قاعدة [١٤٤] فيما يقوم فيه الورثة مقام موروثهم من الحقوق
٦٢ فقرة، ج ٣ ص ٥٦
الصفحة ١ من ٢
- ج ٣ ص ٥٦
وهي نوعان: حقٌّ له، وحقٌّ عليه.
-
فأمَّا النَّوع الأوَّل؛ فما كان من حقوقه يجب بموته؛ كالدِّية والقصاص في النَّفس؛ فلا ريب في أنَّ لهم استيفاءه، وسواء قلنا: إنَّه ثابت لهم ابتداءً، أو منتقل إليهم عن مورِّثهم، ولا تؤثِّر مطالبة المقتول بذلك شيئاً على المعروف من المذهب.
-
ومال الشَّيخ تقيُّ الدين: إلى أنَّ مطالبته بالقصاص توجب تحتُّمه؛ فلا يتمكَّنون (١) بعدها من العفو (٢) .
-
وما كان واجباً له في حياته؛ إن كان قد طالب به أو هو في يده؛ ثبت لهم إرثه.
-
فمنه: الشُّفعة إذا طالب بها، نصَّ عليه أحمد في أكثر الرِّوايات (٣) .
- ج ٣ ص ٥٧
وتوقَّف في رواية ابن القاسم، وقال: هو موضع نظر.
-
ومنه: حدُّ القذف، ونصَّ عليه أيضاً (١) ، ويستوفيه الوارث لنفسه بحكم الإرث عند القاضي.
وقال ابن عقيل فيما قرأته بخطِّه: إنَّما يُستوفى للميِّت بمطالبته به ولا ينتقل.
-
وكذا الشُّفعة، فإنَّ ملك الوارث وإن كان طارئاً على البيع، إلَّا أنَّه مبنيٌّ على ملك موروثه.
-
ومنه: خيار الشَّرط، ونصَّ عليه أيضاً (٢) .
-
ومنه: الدَّم، نصَّ عليه في رواية محمَّد بن موسى، والمراد به ما دون النَّفس إذا وجب له في حياته، ثمَّ مات من غير سرايته بعد طلبه.
-
ومنه: خيار الرُّجوع في الهبة إذا طالب به، ذكره القاضي في «خلافه» .
-
ومنه: الأرض الخراجيَّة الَّتي بيده؛ لأنَّ هذا حقٌّ قد أخذ به وحازه، وكذلك الموات المتحجِّر، وحقوق الاختصاصات الَّتي تحت يده كلِّها.
-
ومنه: حصَّة المضارَب من الرِّبح إذا قلنا: لا تملك بالظُّهور؛ فإنَّ اشتراطه لها في العقد مع عمله في المال لأجلها أبلغ من المطالبة باللَّفظ، وهذا بخلاف الغانم - إن سلَّمنا على قولنا: لا يملك حصَّته بدون التَّملُّك -؛ فإنَّه لم يجاهد للغنيمة، وإنَّما جاهد لإعلاء كلمة الله تعالى، والغنيمة تابعة.
- ج ٣ ص ٥٨
وأمَّا إن لم يكن طالب به؛ فهو ضربان:
أحدهما (١) : حقوق التَّملُّكات، والحقوق الَّتي ليست ماليَّة؛ كالقصاص وحدِّ القذف؛ ففيه قولان في المذهب، أشهرهما: أنَّه لا يورَّث.
- ويندرج تحت (٢) ذلك صور:
-
منها: الشُّفعة؛ فلا تورَّث بدون مطالبته على المذهب، وله مأخذان أشار إليهما أحمد:
أحدهما: أنَّه حقٌّ له؛ فلا يثبت بدون مطالبته به، ولو علمت رغبته من غير مطالبة؛ لكفى في الإرث، ذكره القاضي في «خلافه» .
-
والثَّاني: أنَّ حقه فيها سقط بتركه وإعراضه، لا سيَّما على قولنا: إنَّها على الفور.
-
فعلى هذا لو كان غائباً؛ فلهم المطالبة، وليس لهم ذلك على الأوَّل.
-
ونقل عنه أبو الحارث: إذا مات صاحب الشُّفعة؛ فلولده أن يطلبوا الشُّفعة، تورث.
-
وظاهر هذا: أنَّ لهم المطالبة بها بكلِّ حال؛ فإنَّه صرَّح بنفي إرثها في رواية مهنَّى وغيره؛ فقد وقع التَّردُّد في كلامه في ثبوت الإرث فيها.
- ج ٣ ص ٥٩
ومنها: حقُّ الفسخ بخيار الشَّرط؛ فلا يورث بغير مطالبة، نصَّ عليه أيضاً (١) .
-
وخرَّج أبو الخطَّاب وغيره وجهاً آخر: بإرثه مطلقاً (٢) .
-
ومنها: الفسخ الثَّابت بالرُّجوع في الهبة؛ فلا يثبت بدون المطالبة أيضاً، صرَّح به القاضي.
-
وظاهر كلام أبي الخطَّاب تخريج الخلاف فيه.
-
وعن أحمد في الهبة المخصَّص بها بعض الولد: إذا مات الواهب قبل التَّعديل والرُّجوع؛ هل للورثة الرُّجوع أم لا؟ روايتان.
-
مأخذهما: أنَّ رجوع الوالد في هذه الهبة؛ هل هو من باب الرُّجوع في الهبة الثَّابت للوالد دون غيره، فلا يقوم غيره فيه مقامه، أو هو ثابت لاستدراك الظُّلم والجور؟
-
وعلى هذا؛ فهل هو مأمور به لحقِّ نفسه حيث ظلم واعتدى فأمر بالتَّعديل، فإذا لم يفعله سقط، أو هو مأمور به لحقِّ بقيَّة الأولاد المظلومين، فيثبت لهم الرَّدُّ إذا تعذَّر الرَّدُّ من جهته؟
- ج ٣ ص ٦٠
ومنها: حدُّ القذف؛ فلا يورث بدون المطالبة أيضاً، نصَّ عليه (١) .
-
وخرَّج أبو الخطَّاب فيه وجهاً: بالإرث مطلقاً.
-
ومنها: القصاص فيما دون النَّفس، وظاهر كلام أحمد كما قدَّمنا: أنَّه يسقط بدون الطَّلب.
-
وظاهر كلام القاضي والأكثرين: أنَّه يستوفى؛ وعلَّلوا: بأنَّه يسقط إلى مال؛ فهو كخيار الرَّدِّ بالعيب.
-
ومنها: خيار قبول الوصيَّة، والمنصوص عن أحمد: أنَّ الوصيَّة تبطل بموت الموصى له قبل وصولها إليه، كذلك نقله عنه ابن منصور وغيره (٢) ، وهو اختيار القاضي والأكثرين إذا مات قبل القبول.
وقال الخرقيُّ: يثبت الخيار بين القبول والرَّدِّ لورثة الموصى له؛ لأنَّ الوصيَّة لزمت بموت الموصي (٣) ؛ فهي كالمملوكة.
-
ونقل صالح عن أبيه: إذا أوصَى (٤) لقرابته أو أهل بيته، ثمَّ مات
ج ٣ ص ٦١بعضهم بعد الميِّت وقبل القسمة؛ قد وجبت الوصيَّة لكلِّ من أوصى له إذا كان حيًّا يوم أوصى له. (١)
قال الشَّيخ مجد الدِّين: (وهذا نصٌّ بما قاله الخرقيُّ) .
-
وليس بنصٍّ فيه؛ لاحتمال أن يكون أثبت ملكها بمجرَّد الموت من غير قبول، أو بالقبول؛ فليس في النَّصِّ ما ينفيه صريحاً، ورواية ابن منصور بالبطلان لم يتعرَّض فيها للقبول، بل للقبض.
-
الضَّرب الثَّاني: حقوق أملاك ثابتة متعلِّقة بالأموال الموروثة، فتنتقل إلى الورثة بانتقال الأموال المتعلِّقة بها بدون المطالبة، بخلاف الضَّرب الأوَّل، فإنَّ الحقوق فيه من حقوق المالكين، لا من حقوق الأملاك، ولهذا لا تجب الشُّفعة عندنا لكافر على مسلم؛ لأنَّه ليس من أهل الاستحقاق على المسلم.
-
ومن صور ذلك: الرَّهن، فإذا مات وله دين برهن؛ انتقل برهنه إلى الورثة.
-
ومنها: الكفيل، وهو كالرَّهن؛ لأنَّه توثقة؛ فهو كالشَّهادة.
-
وعلَّله القاضي: بأنَّه يستوفى منه المال؛ فهو كالرَّهن؛ فالضَّابط عنده: أنَّ ما فيه مال؛ ينتقل إلى الورثة، وما لا فلا.
-
ومنها: الضَّمان، فإذا مات وله دين به ضامن؛ انتقل إلى الورثة مضموناً، بخلاف ما إذا أحال به ربُّ الدَّين في حياته (٢) ؛ فإنَّه ينفسخ
ج ٣ ص ٦٢الضَّمان بالحوالة، نصَّ عليه أحمد في رواية مهنَّى (١) ؛ لأنَّ الأجنبيَّ ليس بخليفةٍ لربِّ الدَّين؛ فلا ينتقل إليه بحقوقه، بخلاف الوارث (٢) .
-
ومنها: الأجل؛ فلا يحلُّ الدَّين المؤجَّل إذا وثَّقه الورثة برهن أو كفيل في أشهر الرِّوايتين.