قاعدة [١٢٧] إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشرة وسبب
٥٧ فقرة، ج ٢ ص ٤٦٢
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ٤٦٢
إذا استند إتلاف أموال الآدميِّين ونفوسهم إلى مباشرة وسبب؛ تعلَّق الضَّمان بالمباشرة دون السَّبب، إلَّا أن تكون المباشرة مبنيَّة على السَّبب وناشئة عنه (١) ، سواء كانت ملجئة (٢) إليه أو غير ملجئة (٣) .
-
ثمَّ إن كانت المباشرة والحالة هذه (٤) لا عدوان فيها بالكليَّة؛ استقلَّ
ج ٢ ص ٤٦٣السَّبب وحده بالضَّمان.
-
وإن كان فيها عدوان؛ شاركت السَّبب في الضَّمان. فالأقسام ثلاثة. (١)
-
من (٢) صور القسم الأوَّل (٣) مسائل:
منها: إذا حفر واحد بئراً عدواناً، ثمَّ دفع غيره فيها؛ آدميًّا معصوماً أو مالاً لمعصوم، فسقط، فتلف؛ فالضَّمان على الدَّافع وحده.
-
ومنها: لو فتح قفصاً عن طائر، فاستقرَّ بعد فتحه، فجاء آخر فنفَّره؛ فالضَّمان على المنفِّر وحده.
- ج ٢ ص ٤٦٤
ومنها: لو رمى معصوماً من شاهق، فتلقَّاه آخر بسيف، فقدَّه به؛ فالقاتل هو الثَّاني دون الأوَّل.
-
فأمَّا إذا (١) ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً وفيه حياة غير مستقِرَّة، فضربه آخر فمات؛ فالقاتل هو الأوَّل، وعليه الغرَّة، ويعزَّر الثَّاني؛ لأنَّ الضَّارب ليس بمتسبِّب، بل هو مباشر للقتل؛ فلذلك لزمه الضَّمان.
-
وكذا لو رمى صيداً فأصاب مقتله، ثمَّ رماه آخر فمات؛ فالقاتل هو الأوَّل، فيباح الصَّيد بذلك، والثَّاني جان عليه؛ فيضمن ما خرق من جلده، هذا قول القاضي والأكثرين.
-
وخرَّجه طائفة على الخلاف في تحريم ما سقط بعد الذَّبح في ماء ونحوه؛ لإعانته على قتله، وظاهر كلام الخرقيِّ تحريمه ههنا؛ فيضمن الثَّاني قيمته كاملة، ويسقط منها قدر جرح الأوَّل.
-
ومن صور القسم الثَّاني (٢) مسائل:
منها: إذا قدَّم إليه طعاماً مسموماً عالماً به، فأكله وهو لا يعلم بالحال؛ فالقاتل هو المقدِّم، وعليه القصاص والدِّية (٣) .
-
ومنها: لو قتل الحاكم حدًّا أو قصاصاً بشهادة، ثمَّ أقرَّ الشُّهود أنَّهم تعمَّدوا الكذب؛ فالضَّمان والقود عليهم دون الحاكم.
- ج ٢ ص ٤٦٥
ونقل أبو النَّضر العجليُّ (١) عن أحمد: إذا رجم الحاكم بشهادة أربعة، ثمَّ تبيَّن أنَّ المرجوم مجبوب؛ فالضَّمان على الحاكم.
-
وهو مشكل؛ لأنَّه قد تبيَّن كذبهم بالعيان؛ فهو كإقرارهم بتعمُّد الكذب.
-
وقد يفرَّق بأنَّ المجبوب لا يخفى حاله (٢) غالباً؛ فالإقدام على رجمه لا يخلو من تفريط، وبأنَّ الشُّهود قد يشتبه عليهم؛ فلا يتحقَّق تعمُّدهم للكذب.
-
وأمَّا إن تبيَّن أنَّ الشُّهود فسقة أو كفَّار - وقلنا: يُنقض الحكم (٣) - وكان الحقُّ لآدميٍّ؛ فالضَّمان على المحكوم له.
- وإن كان لله تعالى؛ فله حالتان:
-
إحداهما: أن يستند الحاكم في قبول الشَّهادة إلى تزكية من زكَّاهم، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها (١) : الضَّمان على المزكِّين، قاله أبو الخطَّاب، وصحَّحه صاحبا «الكافي» و «التَّرغيب» ؛ لأنَّهم ألجؤوا الحاكم إلى الحكم، والحاكم فعل ما وجب عليه، والشُّهود لا يعترفون ببطلان شهادتهم؛ فتعيَّن إحالة الضَّمان على المزكِّين.
-
والثَّاني: الضَّمان على الحاكم وحده، قاله القاضي وابن عقيل في كتاب الشَّهادات؛ لأنَّه مفرِّط بالحكم بشهادة من لا تجوز شهادته، وحكمه يختصُّ بالمحكوم به، بخلاف التَّزكية؛ فإنَّها لا تختصُّ المحكوم به.
-
والثَّالث: يخيَّر المستحِقُّ بين تضمين من شاء من الحاكم والمزكِّين، والقرار على المزكِّين، قاله القاضي وابن عقيل في كتاب الحدود؛ لما ذكرنا من وجه تغريم كلٍّ منهما؛ فيخيَّر المستحِقُّ، ويستقرُّ الضَّمان على المزكِّين؛ لإلجائهم الحاكم إلى الحكم.
-
وحُكي عن أبي الخطَّاب وجه رابع: أنَّ الضَّمان على الشُّهود؛ كما لو رجعوا عن الشَّهادة.
-
ولا تصحُّ حكايته عنه؛ لتصريحه بخلافه (٢) ، وهو غير متوجِّه؛ لأنَّهم
ج ٢ ص ٤٦٧لم يعترفوا ببطلان شهادتهم ولا ظهر كذبهم، بخلاف الرَّاجعين عن الشَّهادة، ولكن ذكر القاضي وأبو الخطَّاب رواية أنَّه لا يُنقض الحكم (١) ويضمن الشُّهود، وهذا ضعيف جدًّا.
-
وخرَّج صاحب المحرَّر في «تعليقه على الهداية» ضمان الشُّهود من إحدى الرِّوايتين فيما إذا شهد أربعة بالزِّنى ثمَّ بانوا فسَّاقاً؛ فإنَّهم يُحَدُّون على إحدى الرِّوايتين؛ وإن لم يعترفوا ببطلان قولهم.
-
وهذا تخريج ضعيف؛ لأنَّ الشَّهادة بالزِّنى قذف في المعنى، موجِبة للحدِّ في نفسها؛ إلَّا أن يوجد معها كمال النِّصاب المعتبر، ولم يوجد ذلك هنا.
-
وكذلك يجب عليهم حدُّ القذف، سواء استُوفِي من المشهود عليه الحدُّ أو لا، وليس المستوفَى من الشَّاهد نظير المستوفَى من المشهود عليه.
-
وأمَّا الشَّهادة بالمال؛ فلا يترتَّب عليها ضمان إلَّا أن ينشأ عنها غرم، ثمَّ يتبيَّن بطلانها؛ إمَّا بإقرار الشَّاهد، أو يتبيَّن كذبها بالعيان، ولم يوجد هنا واحد منهما.
-
والحالة الثَّانية: ألَّا يكون ثَمَّ تزكية؛ فالضَّمان على الحاكم وحده، ذكره الخرقيُّ والأصحاب؛ لتفريطه بقبول من لا يجوز قبول شهادته من غير إلجاء إلى القبول.
- ج ٢ ص ٤٦٨
ومنها: المكره على إتلاف مال الغير، وفي الضَّمان وجهان:
أحدهما: أنَّه على المكرِه وحده، لكن للمستحِقِّ مطالبة المتلِف، ويرجع به على المكرِه؛ لأنَّه معذور في ذلك الفعل؛ فلم يلزمه الضَّمان، بخلاف المكرَه على القتل؛ فإنَّه غير معذور؛ فلهذا شاركه في الضَّمان، وبهذا جزم القاضي في كتاب «الأمر بالمعروف والنَّهيِّ عن المنكر» ، وابن عقيل في «عمد الأدلَّة» .
-
والثَّاني: عليهما الضَّمان؛ كالدِّية، صرَّح به في «التَّلخيص» ، وذكره القاضي في بعض تعاليقه احتمالاً، وعلَّل باشتراكهما في الإثم، وهذا تصريح بأنَّ الإكراه لا يبيح إتلاف مال الغير، وكان فرض الكلام في الوديعة.
-
وحكى احتمالاً آخر: أنَّ الضَّمان على المتلِف وحده، كما لو اضطر إلى طعام الغير فأكله، وهذا ضعيف جدًّا؛ لأنَّ المضطر لم يُلجئه إلى الإتلاف من يحال الضَّمان عليه.
-
ولو أُكره على تسليم الوديعة إلى غير المالك، فقال القاضي: لا ضمان؛ لأنَّه ليس بإتلاف، كذا ذكره في بعض تعاليقه، وصرَّح به في «المجرَّد» مفرِّقاً بينه وبين الإكراه على القتل: بأنَّ القتل لا يُعذر فيه بالإكراه، بخلاف هذا، وهذا التَّعليل يشمل الإتلاف أيضاً.
-
وتابع ابن عقيل في «الفصول» وصاحب «المغني» القاضيَ في «المجرَّد» .
-
وفي «شرح الهداية» لأبي البركات: المذهب (١) أنَّه لا يضمن؛ كما
ج ٢ ص ٤٦٩لو حلف لا يدخل الدَّار فدخلها مكرهاً.
-
وفي «الفتاوى الرَّجبيات» عن أبي الخطَّاب وابن عقيل: الضَّمان مطلقاً؛ لأنَّه افتدى بها ضرره.
-
وعن ابن الزاغونيِّ: أنَّه إن أُكره على التَّسليم بالتَّهديد والوعيد؛ فعليه الضَّمان ولا إثم، وإن ناله العذاب؛ فلا إثم ولا ضمان.
-
وأشار صاحب «المحرَّر» في مسألة الإكراه على الأكل في الصَّوم (١) من «شرح الهداية» إلى خلافٍ في أصل جواز تضمين المكرَه على إتلاف المال.
-
وقد ذكر صاحب «المغني» في الأيمان: أنَّ المحرِم إذا قتل صيداً مكرهاً؛ فضمانه على المكرِه له.
-
وقد نصَّ أحمد في رواية ابن ثواب على أنَّ حافر البئر عدواناً إذا أكرهه السُّلطان على الحفر؛ لم يضمن (٢) ، لكن هذا إكراه على السَّبب دون المباشرة.
-
وهذه النُّقول الثَّلاثة ترجع إلى أنَّه لا يضمن ابتداء من لا يستقرُّ عليه
ج ٢ ص ٤٧٠الضَّمان، وقد تقدَّم ذلك (١) .
-
وأمَّا المكرهة على الوطء في الحجِّ والصِّيام إذا أفسدنا حجَّها وصيامها (٢) ؛ فهل تجب عليها الكفَّارة في مالها، أو لا يجب عليها شيء، أو يجب على الزَّوج أن يتحمَّلها عنها؟
-
على ثلاث روايات، وتأوَّل بعضهم الأولى على أنَّها ترجع بها على الزَّوج.