[٦] النقود؛ هل تتعين بالتعيين في العقد أم لا؟

٥٠ فقرة، ج ٣ ص ٢٦٤

الصفحة ١ من ٢

  1. في المسألة روايتان عن أحمد، أشهرهما: أنَّها تتعيُّن بالتَّعيين في عقود المعاوضات، حتَّى إنَّ القاضي في «تعليقه» أنكر ثبوت الخلاف في ذلك في المذهب، والأكثرون أثبتوه.

    ج ٣ ص ٢٦٤
  2. ولهذا الخلاف فوائد كثيرة:
  3. منها: أنَّه يحكم بملكها للمشتري بمجرَّد التَّعيين؛ فيملك التَّصرُّف فيها، وإذا تلفت تلفت من ضمانه على المذهب.

  4. وعلى الرِّواية الأخرى: لا يملكها بدون القبض؛ فهي قبله ملكٌ للبائع (١) ، وتتلف من ضمانه.

  5. ومنها: لو بان الثَّمن مستحَقًّا؛ فعلى المذهب الصَّحيح: يبطل العقد؛ لأنَّه وقع على ملك الغير؛ فهو كما لو اشترى سلعة فبانت مستحَقَّة.

  6. وعلى الثَّانية: لا تبطل، وله البدل.

  7. وههنا مسألة مشكلة على قاعدة (٢) المذهب: وهي إذا غصب نقوداً فاتَّجر فيها وربح؛ فإنَّ نصوص أحمد متَّفقة على أنَّ الرِّبح للمالك (٣) .

  8. فمن الأصحاب من بناه على القول بوقف تصرُّف الغاصب على الإجازة؛ كابن عقيل، وصاحب «المغني» .

    ج ٣ ص ٢٦٥
  9. ومنهم من بناه على أنَّ تصرُّفات الغاصب صحيحة بدون إجازة؛ لأنَّه تطول مدُّته (١) ، فيشقُّ استدراكها (٢) ، وفي القضاء ببطلانها ضرر عليه، وعلى المالك بتفويته الرِّبح، وهي طريقة صاحب «التَّلخيص» ، والصِّحَّة عنده مختصَّة بالتَّصرُّف الكثير، وأشار إليه صاحب «المغني» أيضاً، وأنَّ ما لم يدركه المالك ولم يقدر على استرجاعه يصحُّ التَّصرُّف فيه بدون إجازة لهذا المعنى.

  10. ومن الأصحاب من نزَّله على أنَّ الغاصب اشترى في ذمَّته، ثمَّ نقد الثَّمن، وهي طريقة القاضي في بعض كتبه، وابن عقيل في موضع آخر.

  11. ويشهد لهذا: أنَّ المروذيَّ نقل عن أحمد: التَّفرقة بين الشِّراء بعين الغصب والشِّراء في الذِّمَّة؛ فتنزَّلُ نصوصه المطلقة على هذا المقيَّد، وإنَّما كان الرِّبح للمالك مع أنَّ الشِّراء (٣) وقع للغاصب؛ لأنَّه نتيجة ملك المغصوب منه وفائدته؛ فهو كالمتولِّد من عينه.

  12. ويحتمل أن يخرَّج ذلك: على رواية عدم تعيين النُّقود بالتَّعيين (١) في العقد؛ فيبقى كالشِّراء في الذِّمَّة سواء.

    ج ٣ ص ٢٦٦
  13. ومنها: إذا بان النَّقد المعيَّن (٢) مَعيباً؛ فله حالتان:
  14. إحداهما: أن يكون عيبه (٣) من غير جنسه؛ فيبطل العقد من أصله، نصَّ عليه (٤) ، وذكره الخرقيُّ والأصحاب، وعلَّلوه: بأنَّه زال عنه اسم الدِّينار والدِّرهم بذلك؛ فلم يصحَّ العقد عليه، كما لو عقد على شاة فبانت حماراً.

  15. وأومأ إليه أحمد في رواية الميمونيِّ؛ فقال: إن كان ذهباً؛ حُمل عليه مِسَنٌّ ودخل فيه شيء من الفضَّة والنُّحاس (٥) ، أو خالطه غيره؛ فقد زال عنه اسم الذَّهب لمَا دخل فيه.

  16. وهذا متوجِّه إذا كان كلُّه أو غالبه كذلك، أمَّا (٦) إن كان فيه (٧) يسير من غير جنسه؛ فلا يزول عنه الاسم بالكليَّة؛ فلا ينبغي بطلان العقد ههنا بالكليَّة، وهذا ظاهر كلام أبي محمَّد التَّميميِّ في «خصاله» .

  17. ويحتمل: أن يبطل العقد ههنا لمعنى آخر، وهو أنَّ البائع لا يمكن إجباره على قبول هذا، وإنَّما باع بدينار كامل، والمشتري لا يجبر على دفع بقيَّة الدِّينار؛ لأنَّه إنَّما اشترى بهذا الدِّينار المتعيِّن؛ فيبطل (١) العقد.

    ج ٣ ص ٢٦٧
  18. ويحتمل: أن يصحَّ البيع بما (٢) في الدِّينار من الذَّهب بقسطه من المبيع، ويبطل في الباقي (٣) ، وللمشتري الخيار؛ لتبعُّض المبيع عليه (٤) .

  19. وأصل هذين الاحتمالين: الرِّوايتان فيما إذا باعه أرضاً معيَّنة على أنَّها عشرة أذرع فبانت تسعة.

  20. ويحتمل: أن يصحَّ البيع كلُّه بدينار، ويلزم المشتري تتمة الدِّينار من غيره ذهباً؛ لأنَّ العقد وقع على دينار كامل، فإذا بان دونه؛ وجب إتمامه؛ جمعاً بين مقصدي التَّعيين والتَّسمية.

  21. وأصل هذا الوجه: ما نصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور فيمن اشترى سمناً في ظرف، فوجد فيه رُبًّا (٥) : إن كان سمَّاناً عنده سمن؛ أعطاه بوزنه سمناً، وإن لم يكن عنده سمن؛ أعطاه بقدر الرُّبِّ من الثَّمن (٦) .

  22. وإنَّما فرَّق بين السمَّان وغيره؛ لأنَّ السمَّان شأنه بيع السمن؛ فكأنَّه باعه بمقدار الظَّرف سمناً، وأمَّا غيره؛ فإنَّما باعه هذا الظَّرف المعيَّن، والنُّقود من جنس الأوَّل لا الثَّاني.

    ج ٣ ص ٢٦٨
  23. الحالة الثَّانية: أن يكون عيبها من جنسها، ولم ينقص وزنها؛ كالسَّواد في الفضَّة؛ فالبائع بالخيار بين الإمساك والفسخ، وليس له البدل؛ لتعيين النَّقد في العقد، ومتى أمسك؛ فله الأرش، إلَّا في صرفها بجنسها، صرَّح به الحلوانيُّ، وابنه، وصاحب (١) «المحرَّر» ، وفي بعض نسخ الخرقيِّ ما يقتضيه.

  24. وظاهر كلام أبي الخطَّاب خلافه.

  25. فهذا كلُّه تفريع على رواية تعيين النُّقود.

  26. فأمَّا على الأخرى: فلا يبطل العقد بحال، إلَّا أن يتفرقا والعيب من غير الجنس؛ لفوات قبض المعقود عليه في المجلس، ولا فسخ بذلك، وإنَّما يثبت به البدل دون الأرش؛ لأنَّ الواجب في الذِّمَّة دون المعيَّن.

  27. ومنها: إذا باعه سلعة بنقد معيَّن؛ فعلى المشهور: لا يجبر واحد منهما على البِداءة بالتَّسليم (٢) ، بل ينصَّب عدل يَقبض منهما، ثمَّ يُقبضهما؛ لتعلُّق حقِّ كلٍّ منهما بعين معيَّنة؛ فهما سواء.

  28. وعلى الرِّواية الأخرى: هو كما لو باعه بنقد في الذِّمَّة؛ فيجبر البائع

    ج ٣ ص ٢٦٩أوَّلاً على التَّسليم؛ لتعلُّق حقِّ المشتري بالعين دونه، ونصَّ عليه (١) أحمد في رواية ابن منصور (٢) ، وتأوَّله القاضي على أنَّ البيع وقع على ثمن في الذِّمَّة.

  29. ومنها (٣) : لو باع (٤) سلعة بنقد معيَّن، ثمَّ أتاه به فقال: هذا الثَّمن، وقد خرج مَعيباً، وأنكر المشتري؛ ففيه طريقتان (٥) :

    إحداهما (٦) : إن قلنا: النُّقود تتعيَّن بالتَّعيين؛ فالقول قول المشتري؛ لأنَّه يدَّعي عليه استحقاق الرَّدِّ، والأصل عدمه.

  30. وإن قلنا: لا تتعيَّن، فوجهان:
  31. أحدهما: القول قول المشتري أيضاً؛ لأنَّه أقبض في الظَّاهر ما عليه.

  32. والثَّاني: قول القابض؛ لأنَّ الثَّمن في ذمَّته، والأصل اشتغالها به إلى أن يثبت براءتها منه، وهذه طريقة السَّامريِّ في «المستوعب» .

  33. والطَّريقة الثَّانية: إن قلنا: النُّقود لا تتعيَّن؛ فالقول قول البائع وجهاً واحداً؛ لأنَّه قد ثبت اشتغال ذمَّة المشتري بالثَّمن، ولم يثبت براءتها منه.

    ج ٣ ص ٢٧٠
  34. وإن قلنا: تتعيَّن؛ فوجهان مخرَّجان من الرِّوايتين فيما إذا ادَّعى كلٌّ من المتبايعين أنَّ العيب حدث عنده في السِّلعة:

    أحدهما (١) : القول قول الدَّافع (٢) ؛ لأنَّه يدَّعي سلامة العقد، والأصل معه (٣) ، ويُدَّعى عليه ثبوت الفسخ، والأصل عدمه.

  35. والثَّاني: قول القابض؛ لأنَّه ينكر (٤) التَّسليم المستحَقَّ (٥) ، والأصل معه.

  36. وهذه طريقة القاضي في بعض تعاليقه.

  37. وجزم صاحبا «المغني» و «المحرَّر» : بأنَّ القول قول البائع إذا أنكر أن يكون المردود بالعيب هو المبيع، ولم يحكيا خلافاً، ولا فصَّلا بين أن يكون المبيع (٦) في الذِّمَّة أو معيَّناً؛ نظراً إلى أنَّه يدَّعي عليه (٧) استحقاق الرَّدِّ، والأصل عدمه.

  38. وذكر الأصحاب مثل ذلك في مسائل الصَّرف.

  39. وفرَّق السَّامريُّ في «فروقه» : بين أن يكون المردود بعيب وقع عليه العقد معيَّناً؛ فيكون القول قول البائع، وبين أن يكون في الذِّمَّة؛ فيكون القول قول المشتري؛ لما تقدَّم.

    ج ٣ ص ٢٧١
  40. وهذا فيما إذا أنكر المدَّعى عليه العيبُ أنَّ ماله كان مَعيباً.