قاعدة [١٥٤] خروج البضع من الزوج؛ هل هو متقوم أم لا؟

٤٠ فقرة، ج ٣ ص ٩٥

  1. خروج البُضْع من الزَّوج؛ هل هو متقوَّم أم لا؟ بمعنى أنَّه: هل يَلزم المخرِج له قهراً ضمانُه للزَّوج بالمهر؟

    ج ٣ ص ٩٥
  2. فيه قولان في المذهب، ويذكران روايتين عن أحمد، وأكثر الأصحاب كالقاضي ومن بعده يقولون: ليس بمتقوَّم (١) .

  3. وخصُّوا هذا الخلاف بمن عدا الزَّوجةَ، فقالوا: لا تضمن للزَّوج شيئاً بغير خلاف.

  4. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّه متقوَّم على الزَّوجة وغيرها، وحكاه قولاً في المذهب (٢) .

  5. ويتخرَّج (٣) على ذلك مسائل:
  6. منها: لو أفسد مُفسِدٌ نكاح امرأة قبل الدُّخول بها، برضاع أو غيره؛ فإنَّه يجب عليه نصف المهر، حيث يلزم الزَّوجَ نصف المهر؛ كما إذا كانت الفرقة من الأجنبيِّ وحده، وله مآخذ:

    ج ٣ ص ٩٦أحدها: أنَّ خروج البضع من الزَّوج متقوَّم؛ فيقوَّم قبل الدُّخول بنصف المهر المسمَّى.

  7. وفيه وجه: بنصف مهر المثل.

  8. والثَّاني: أنَّه ليس بمتقوَّم، لكنَّ المفسِد قرَّر هذا النِّصف على الزَّوج، إذ كان بصدد أن يسقط عنه بانفساخ النِّكاح بسبب من جهتها.

  9. والثَّالث: أنَّ المهر كلَّه يسقط بالفرقة، لكن يجب لها نصف المهر وجوباً مبتدئاً بالفرقة الَّتي استقلَّ بها الأجنبيُّ؛ فلذلك لزمه ضمانه، ذكره القاضي في «خلافه» ، وفيه بُعْد.

  10. وأمَّا حيث لا يلزم الزَّوجَ شيء؛ كما إذا وطئ الأب أو الابن زوجته قبل الدُّخول بتمكينها؛ فهل يلزمه له نصف المهر أم لا؟ على وجهين مذكورين في «المغني» وغيره، وهما متنزِّلان على أنَّ البضع؛ هل هو متقوَّم أم لا؟ إذ لا غرم هنا على الزَّوج.

  11. ونقل مهنَّى عن أحمد في رجل تزوَّج امرأة، فبعثوا إليه ابنتها، فدخل بها وهو لا يعلم؛ قال: حرمتا عليه جميعاً، قال: فقلت له: ما عليه؟ فقال (١) : عليه لهذه المهر بما استحلَّ من فرجها. قلت: وللأخرى ما عليه؟ قال: لها نصف الصَّداق، قلت: هل يرجع بالنِّصف الَّذي غرم لابنتها؟ قال: لا.

  12. وإنَّما لم يرجع هنا عنده؛ لأنَّ فساد نكاحه منسوب إليه مباشرة؛ فلذلك استقرَّ الضَّمان عليه.

  13. ويتخرَّج فيه وجه آخر: أنَّه يرجع بما غرمه على من غرَّه.

    ج ٣ ص ٩٧
  14. وأمَّا إن كان الإفساد بعد الدُّخول بإرضاع أو غيره؛ ففيه وجهان:

    أحدهما: أنَّ على المفسِد ضمانَ المهر المستقرِّ على الزَّوج، وهو منصوص أحمد في رواية ابن القاسم (١) ؛ بناء على أنَّ خروج البضع متقوَّم، وكما يضمن الغارُّ المهر لمن غرَّه؛ وإن استقرَّ بالدُّخول، بل هنا أولى؛ لأنَّ المغرور قد يكون فسخ النِّكاح باختياره، كما إذا دُلِّس عليه عيب ونحوه؛ حيث لم يرض بالمهر إلَّا مع السَّلامة من العيوب، وهنا الفسخ بسبب الأجنبيِّ؛ فإنَّه هو المانع للزَّوج من الاستمتاع؛ فكان الرُّجوع عليه بالمهر أولى؛ إذ الزَّوج يجب تمكينه من جنس الاستمتاع، ويعود إليه المهر بمنعه من جنسه إذ لم يكن ما يستحقُّه مقدَّراً، بخلاف منفعة الإجارة؛ فإنَّها تتقسَّط على المدَّة، مع أنَّ الإجارة تسقط فيها الأجرة عندنا بمنع المؤْجِر من التَّسليم المستحَقِّ بالعقد كلِّه.

  15. والوجه الثَّاني: أنَّه لا ضمان على المفسد بحال؛ لاستقرار المهر على الزَّوج بالوطء؛ بناء على أنَّ خروجه غير متقوَّم، وإليه ميل ابن أبي موسى، واختاره طائفة من المتأخِّرين.

  16. وأمَّا إن كان المفسِدُ للنِّكاح هو الزَّوجةَ وحدها، بالرَّضاع أو غيره؛ فقال الأصحاب: لا ضمان عليها بغير خلاف؛ لئلَّا يلزم استباحة بضعها بغير عوض.

  17. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين أنَّ عليها الضَّمان (٢) ، وأخذه من مسألة

    ج ٣ ص ٩٨المهاجرة وامرأة المفقود، كما سيأتي، وكما قال الأصحاب في الغارَّة: إنَّه لا مهر لها، بل عندنا في الإجارة أنَّ غصب المؤجر يسقط الأجرة كلَّها، بخلاف غصب غيره؛ لاستحقاق التَّسليم عليه.

  18. وأجاب عمَّا قيل من استباحة البضع بدون عوض: بأنَّ العوض وجب لها بالعقد، ثمَّ وجب عليها ضمانه بسبب آخر؛ فلم يخلُ العقد من عوض، كما يجب على البائع ضمان ما تعلَّق به حقُّ توفيةٍ بإتلافه قبل القبض، ولم يخلُ البيع من ثمن، والله أعلم.

  19. ومنها: شهود الطَّلاق إذا رجعوا قبل الدُّخول؛ فإنَّهم يغرمون نصف المهر.

  20. وإن رجعوا بعد الدُّخول؛ فهل يغرمون المهر كلَّه، أم لا يغرمون شيئاً؟ على روايتين، مأخذهما تقويم البضع وعدمه (١) .

  21. وعلى التَّغريم (٢) ؛ يغرمون المهر المسمَّى.

  22. وقيل: مهر المثل.

  23. ومنها: امرأة المفقود إذا تزوَّجت بعد المدَّة المعتبرة، ثمَّ قدم زوجها المفقود؛ فإنَّه يخيَّر بين زوجته وبين المهر، فإن اختار المهر؛ أخذ من الزَّوج الثَّاني المهر الَّذي أقبضه إيَّاها؛ أعني: الأوَّل؛ لأنَّه هو

    ج ٣ ص ٩٩الَّذي استحقَّه على أصحِّ الرِّوايتين.

  24. وعلى الثَّانية: يأخذ المهر الَّذي أعطاها الثَّاني.

  25. وبكلِّ حال؛ فهل يستقرُّ ضمانه على الزَّوج الثَّاني، أم يرجع به على المرأة؟ على روايتين:

    إحداهما: يرجع به عليها؛ لأنَّ الفرقة جاءت منها؛ فيستقرُّ الضَّمان عليها.

  26. والثَّاني: لا يرجع به؛ لأنَّ المرأة استحقَّته بالإصابة؛ فلا يجوز أخذه منها.

  27. ومنها: إذا طلَّق رجل امرأة، ثمَّ راجعها في العدَّة، وأشهد على الرَّجعة، ولم تعلم المرأة حتَّى انقضت عدَّتها، وتزوَّجت ودخل بها الثَّاني، وقلنا على رواية: إنَّ الثَّاني أحقُّ بها؛ فهل تضمن المرأة لزوجها المهر أم لا؟ على وجهين، واختار القاضي الضَّمان؛ لأنَّ خروج البضع متقوَّم.

  28. ومنها: إذا أسلمت امرأة من أهل دار الحرب، وهاجرت إلينا، ثمَّ تزوَّجها مسلم بعد انقضاء عدَّتها في دار الإسلام؛ فهل يلزمه أن يردَّ على زوجها الكافر مهرها الَّذي أمهرها إيَّاه؟ على روايتين حكاهما ابن أبي موسى.

  29. وظاهر القرآن يدلُّ على وجوبه (١) ، لكن أكثر الأصحاب على عدم

    ج ٣ ص ١٠٠الوجوب، قالوا: لأنَّ الآية نزلت في قصة (١) صلح الحديبية، وكان الصُّلح قد وقع على ردِّ النِّساء قبل تحريمه، فلمَّا حرم الرَّدُّ بعد صحَّة اشتراطه؛ وجب ردُّ بدله، وهو المهر، وأمَّا بعد ذلك؛ فلا يجوز اشتراط ردِّ النِّساء؛ فلا يصحُّ اشتراط ردِّ مهورهنَّ؛ لأنَّه شرطُ مالٍ للكفَّار من غير ضرورة.

  30. ومن اختار الوجوب؛ كالشَّيخ تقيِّ الدِّين؛ منع أن يكون ردُّ النِّساء مشروطاً في صلح الحديبية، ومنع عدم جواز شرط ردِّ المهر، لا سيَّما إذا كان مشروطاً من الطَّرفين (٢) .

  31. ومنها: خُلع المسلم زوجته بمحرم يعلمان تحريمه؛ كخمر أو خنزير، قال أبو بكر والقاضي والأصحاب: هو كالخلع الخالي عن العوض، فإذا صحَّحناه؛ لم يلزم الزَّوج شيء، بخلاف النِّكاح على ذلك.

  32. وعند الشِّيخ تقيِّ الدِّين: يرجع إلى المهر؛ كالنِّكاح (٣) .

  33. ويحتمل (٤) كلام الخرقيِّ في خلع الأمة على سلعة بيدها: أنَّه يصحُّ، ويتبع بقيمتها بعد العتق.

  34. ومنها: مخالعة الأب ابنته الصَّغيرة بشيء من مالها، والمذهب: أنَّه

    ج ٣ ص ١٠١غير جائز، وأنَّ الضَّمان على الأب، نصَّ عليه أحمد في رواية ابن الحكم.

  35. وخرَّج بعض المتأخِّرين جوازه؛ بناء على أنَّ خروج البضع متقوَّم، فما بذل مالها إلَّا فيما له قيمة، فلا يكون تبرُّعاً.

  36. وخرَّجه بعضهم من الرِّواية الَّتي نقول فيها: إنَّ للأب العفو عن نصف المهر في الطَّلاق قبل الدُّخول؛ بناء على أنَّه الَّذي بيده عقدة النِّكاح.

  37. وذكره صاحب «المغني» احتمالاً في وليِّ الصَّغيرة والسَّفيهة والمجنونة مطلقاً إذا رأى الحظَّ في ذلك، وكذلك أشار إليه ابن عقيل في «الفصول. «

    ومنها: إذا قال لزوجته: أنت طالق بألف، فلم تقبل؛ طَلَقت رجعيًّا، ولم يلزمها شيء، نصَّ عليه أحمد في رواية مهنَّى (١) .

  38. ولو قال لعبده: أنت حرٌّ بألف، فلم يقبل؛ لم يَعتِق عند الأصحاب.

  39. والفرق بينهما: أنَّ خروج البضع غير متقوَّم، بخلاف العبد؛ فإنَّه مال محض.

  40. وخرَّج الشَّيخ تقيُّ الدِّين وجهاً: أنَّه يَعتِق العبد بغير شيء، كما في الطَّلاق؛ لأنَّ الطَّلاق والعتاق فيهما حقٌّ لله تعالى، وليس العوض بركن فيهما إذا (٢) لم يعلِّقهما عليه، بل أوقعهما منجزاً، وشرط فيهما

    ج ٣ ص ١٠٢العوض، فإذا لم يلتزما العوض؛ لَغِيَ ووقع الطَّلاق والعتاق (١) ؛ لما فيهما من الحقِّ لله الَّذي لا يمكن إبطاله.