قاعدة [١٦٠] تستعمل القرعة في تمييز المستحق إذا ثبت الاستحقاق ابتداء لمبهم غير معين عند تساوي أهل الاستحقاق.
٣١٧ فقرة، ج ٣ ص ١٥٧
الصفحة ٧ من ٨
- ج ٣ ص ٢٠٢
وإن قال من هي في يده: ليست لي، ولا أعلم لمن هي؛ ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: يقترعان عليها؛ كما لو أقرَّ بها لأحدهما مبهماً.
-
والثَّاني: تجعل عند أمين الحاكم.
-
والثَّالث: تقرُّ في يد من هي في يده.
-
والأوَّل ظاهر كلام أحمد في رواية صالح وأبي طالب وأبي النَّضر وغيرهم (٢) ، والوجهان الآخران مخرَّجان من مسألة من في يده شيء معترف بأنَّه ليس له، ولا يعرف مالكه، فادَّعاه معيَّن؛ فهل يدفع إليه أم لا؟
-
وهل يقرُّ بيد من هو في يده، أم ينزعه الحاكم؟ فيه خلاف معروف.
-
ومنها: إذا تداعى اثنان عيناً ليست في يد أحد؛ ففيها وجهان:
أحدهما: يقسم بينهما؛ كالَّتي بأيديهما.
-
والثَّاني: يقرع بينهما؛ فتعطى لمن قَرَع؛ كما لو كانت بيد ثالث، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية صالح في اثنين تداعيا كيساً ليست أيديهما عليه: (أنَّهما يستهمان عليه، فمن خرج سهمه؛ فهو له مع يمينه) (٣) ، ولم يفرِّق بين أن يكون في يد غيرهما، أو لا يكون في يد أحد.
- ومنها: إذا تعارضت البيِّنتان؛ ففي المسألة ثلاث روايات:
-
إحداهنَّ: يسقطان بالتَّعارض، ويصيران كمن لا بيِّنة لهما.
-
والثَّانية: يستعملان بقسمة العين بينهما بغير يمين.
-
والثَّالثة: يرجَّح إحداهما بالقرعة، فمن قَرَع؛ حلف وأخذ العين.
-
هكذا حكى القاضي في بعض كتبه هذه الرِّواية (١) ، وتبعه عليها كثير (٢) من الأصحاب، وأنكرها في كتاب «المجرَّد» و «الخلاف» ، وقال: إنَّما معناها أنَّ البيِّنتين يسقطان بالتَّعارض، وتصير العين في يد غير المتداعيين؛ فيقرع بينهما على ما تقدَّم.
-
وصرَّح أحمد بهذا المعنى في رواية حنبل؛ فقال: (لو أقاما البيِّنة جميعاً؛ أسقطت البيِّنتين جميعاً؛ لأنَّ كلَّ واحدة منهما قد أكذبت صاحبتها، ويستهمان على اليمين) (٣) .
-
وحكى ابن شهاب في «عيون المسائل» رواية أخرى: أنَّه يوقف الأمر حتَّى يتبيَّن (٤) أو يصطلحا عليه.
-
ولو كانت العين المتنازع فيها بيد (٥) أحدهما؛ فلا تعارض، بل تقدَّم بيِّنة الخارج في أشهر الرِّوايتين.
- ج ٣ ص ٢٠٤
وفي الأخرى: بيِّنة الدَّاخل، إلَّا أن يكون التَّنازع في سبب اليد؛ بأن يدَّعي كلٌّ منهما أنَّه اشتراها من زيد أو اتَّهبها (١) منه، ويقيم بذلك بيِّنة؛ ففيه روايتان:
إحداهما (٢) : أنَّها كبيِّنة الدَّاخل والخارج على ما سبق، وهي المذهب عند القاضي.
-
والثَّانية: يتعارضان؛ لأنَّ سبب اليد هو نفس المتنازَع فيه؛ فلا تبقى مؤثِّرة؛ لأنَّهما اتَّفقا على أنَّ ملك هذه الدَّار لزيد، وعنه هو متلقًّى؛ فلذلك (٣) لم يبقَ لليد تأثير؛ لأنَّه قد علم مستندها، وهو الشِّراء الَّذي عورض بمثله، وهذه الرِّواية اختيار أبي بكر، وابن أبي موسى، وصاحب «المحرَّر» .
-
واختار أبو بكر وابن أبي موسى ههنا: أنَّه يرجَّح بالقرعة، ونصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور؛ في رجل باع ثوباً، فجاء رجل، فأقام البيِّنة أنَّه اشتراه بمائة، وأقام الآخر البيِّنة أنَّه اشتراه بمائتين، والبائع يقول: بعته بمائتين، والثَّوب في يد البائع بعد، قال: ليس قول البائع بشيء، يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة فهو له بالَّذي ادَّعى أنَّه اشتراه به، قلت: فإن كان الثَّوب في يد أحدهما، ولا يُدرى أيُّهما اشتراه أوَّل؟ قال: لا ينفعه ما في يديه، إذا كان مقِرًّا أنَّه اشتراه من فلان؛ فلا
ج ٣ ص ٢٠٥ينفعه ما في يديه (١) .
-
والعجب أنَّ القاضي في «المجرَّد» حكى هذا النَّص عن أحمد، وذكر أنَّه أجاب بقسمة الثَّوب بينهما نصفين، ثمَّ تأوَّله على أنَّه كان في أيديهما.
-
وإنَّما أجاب أحمد فيه بالقرعة كما ذكرناه، وإنَّما المجيب بالقسمة سفيانُ الثَّوريُّ؛ فإنَّ إسحاق بن منصور يذكر لأحمد أوَّلاً المسألة وجواب سفيان فيها، فيجيبه أحمد عنها بعد ذلك بالموافقة أو بالمخالفة؛ فربَّما يشتبه جواب أحمد بجواب سفيان، وقد وقع ذلك للقاضي كثيراً؛ فليتنبه لذلك، وليراجع كلام أحمد من أصل مسائل ابن منصور.
-
ووقع في «الإرشاد» لابن أبي موسى في هذه المسألة كما وقع للقاضي؛ فإنَّه نقل عن أحمد: أنَّه (٢) إذا كان الثَّوب في يد البائع، فهو بينهما نصفين، وإن كان في يد أحدهما؛ أقرع بينهما. وهو وَهَمٌ أيضاً.
-
وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين رحمه الله: أنَّ مقتضى المذهب: أنَّه إذا شهدت البيِّنتان بالعقدين أو الإقرارين أو الحكمين؛ أنْ تُصدَّق البيِّنتان، ثمَّ إن عُلم السَّابق، وإلَّا كان بمنزلة أن تشهد بيِّنة واحدة بالعقدين ولا يعلم السَّابق منهما؛ فهنا إمَّا أن يقرع، وإما أن يبطل العقدان؛ فلا يبقى هنا عقد صحيح يحكم به؛ فيقرُّ في يد ذي اليد، وتكون الدَّعوى حينئذ لمن
ج ٣ ص ٢٠٦انتقل عنه على صاحب اليد.
قال: وقياس المذهب فيما إذا اشتبه أسبق عقدي البيع: أن نفسخهما، إلَّا أن يتعذَّر موجَبُ الفسخ من ردِّ الثَّمن ونحوه؛ فإنَّا نقرع؛ لأنَّ مِن أصلنا: أنَّه إذا اشتبه المالك بغير المالك، أو الملك بغير الملك؛ فإنَّا نقرع، فإذا أمكن فسخ العقد وردُّ كلِّ ملك إلى صاحبه، فهو خير من خطر القرعة (١) .
-
ومنها: الإقراع في العتق، وهو أشهر ما وردت فيه السُّنَّة بالإقراع فيه (٢) ، ويندرج تحته صور كثيرة:
فمنها: إذا أعتق في مرضه عبيدَه، أو دبَّرهم، ولم يخرجوا من ثلثه؛ فإنَّه يقرع بينهم، فيَعتِقُ منهم بقدر الثُّلث، نصَّ عليه أحمد في رواية جماعة (٣) .
قال القاضي: ويكون العتق مراعىً، فإن مات ولم تُجِز الورثة؛ تبيَّنا أنَّ الحرَّ منهم اثنان مثلاً، وأنَّ العتق كان واقعاً عليهما دون غيرهما، ولكنَّهما كانا غير معيَّنين، وإنَّما تميَّزا وتعيَّنا بالقرعة؛ كما تتميَّز (٤)
- ج ٣ ص ٢٠٧
وتتعيَّن الحقوق المشتركة في العقار وغيره بالإقراع في القسمة وغيرها.
-
ويستثنى من هذا صور لا إقراع فيها ذكرها الأصحاب:
أحدها: إذا كان عِتْق أحد العبدين مرتَّباً على الآخر، بأن قال: إن أعتقتُ سالماً؛ فغانم حرٌّ؛ فإنَّه يَعتِقُ سالم وحده إذا أعتقه، ولا يقرع؛ لأنَّ القرعة قد تفضي إلى عتق غانم وحده؛ فيلزم منه ثبوت المشروط بدون شرطه.
-
والثَّانية: إذا قال في مرضه: أعتقوا سالماً إن خرج من الثُّلث، وإلَّا فأعتقوا منه ما عَتَق، وقال أيضاً: أعتقوا غانماً إن خرج من الثُّلث، وإلَّا فأعتقوا منه ما عَتَق.
قال الأصحاب: يَعتِقُ من كلِّ واحد نصفُه (١) مع تساوي قيمتهما؛ لأنَّه لم يقصد بالوصيَّة تكميل الحريَّة في كلِّ واحد؛ فلم يقرع؛ كما لو قال: أعتقوا نصف سالم، وإلَّا فنصفَ غانم.
-
والثَّالثة: لو أعتق أَمَةً حاملاً في مرض موته، ولم يتَّسع الثُّلث لها ولحملها؛ قالوا: لا يجوز الإقراع؛ لأنَّ الحمل تبع لأمِّه وجزء منها؛ فلا يجوز إفراده بالعتق دونها، والقرعة قد تفضي إلى ذلك، ولا أن تَعتِقَ هي دون حملها إذا استوعبت قيمتها الثُّلث؛ لأنَّ الولد تبع لها، وعتقه ملازم لعتقها؛ فلا يمكن أن يَعتِقَ منها شيء ولا يَعتِقَ منه مثله؛ فيتعيَّن أن يَعتِقَ منها ومن حملها بالحصَّة.
-
وذهب أبو علي بن أبي موسى إلى أنَّ الإقراع إنَّما يدخل حيث كان
ج ٣ ص ٢٠٨العتق لمبهم غير معيَّن، وتشاحَّ العبيد فيه، فأمَّا إن كان لمعيَّن؛ فلا إقراع، وكذا إن (١) لم يتشاحَّ فيه العبيد.
-
وحُكي عن أبي بكر في «خلافه» ما يوافق ذلك.
-
فعلى هذا: إذا أوصى (٢) بعتق عبيده ولم تُجِز الورثة؛ أَعتقوا منهم بمقدار الثُّلُث، فإن تشاحَّ العبيد في العتق؛ أُقرع بينهم؛ فعَتَق مَن وقع عليه سهم الحريَّة منهم، وكذلك لو دبَّرهم، ذكره ابن أبي موسى.
-
وذكر هو وأبو بكر فيما إذا شهدت بيِّنة على مريض أنَّه أعتق عبده هذا، وشهدت أخرى أنَّه أعتق عبده هذا: أنَّه يجب العتق لهما، ويتحاصَّ (٣) فيه العبدان.
قال أبو بكر: لأنَّ القرعة إنَّما تجب إذا كان أحدهما حرًّا والآخر عبداً؛ يعني: إذا كان العتق لواحد لا للجميع.
-
وهذا مناقض لما ذكره ابن أبي موسى في تدبيرهم كلِّهم، إلَّا أن يقول: تدبيرهم يقع موقوفاً مراعًى؛ كعتقهم المنجز في مرضه، فيَعتِقُ منهم مع عدم الإجازة قدرُ الثُّلث، وهو مبهم؛ فيميَّز بالقرعة، بخلاف ما إذا أَعتق عبدين معيَّنين.
-
وهو ضعيف؛ فإنَّه لا فرق بين أن يكون العبيد جميع ماله أو نصفه مثلاً؛ إذ لا بدَّ من الرَّدِّ إلى الثُّلث.
- ج ٣ ص ٢٠٩
وقد نقل ابن منصور عن أحمد فيمن قال في وصيَّته: أعتقوا عنِّي أحد عبدَيَّ هذين: أنَّه يُعتَقُ أحدهما، فإن تشاحَّا في العتق؛ يقرع بينهما (١) . وإنَّما قال (٢) : (يعتق أحدهما) ابتداء؛ لأنَّها وصيَّة؛ فالواجب فيها ما يصدق عليه الاسم؛ كما لو وصَّى بأحدهما لزيد.
-
ومنها: لو أعتق أحد عبديه؛ فإنَّه يعيَّن بالقرعة.
-
ويتخرَّج (٣) وجه آخر: أنَّه يعيَّن (٤) بتعيينه من الرِّواية السَّابقة في الطَّلاق.
-
ولو أعتق عبداً من عبيده ثمَّ أنسيه، أو جهله (٥) ابتداء؛ كمسألة الطَّائر المشهورة؛ فإنَّه يخرج بالقرعة أيضاً.
-
ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه لا يُقرع ههنا من الطَّلاق، وأشار إليه بعض الأصحاب.
-
لكن قياس الرِّواية المذكورة في الطَّلاق: أنَّه يقرع، فمن خرجت له القرعة (٦) ؛ عَتَق، ويستدام الملك في غيره، إلَّا أنَّه لا يستباح وطء شيء منهنَّ إذا كنَّ إماءً.
-
ولو قال رجل: إن كان هذا الطَّائر غراباً فعبدي حرٌّ، وقال آخر: إن
ج ٣ ص ٢١٠لم يكن غراباً؛ فعبدي حرٌّ، فجهل أمره؛ فالمشهور: أنَّه لا يَعتِقُ واحد من العبدين، فإن اشترى أحد المالكين عبد الآخر؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يَعتِقُ ما اشتراه؛ لأنَّ استدامته لاسترقاق عبده إقرارٌ منه بأنَّ عبد صاحبه هو الَّذي عَتَق، فإذا اشتراه؛ نفذ (١) إقراره على نفسه، فعَتَق عليه.