قاعدة [١٢٥] النية تعمم الخاص، وتخصص العام بغير خلاف فيهما.
٤٧ فقرة، ج ٢ ص ٤٤٥
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ٤٤٥
وهل تقيِّد المطلق، أو تكون استثناءً من النصَّ؟ (١) على وجهين فيهما.
-
فهذه أربعة أقسام:
أمَّا القسم الأوَّل؛ فله صور كثيرة:
منها: لو حلف على زوجته: لا تركت هذا الصَّبيَّ يخرج، فخرج بغير اختيارها عليه؛ فنصَّ أحمد في رواية مهنَّى: أنَّه إن نوى ألَّا يخرج من الباب فخرج؛ فقد حنث، وإن كان نوى ألَّا تدعه؛ لم يحنث (٢) ؛ لأنَّها لم تدعه.
-
ومنها: لو قال: إن رأيتك تدخلين هذه الدَّار فأنت طالق؛ فنصَّ أحمد في رواية مهنَّى: أنَّه إن أراد ألَّا تدخلها بالكليَّة، فدخلت ولم يرها؛ حنث، وإن كان نوى إذا رآها؛ فلا يحنث حتَّى يراها تدخلها (٣) .
- ج ٢ ص ٤٤٦
ومنها: لو حلف لا يدخل هذا البيت، يريد هجران قوم، فدخل عليهم بيتاً آخر (١) ؛ حنث، نصَّ عليه في رواية محمَّد بن يحيى الكحَّال.
-
ومنها: لو حلف لا يشرب له الماء، ونوى الامتناع من جميع ماله؛ حنث بتناول كلِّ ما يملكه.
-
وقرَّر القاضي في موضع: أنَّ هذا اللَّفظ ونحوه موضوع في العرف لعموم الامتناع، وكذلك ابن عقيل، فعلى هذا لا يحتاج إلى نيَّة العموم، بل إذا أطلق اقتضى الامتناع من شرب الماء فما فوقه خاصة، وصرَّح به ابن عقيل (٢) .
-
ومنها: لو حلف لا يضربه، ونوى ألَّا يؤلمه؛ حنث بكلِّ ما يؤلمه من خنق، وعضٍّ، وغيرهما، نصَّ عليه (٣) .
-
ومنها: لو حلف لا يكلِّم امرأته، يقصد هجرانها بذلك؛ حنث بوطئها، أومأ إليه أحمد. (٤)
-
ومنها: لو طلَّق امرأته طلقةً رجعيَّةً، وحلف لا راجعتها، وأراد
ج ٢ ص ٤٤٧الامتناع من عودها إليه مطلقاً؛ حنث بتزوُّجها (١) بنكاح جديد بعد البينونة، نصَّ عليه في رواية ابن منصور (٢) .
-
ومنها: لو حلف على زوجته لا تخرج من بيته لتهنئة ولا تعزية، ونوى ألَّا تخرج أصلاً؛ هل يحنث بخروجها لغير تهنئة أو تعزية؟
-
فذكر القاضي في بعض تعاليقه: أنَّه توقَّف فيها، وأنَّ القاضي أبا الطيِّب الطَّبريَّ من الشَّافعيَّة (٣) قال له: مقتضى مذهبكم أنَّه لا يحنث؛ لأنَّ الغرض يختلف في الخروج، ولا يوجد المقصود في كلِّ خروج، بخلاف ما إذا قصد قطع المنَّة، فإنَّ المنَّة توجد في غير المحلوف عليه.
قلت: والصَّواب الجزم بالحنث ههنا مطلقاً، وعليه يدلُّ نصُّ أحمد في المسألتين الأوليَيْن المذكورتين ههنا.
-
ولا يشبه هذا ما لو حلف لا يلبس من غزلها، يقصد قطع المنَّة؛ فإنَّه لا يحنث بالانتفاع بغير الغزل، وثمنه من أموالها (٤) ؛ لأنَّ العموم هناك يستفاد من السَّبب، وهنا يستفاد من النِّيَّة؛ فهو أبلغ.
-
وأمَّا القسم الثَّاني؛ فصوره كثيرة جدًّا:
ج ٢ ص ٤٤٨فمنها: أن يقول: نسائي طوالق، ويستثني بقلبه واحدة، أو يحلف لا يسلِّم على زيد؛ فسلَّم على جماعة هو فيهم، ويستثنيه بقلبه، ووقع في كلام القاضي وابن عقيل في هذه المسألة ما يقتضي حكاية روايتين في حنثه في مسألة السَّلام.
-
وتأوَّله صاحب «المحرَّر» في تعليقه على «الهداية» على أنَّ المراد: هل تقبل منه دعوى إرادة ذلك أم لا؟ قال: وقد صرَّحا بذلك في موضع آخر من كتابيهما.
-
ولو حلف لا يدخل على فلان بيتاً، فدخل بيتاً هو فيه مع جماعة، ونوى بدخوله غيره (١) ؛ هل يحنث؟
-
خرَّجه القاضي، وابن عقيل، وأبو الخطَّاب على وجهين من (٢) مسألة السَّلام.
قال صاحب «المحرَّر» : وفيه عندي نظر؛ لأنَّ الدُّخول فعل حسيٌّ لا يتميَّز، بخلاف السَّلام.
-
ومنها: لو قال لزوجته: إن لبست ثوباً فأنت طالق، وقال: أردت أحمر، أو قال: إن لبست فأنت طالق، ثمَّ قال: أردت ثوباً أحمر، أو قال: إن دخلت الدَّار فأنت طالق، ثمَّ قال: أردت في هذه السَّنة؛ فالجمهور من الأصحاب على أنَّه يُدَيَّن في ذلك، وفي قبوله في الحكم روايتان.
- ج ٢ ص ٤٤٩
وشذَّ طائفة؛ فحكوا الخلاف في تَدْيِينه في الباطن، منهم الحلوانيُّ وابنه، وكذلك وقع في موضع من «مفردات ابن عقيل» في الأيمان، وكذلك وقع للقاضي في «المجرَّد» ، وقال (١) صاحب «المحرَّر» : وهو سهو.
-
وعن القاضي في «كتاب الحيل» : أنَّه إن كان المخصَّص بالنِّيَّة ملفوظاً به؛ صحَّ تخصيصه، وإلَّا فلا، فلو حلف لا يأكل شيئاً أبداً، ونوى به اللَّحم؛ قُبِل، وإن حلف لا يأكل، ونوى اللَّحم لم تنفعه نيَّته؛ لأنَّه خصص ما ليس في لفظه.
-
وحُمِلَ اختلاف كلام أحمد في قبول دعوى خلاف الظَّاهر في اليمين على اختلاف حالين (٢) ، لا على اختلاف قولين، ذكره (٣) السَّامريُّ في «فروقه» (٤) : أنَّ المنويَّ إن كان يرفع مقتضى الحكم بالكليَّة، كالاستثناء بالمشيئة في اليمين بالله، أو حيث تنفع؛ لم تصحَّ بالنِّيَّة إلَّا مع الظُّلم.
-
وقد نصَّ أحمد في رواية حرب على صحِّة استثناء المظلوم في نفسه بالمشيئة؛ لأنَّها ترفع الحكم بالكليَّة، فهي كالنَّسخ؛ فلا تصحُّ بالنِّيَّة إلَّا مع العذر، بخلاف شروط الطَّلاق ونحوها، فإنَّها تصحُّ بالنِّيَّة مطلقاً؛ لأنَّها مخصِّصة لا رافعة.
- ج ٢ ص ٤٥٠
وأمَّا القسم الثَّالث؛ فله صور:
منها: إذا نذر الصَّدقة بمال، ونوى في نفسه قدراً معيَّناً؛ فنصَّ أحمد في رواية أبي داود: أنَّه لا يلزمه ما نواه (١) .
-
وخرَّج صاحب «المحرَّر» في تعليقه على «الهداية» : اللُّزوم، قال: وقد نصَّ أحمد على أنَّ من (٢) نذر صوماً أو صلاة، ونوى في نفسه أكثر ممَّا يتناوله اللَّفظ؛ أنَّه يلزمه ما نواه (٣) ، وهذا مثله، ولذلك رجَّح ابن عقيل اللُّزوم فيما نواه في الجميع.
-
وكذلك ذكر صاحب «الكافي» : أنَّه لو حلف ليأكلنَّ لحماً أو فاكهة، أو ليشربنَّ ماء، أو ليكلِّمنَّ رجلاً، أو ليدخلنَّ داراً، وأراد بيمينه معيَّناً؛ تعلَّقت يمينه به دون غيره، وإن نوى الفعل في وقت بعينه؛ اختصَّ به، ولم يذكر فيه خلافاً.
-
ومنها: لو قال: أنت طالق، ونوى ثلاثاً؛ فهل يلزمه الثَّلاث، أم لا يقع به أكثر من واحدة؟ على روايتين.
-
وجه القول بلزوم الثَّلاث: أنَّ (طالقاً) اسم فاعل، وهو صادق على من قام به الفعل مرَّة وأكثر، فيكون محتملاً للكثرة، فينصرف إليها بالنِّيَّة.
- ج ٢ ص ٤٥١
ورأيت في كتاب «شرح القوافي» لابن جنِّي (١) : أنَّ الأفعال كلَّها للعموم، وحكاه عن أبي عليٍّ (٢) ، وهو غريب.
-
وأمَّا إذا قال: ثلاثاً؛ فتطلق ثلاثاً، لكن لنا فيه طريقان:
أحدهما: أنَّ ثلاثاً صفة لمصدر محذوف، تقديره: طلاقاً ثلاثاً، والمصدر يتضمَّن العدد.
-
والثَّاني: أنَّ ثلاثاً صالح لإيقاع الثَّلاث من طريق الكناية، وذِكر الطَّلاق يقرِّر الإيقاع بها كنيَّة الطَّلاق.
-
ويتفرَّع على المأخذين: هل وقع الثَّلاث بقوله: أنت طالق، أم بقوله: ثلاثاً؟ فلو ماتت مثلاً في حال قوله: ثلاثاً؛ هل تقع (٣) الثَّلاث أو واحدة؟ على وجهين، ذكرهما في «التَّرغيب» .
-
وهذا إنَّما يتوجَّه على قولنا: إنَّه إذا قال: أنت طالق، ونوى ثلاثاً؛ أنَّه يقع به الثَّلاث، أمَّا إن قلنا: لا يقع الثَّلاث بالنِّيَّة؛ لم يقع الثَّلاث إلَّا بقوله ثلاثاً، بغير خلاف.
- ج ٢ ص ٤٥٢
ومنها: إذا وقع العقد على اسم مطلق، ونوى تعيينه قبل العقد؛ فهل يصحُّ أم لا؟
-
قد سبق أنَّ لنا في صحَّة النِّكاح وجهين إذا قال: زوَّجتك بنتي، وله بنات، ونويا واحدة معيَّنة، وأنَّ مأخذ البطلان اشتراط الشَّهادة على النِّكاح، وهذا يقتضي صحَّة سائر العقود الَّتي لا تحتاج إلى الشَّهادة بمثل ذلك.
-
وصرَّح صاحب «المحرَّر» بأنَّه إذا اشترى شيئاً بثمن مطلق في الذِّمة، ونوى نقده من المال المغصوب، ونقده منه؛ فهل يكون العقد باطلاً كما لو وقع على عين المغصوب، أو يكون صحيحاً؟ على روايتين.
-
وإنَّما خرَّج الخلاف في تقييد المطلق بالنِّيَّة دون تخصيص العامِّ بها؛ لأنَّ تخصيص العامِّ نقص منه، وقصر له على بعض مدلوله، وذلك إنَّما يكون بالنِّيَّة والإرادة؛ فهي المخصِّصة، وإنَّما تسمَّى الأدلَّةُ الدَّالَّة على التَّخصيص مخصِّصات؛ لدلالتها على الإرادة المخصِّصة (١) ، بخلاف تقييد المطلق؛ فإنَّه زيادة على مدلوله، فلا تثبت الزِّيادة بالنِّيَّة المجرَّدة.
-
فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بتعميم الخاصِّ بالنِّيَّة؛ فإنَّه إلتزام بزيادة (٢) على اللَّفظ بمجرَّد النِّيَّة.
- ج ٢ ص ٤٥٣
قيل: الفرق بينهما أنَّ الخاصَّ إذا أريد به العامُّ؛ كان نصًّا على الحكم في صورة لعلَّة، تعدَّى إلى كلِّ ما وُجدت فيه تلك العلَّة، وهذا غير موجود في المطْلَق إذا أريد به بعض مقيَّداته، والله أعلم.
-
وأمَّا القسم الرَّابع؛ فله صور:
منها: لو قال: أنت طالق ثلاثاً، واستثنى بقلبه إلَّا واحدة؛ فهل يلزمه الثَّلاث في الباطن؟ على وجهين:
أحدهما: لا يلزمه، وهو قول أبي الخطَّاب وصاحبه الحلوانيِّ.
-
والثَّاني: يقع به الثَّلاث في الباطن، وهو الَّذي جزم به السَّامريُّ في «فروقه» ، وصاحب «المغني» ، واختاره صاحب «المحرَّر» ؛ لأنَّ النِّيَّة إنَّما تصرف اللَّفظ إلى محتمل، ولا احتمال في النَّصِّ الصَّريح، إنَّما الاحتمال في العموم، ويشهد له قول أحمد في رواية صالح: (النِّيَّة فيما خفي، ليس فيما ظهر) (١) .
-
ومنها: لو قال: نسائي الأربع طوالق، واستثنى بقلبه فلانة؛ فهي كالَّتي قبلها.