قاعدة [١٦٠] تستعمل القرعة في تمييز المستحق إذا ثبت الاستحقاق ابتداء لمبهم غير معين عند تساوي أهل الاستحقاق.
٣١٧ فقرة، ج ٣ ص ١٥٧
الصفحة ٨ من ٨
- ج ٣ ص ٢١٠
والثَّاني: أنَّه يَعتِقُ أحدهما غير معيَّن، ثمَّ يميَّز بالقرعة، وهو أصحُّ؛ لأنَّ تمسُّكه بعبده إنَّما كان استصحاباً للأصل لا غير.
-
وأمَّا الولاء؛ فعلى الوجه الأوَّل: هو (٢) موقوف حتَّى يتصادقا على أمر يتَّفقان عليه.
-
وعلى الثَّاني: إن وقعت الحريَّة على المشتري؛ فكذلك، وإن وقعت على عبده؛ فولاؤه له.
-
ويتوجَّه أن يقال: يقرع بينهما، فمن قَرَع؛ فالولاء له؛ كما تقدَّم مثل ذلك في الولد الَّذي يدَّعيه أبوان، وأولى؛ لأنَّه ههنا إنَّما عَتَق على واحد غير معيَّن، وهناك يمكن أن يكون الولد لهما.
-
وكذلك يقال: لو كان عبد بين شريكين موسرين، فقال أحدهما: إن كان الطَّائر غراباً؛ فنصيبي حرٌّ، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً؛ فنصيبي حرٌّ؛ فإنَّ العبد عَتَق على أحدهما، وهو غير معلوم؛ فيميَّز بالقرعة، ويكون له الولاء.
- ج ٣ ص ٢١١
ومنها: لو قال لأمته: أوَّل من (١) تلدينه حرٌّ، فولدت ولدين، واشتبه أوَّلهما خروجاً؛ فإنَّه يميَّز بالقرعة، نصَّ عليه؛ لأنَّ العتق وقع على معيَّن وجهل ابتداء.
-
ولو قال: أوَّل غلام لي يطلع؛ فهو حرٌّ، فطلع عبيده كلُّهم، أو قال لزوجاته: أيَّتكنَّ طلع أوَّلًا؛ فهي طالق، فطلعن كلُّهنَّ؛ فنصَّ أحمد على أنَّه يميَّز (٢) واحد من العبيد وامرأة من الزَّوجات بالقرعة في رواية مهنَّى (٣) .
-
واختلف الأصحاب في هذا النَّصِّ؛ فمنهم من حمله على أنَّ اطِّلاعهم كان مرتَّباً وأشكل السَّابق منهم؛ فيميَّز بالقرعة؛ كمسألة الولادة.
-
ومنهم من أقرَّ النَّصَّ على ظاهره، وأنَّهم طلعوا دفعة واحدة، وقال: صفة الأوَّلِيَّة شاملة لكلِّ واحد منهم بانفراده، والمعتِق إنَّما أراد عتق واحد منهم؛ فيميَّز بالقرعة، وهي طريقة القاضي في «خلافه» .
-
ومن الأصحاب من قال: يَعتِقُ ويطلُقُ الجميع؛ لأنَّ الأوَّلِيَّة صفة لكلِّ واحد منهم، ولفظه صالح للعموم؛ لأنَّه مفرد مضاف.
-
أو يقال: الأوَّلِيَّة صفة للمجموع لا للأفراد، وهو الَّذي ذكره صاحب «المغني» في الطَّلاق.
- ج ٣ ص ٢١٢
ومنهم من قال: لا يَطْلُقُ، ولا يَعتِقُ شيء منهم؛ لأنَّ الأوَّل لا يكون إلَّا فرداً لا تعدد فيه، والفرديَّة منتفية هنا، وهو الَّذي ذكره القاضي، وابن عقيل في الطَّلاق، والسَّامريُّ، وصاحب «الكافي» .
-
ويتخرَّج وجه آخر: وهو أنَّه إن طَلَع بعدَهم غيرُهم من عبيده وزوجاته؛ طَلَقْنَ وعَتَقْنَ، وإلَّا فلا؛ بناء على أنَّ الأوَّل هو السَّابق لغيره؛ فلا يكون أوَّلاً حتَّى يأتي بعده غيره؛ فيتحقَّق بذلك له صفة الأوَّلِيَّة، وهو وجه لنا ذكره ابن عقيل وغيره.
-
وقريب من هذه المسألة: ما ذكره ابن أبي موسى في كتاب العتق؛ فقال: (واختلف قوله في الرَّجل يقول لعبيده: أيُّكم جاءني بخبر كذا فهو حرٌّ، فأتى بذلك الخبر اثنان معاً أو أكثر؛ على روايتين:
قال في إحداهما: قد عَتَق واحد منهم؛ فيقرع بينهم، فمن قَرَع صاحبَه؛ فقد عَق.
وقال في الأخرى: قد عَتَقا جميعاً) انتهى.
-
فأمَّا وجه عتقهما جميعاً؛ فظاهرٌ؛ لأنَّ «أيًّا» من صيغ العموم.
-
وأمَّا وجه عتق أحدهما بالقرعة؛ فهو أنَّ المتبادر إلى الأفهام من هذا التَّعليق الخصوصُ، وأنَّه إنَّما أريد به عتق واحد يجيء بالخبر؛ فيصير عموم هذا اللَّفظ عموم بَدلِيَّة لا عموم شمول؛ فلا يَعتِقُ به أكثر من واحد، فإذا اجتمع اثنان على الإتيان بالخبر؛ أُعتِقَ أحدُهما بالقرعة.
-
وليس هذا كما لو قال لزوجاته: أيَّتكنَّ خرجت فهي طالق، فإذا خرجن جميعاً؛ طَلَقْنَ؛ لأنَّ الخروج بالنِّسبة إلى الجميع سواء.
- ج ٣ ص ٢١٣
وأمَّا الإخبار؛ فالمقصود منه يحصل من أحد المُخبِرَيْنِ؛ فلا حاجة إلى الآخر، ولهذا قلنا على أحد الوجوه - وهو قول القاضي -: إنَّه لو قال لزوجاته: من أخبرني منكنَّ بكذا؛ فهي طالق، فأخبرنه متفرِّقات: أنَّه لَا يطلُق منهنَّ إلَّا الأولى؛ لأنَّ مقصوده من الإخبار - وهو الإعلام - حاصل بها، ولهذا لو قال: من دخل داري فله درهم، فدخل جماعة؛ فلكلِّ واحد منهم (١) درهم، ولو قال: من جاءني فله درهم، فجاءه جماعة؛ فلهم درهم واحد بينهم، ذكره القاضي في كتاب «أحكام القرآن» ، قال: لأنَّ الشَّرط وجد من الجماعة وجوداً واحداً، بخلاف دخول الدَّار؛ فإنَّ كلَّ واحد منهم وجد منه دخول كامل.
-
ولو قال رجل: من سبق فله كذا، فسبق اثنان معاً؛ ففيه وجهان:
أحدهما: السَّبَق المذكور بينهما؛ كما لو قال: من ردَّ ضالَّتي فله كذا، فردَّها جماعة.
-
والثَّاني: لكلٍّ منهم سَبَقٌ كامل؛ لأنَّه سابق بانفراده.
-
وحاصل الأمر في هذا الباب: أنَّ المعلَّق عليه تارة يكون شيئاً واحداً لا تعدُّد فيه؛ كردِّ الآبق ونحوه؛ فلا يتعدَّد المشروط بتعدُّد المحصِّلين له؛ لأنَّهم اشتركوا في تحصيل شيء واحد، فاشتركوا في استحقاق المرتَّب عليه.
- وتارة يكون قابلاً للتَّعدُّد، وهو نوعان:
-
أحدهما: ما يكون التَّعدُّد فيه مقصوداً؛ كدخول الدَّار ونحوه؛
- ج ٣ ص ٢١٤
فيتعدَّد الاستحقاق على الصَّحيح؛ كما إذا قال: من دخل داري؛ فهو حرٌّ، أو فله درهم، أو فهي طالق.
-
وكذلك يجيء على هذا إذا قال: من جاءني؛ فله درهم؛ لأنَّ تعدُّد الآتين مطلوب، بخلاف ما ذكره القاضي.
-
ومسألة السَّبْق قد يقال: هي من هذا النَّوع.
-
وقد يقال: السَّبْق إنَّما حصل من المجموع لا من كلِّ فرد منهم؛ إذ كلُّ فرد منهم ليس بسابق للباقين، بل هو سابق لمن تأخَّر عنه ومساوق (١) لمن جاء معه؛ فالمتَّصف بالسَّبْق هو المجموع، لا كلُّ فرد منهم؛ فلذلك استحقُّوا جُعْلاً واحداً، وهذا أظهر.
-
والنَّوع الثَّاني: ما لا يكون التَّعدد فيه مقصوداً؛ كالإتيان بالخبر؛ فهل يشترك الآتون به في الاستحقاق، أم يختصُّ به واحد منهم ويميَّز بالقرعة؟
-
فيه الخلاف الَّذي ذكره ابن أبي موسى، والَّذي نقله صالح عن أحمد: أنَّه يَعتِق الجميع (٢) .
-
ونقل حنبل: أنَّه يَعتِقُ واحد منهم بالقرعة (٣) .
-
وحمل أبو بكر رواية صالح: على أنَّه أراد العموم، ورواية حنبل: على أنَّه أراد واحداً غير معيَّن، وما ذكرناه أشبه.
- ج ٣ ص ٢١٥
وعلى هذا تتخرَّج مسألة: (أَوّلُكُنَّ يطلع عليَّ) ؛ إذا قيل: إنَّ الأوَّلِيَّة صفة لكلِّ واحد من المجتمعين؛ لأنَّ هذا التَّعليق لم يقصد به إلَّا واحداً غير معيَّن، لم يرد به الجميع، وأمَّا إن قيل: الأوَّلِيَّة صفة للمجموع؛ توجَّه وقوع العتق والطَّلاق على الكلِّ.
-
ومنها: لو اشتبه عبده بعبيد غيره؛ قال القاضي: قياس المذهب: أنَّه يَعتِقُ عبده الَّذي يملكه عن واجب وغيره (١) ، ثمَّ يُقرع بينهم، فيخرج عبده بالقرعة.
-
ولو اشتبهت زوجته بأجانب، فطلَّقها؛ فله إخراجها بالقرعة ونكاح البواقي، على قياس ما ذكره الأصحاب فيمن أسلم على أكثر من أربع، فطلَّق الجميع ثلاثاً: أنَّه يُخرج أربعاً بالقرعة، ثمَّ يَنكِح البواقيَ.
-
ولو اشتبهت أخته بأجنبيَّات؛ فقال القاضي في «خلافه» : لا يمتنع التمييز بالقرعة؛ كما لو زوَّج إحدى بناته برجل واشتبهت فيهنَّ؛ فإنَّها تُميَّز بالقرعة على المنصوص.
-
وفي «عمد الأدلَّة» لابن عقيل: لو اختلط عبده بأحرار؛ لم يقرع، ولو اختلط من أعتقه وله عتقه ومن لا يملك عتقه إلَّا بإجازة؛ جاز أن يقرع بينهما؛ لأنَّ القرعة لا تعمل في آكد التَّحريمين، وتعمل في أيسرهما، والله أعلم.
-
كَمَلَتِ القواعد (٢)