[٧] العبد هل يملك بالتمليك أم لا؟

١١٧ فقرة، ج ٣ ص ٢٧٤

الصفحة ١ من ٣

  1. في المسألة روايتان عن أحمد:

    أشهرهما عند الأصحاب: أنَّه لا يملك، وهو اختيار الخرقيِّ، وأبي بكر، والقاضي، والأكثرين.

    ج ٣ ص ٢٧٤
  2. والثَّانية: يملك، اختارها ابن شاقْلَا، وصحَّحها ابن عقيل وصاحب «المغني» .

  3. ولهذا الخلاف فوائد كثيرة جدًّا (١) :

  4. فمنها: لو ملَّك السَّيِّدُ عبدَه مالاً زكوياً:
  5. فإن قلنا: لا يملكه؛ فزكاته على السَّيِّد؛ لأنَّه مِلْكُه.

  6. وإن قلنا: يملكه؛ فلا زكاة على السَّيِّد (٢) ؛ لانتفاء ملكه له، ولا على العبد؛ لأنَّ ملكه متزلزل (٣) ، ولهذا لم يلزمه فيه نفقة الأقارب، ولا يَعتق عليه رَحِمُه بالشِّراء، هذا ما قال أكثر الأصحاب، منهم أبو بكر والقاضي، وهو ظاهر كلام الخرقيِّ، وفي كلام أحمد إيماء إليه. (٤)

  7. وحكى بعض الأصحاب رواية: بوجوب زكاته على العبد على القول: بأنَّه مِلكُه.

    ج ٣ ص ٢٧٥
  8. ومنهم من اشترط مع ذلك: إذن السَّيِّد؛ لقول أحمد: (يزكِّيه بإذن سيِّده) ، وإنَّما مراده: أنَّ المال للسَّيِّد وزكاته عليه، والعبد كالوكيل والمودَع (١) ؛ فلا يزكِّي بدون إذنه.

  9. وعن ابن حامد: أنَّه ذكر احتمالاً بوجوب زكاته على السَّيِّد على كِلَا القولين؛ لأنَّه إمَّا ملك له، أو في حكم ملكه؛ لتمكُّنه من التَّصرُّف فيه؛ كسائر أمواله.

  10. ومنها: إذا ملَّكه سيِّده عبداً، وأهلَّ عليه هلال الفطر:

    فإن قلنا: لا يملكه؛ ففطرته على السَّيِّد.

  11. وإن قلنا: يملكه؛ فوجهان:
  12. أحدهما: لا فطرة له على أحد، قاله القاضي وابن عقيل؛ اعتبارًا بزكاة المال؛ كما سبق.

  13. والثَّاني: فطرته على السَّيِّد، صحَّحه صاحب «المغني» ؛ لأنَّ نفقته على السَّيِّد؛ فكذلك فطرته.

  14. ومنها: تكفيره بالمال في الحجِّ، والأيمان، والظِّهار، ونحوها، وفيه للأصحاب طرق:

    إحداها: البناء على ملكه وعدمه، فإن قلنا: يملك؛ فله التَّكفير

    ج ٣ ص ٢٧٦بالمال في الجملة، وإلَّا فلا، وهذه طريقة القاضي، وأبي الخطَّاب، وابن عقيل، وأكثر المتأخِّرين؛ لأنَّ التَّكفير بالمال يستدعي ملك المال، فإذا كان هذا غير قابل للملك بالكليَّة؛ ففرضه الصِّيام خاصَّة.

  15. وعلى القول بالملك؛ فإنَّه يكفِّر بالإطعام.

  16. وهل يكفِّر بالعتق؟ على روايتين؛ لأنَّ العتق يقتضي الولاء والولاية والإرث، وليس العبد من أهلها.

  17. وهل يلزمه التَّكفير بالمال، أم (١) يجوز له مع إجزاء الصِّيام؟

  18. المتوجِّه: أنَّه إن كان في ملكه مال، فأذن السَّيِّد له (٢) بالتَّكفير منه؛ لزمه ذلك، وإن لم يكن في ملكه، بل أراد السَّيِّد أن يملكه ليكفِّر؛ لم يلزمه؛ كالحرِّ المعسر إذا بذل له مال.

  19. وعلى هذا يتنزَّل ما ذكره صاحب «المغني» من لزوم التَّكفير بالمال في الحجِّ، ونفي اللُّزوم في الظِّهار.

  20. الطَّريقة الثَّانية: أنَّ في تكفيره بالمال بإذن السَّيِّد روايتين مطلقتين، سواء قلنا: يملك أوْ لا يملك، حكاها القاضي في «المجرَّد» عن شيخه ابن حامد وغيره من الأصحاب، وهي طريقة أبي بكر.

  21. فوَجْه عدم تكفيره بالمال مع القول بالملك: أنَّ ملكه ضعيف لا يحتمل المواساة، ولذلك لم تجب فيه الزَّكاة ولا نفقة الأقارب؛ فكذلك الكفَّارات.

  22. ولوَجْه تكفيره بالمال مع القول بانتفاء ملكه مأخذان:
  23. أحدهما: أنَّ تكفيره بالمال إنَّما هو تبرُّعٌ له من السَّيِّد، وإباحة له أن يكفِّر من ماله، والتَّكفير عن الغير لا يُشترط دخوله في ملك المكفَّر عنه (١) ، كما نقول في روايةٍ في كفَّارة المجامع في رمضان إذا عجز عنها - وقلنا: لا تسقط (٢) -، فكفَّر غيره عنه (٣) بإذنه؛ جاز له (٤) أن يدفعها إليه، وكذلك في سائر الكفَّارات على إحدى الرِّوايتين، ولو كانت قد دخلت في ملكه؛ لم يجز أن يأخذها هو؛ لأنَّه لا يكون حينئذٍ إخراجاً للكفَّارة.

  24. والمأخذ الثَّاني: أنَّ العبد يثبت له ملك قاصر بحسب حاجته إليه، وإن لم يثبت له الملك المطلق التَّام؛ فيجوز أن يثبت له في المال المكفَّر به ملك يبيح له التَّكفير بالمال دون بيعه وهبته؛ كما أثبتنا له في الأمة ملكاً قاصراً يبيح التَّسرِّي بها دون بيعها وهبتها على ما سنذكره، وهذا اختيار الشَّيخ تقيِّ الدِّين.

  25. ووجه التَّفريق بين العتق والإطعام: أنَّ التَّكفير بالعتق يحتاج إلى ملك، بخلاف الإطعام، ذكره (٥) ابن أبي موسى.

  26. ولهذا لو أَمَر مَن عليه كفَّارة (١) رجلاً أن يطعم عنه، ففعل؛ أجزأته، ولو أَمَر أن يُعتِق عنه؛ ففي إجزائه عنه (٢) روايتان.

    ج ٣ ص ٢٧٨
  27. ولو تبرَّع الوارث بالإطعام الواجب عن موروثه؛ صحَّ، ولو تبرَّع عنه بالعتق؛ لم يصحَّ.

  28. ولو أعتق الأجنبيُّ عن كفَّارة الميِّت؛ لم يصحَّ، ولو أطعم عنه؛ فوجهان.

  29. الطَّريقة الثَّالثة: أنَّه لا يجزئه (٣) التَّكفير بغير الصِّيام بحال على كلا الرِّوايتين (٤) ، وهي ظاهر كلام أبي الخطَّاب في كتاب الظِّهار، وصاحب «التَّلخيص» ، وغيرهما؛ لأنَّ العبد وإن قلنا: إنَّه (٥) يملك؛ فإنَّ ملكه ضعيف لا يحتمل المواساة كما سبق؛ فلا يكون مخاطَباً بالتَّكفير بالمال بالكليَّة؛ فلا يكون فرضه غير الصِّيام بالأصالة، بخلاف الحرِّ العاجز؛ فإنَّه قابل للتَّملُّك.

  30. ومن ههنا - والله أعلم - قال الخرقيُّ في العبد إذا حَنِث ثمَّ عَتَق: إنَّه لا يجزئه التَّكفير بغير الصَّوم، بخلاف الحرِّ المعسر إذا حنِث ثمَّ أيسر.

    ج ٣ ص ٢٧٩وقال أيضاً في العبد إذا فاته الحجُّ: إنَّه يصوم عن كلِّ مدٍّ من قيمة الشَّاة يوماً.

    وقال في الحرِّ المعسر: إنَّه يصوم في الإحصار صيام المتمتِّع (١) .

  31. والفرق بينهما: أنَّ العبد ليس من أهل الملك القابل لتعلُّق الواجبات به؛ فيتعلَّق به وجوب الصِّيام بالأصالة، وفدية الفوات والإحصار لم يرد فيها نصٌّ بغير الهدي؛ فأوجبنا على العبد صياماً يقوم مقام الهدي، ويتعدَّل بقيمة الشَّاة، كما وجب في جزاء الصَّيد؛ لأنَّ هذا صيام واجب بالأصالة، ليس بدلاً عن الهدي، وهو معدل (٢) بالهدي، وشبيه به (٣) ؛ فيكون فرض العبد بالأصالة بخلاف الحرِّ (٤) المعسر، فإنَّ الواجب في ذمَّته بالأصالة هو الهدي، فإذا عجز عنه؛ انتقل إلى البدل الَّذي شُرِع للهدي، وهو صيام المتعة.

  32. ومنها: إذا باع عبداً وله مال، وفيه (٥) للأصحاب طرق:

  33. إحداها (٦) : البناء على ملك العبد وعدمه:
  34. فإن قلنا: يملك؛ لم تشترط (٧) معرفة المال، ولا سائر شرائط البيع

    ج ٣ ص ٢٨٠فيه؛ لأنَّه غير داخل في العقد، وإنَّما اشترط تبقيته على ملك العبد؛ ليكون عبداً ذا مال، وذلك صفة في العبد لا يفرد بالمعاوضة، وهو كبيع المكاتب الَّذي له مال.

  35. وإن قلنا: لا (١) يملك؛ اشترط لماله معرفته (٢) ، وأن يبيعه بغير جنس المال، أو بجنسه بشرط أن يكون الثَّمن أكثر على رواية، ويشترط التَّقابض؛ لأنَّ المال حينئذ داخل في عقد البيع.

  36. وهذه طريقة القاضي في «المجرَّد» ، وابن عقيل، وأبي الخطَّاب في «انتصاره» (٣) ، وغيرهم.

  37. والطَّريقة الثَّانية: اعتبار قصد المال وعدمه لا غير، فإن كان المال مقصوداً للمشتري؛ اشترط علمه وسائر شروط البيع، وإن كان غير مقصود له (٤) ، بل قصد المشتري تركه للعبد لينتفع به وحده؛ لم يشترط ذلك؛ لأنَّه تابع غير مقصود.

  38. وهذه الطَّريقة هي المنصوصة عن أحمد، واختيار أكثر أصحابه؛ كالخرقيِّ، وأبي بكر، والقاضي في «خلافه» ، وكلامه ظاهر في الصِّحَّة، وإن قلنا: إنَّ العبد لا يملك.

  39. وترجع المسألة على هذه الطَّريقة: إلى بيع ربوي بغير جنسه، ومعه

    ج ٣ ص ٢٨١من جنسه ما هو غير مقصود، وقد استوفينا الكلام عليها في القواعد (١) ، ورجَّح صاحب «المغني» هذه الطَّريقة.

  40. والطَّريقة الثَّالثة: الجمع بين الطَّريقتين، وهي طريقة القاضي في «الجامع الكبير» وصاحب «المحرَّر» ، ومضمونها: أنَّا إن قلنا: العبد يملك؛ لم يشترط لماله شروط البيع بحال، وإن قلنا: لا يملك؛ فإن كان المال مقصوداً للمشتري؛ اشترط له (٢) شرائط البيع، وإن كان غير مقصود له؛ لم يشترط له ذلك. (٣)