكون المسألة حينئذ من صور القاعدة.

  29. والثَّاني: أن تكون مخرَّجة على قوله بتداخل الأيمان، وأنَّ موجَبها واحد؛ فإنَّ الجنس ههنا واحد، وهو تحريم الحلال؛ فصار موجبه كفَّارة واحدة، ثمَّ تعيَّنت بكفَّارة الظِّهار؛ لدخول كفَّارة اليمين فيها، من غير عكس.