[٨] المضارب؛ هل يملك الربح بالظهور أم لا؟

٣٥ فقرة، ج ٣ ص ٢٩٤

  1. ذكر (١) أبو الخطَّاب: أنَّه يملكه (٢) بالظُّهور رواية واحدة.

    وقال الأكثرون: في المسألة روايتان:

    إحداهما: يملكه بالظُّهور، وهي المذهب المشهور.

    ج ٣ ص ٢٩٤
  2. والرِّواية الثَّانية: لا يملكه (٣) بدون القسمة، ونصرها القاضي في «خلافه» في المضاربة.

  3. ويستقرُّ الملك (٤) بالمقاسمة عند القاضي وأصحابه، ولا يستقرُّ بدونها.

  4. ومن الأصحاب من قال: يستقرُّ بالمحاسبة التَّامَّة؛ كابن أبي موسى وغيره، وبذلك جزم أبو بكر عبد العزيز، وهو المنصوص صريحاً عن أحمد. (٥)

  5. ولهذا الاختلاف فوائد:
  6. منها (١) : انعقاد الحول على حصَّة المضارب من الرِّبح قبل القسمة.

    ج ٣ ص ٢٩٥
  7. فإن قيل: لا يملك بدونها؛ فلا انعقاد قبلها.

  8. وإن قيل: يملك بمجرَّد الظُّهور؛ فهل ينعقد الحول عليها قبل استقرار الملك فيها، أم لا ينعقد بدون الاستقرار؟ فيه للأصحاب طرق:

    إحداها (٢) : لا ينعقد الحول عليها قبل الاستقرار بحال من غير خلاف، وهي طريقة القاضي في «المجرَّد» و «الخلاف» ومن اتَّبعه، وكذلك طريقة أبي بكر وابن أبي موسى، إلَّا أنَّ القاضي عنده الاستقرار: بالقسمة، وعندهما: بالمحاسبة التَّامَّة؛ فينعقد الحول عندهما بالمحاسبة، وهو المنصوص عن أحمد رحمه الله في رواية صالح وابن منصور وحنبل (٣) .

  9. والطَّريقة الثَّانية: إن قلنا: يملكه بالظُّهور؛ انعقد عليه الحول من حينه، وإلَّا فلا، وهي طريقة القاضي في موضع من «الجامع الصَّغير» ، وأبي الخطَّاب.

  10. والطَّريقة الثَّالثة: إن قلنا: لا يثبت الملك قبل الاستقرار؛ لم ينعقد الحول، وإن قلنا: يثبت بدونه؛ فهل ينعقد قبله؟ على وجهين، وهي طريقة ابن عقيل، وصاحبي «المغني» و «المحرَّر» ، ولكنَّهما رجَّحا عدم الانعقاد، وابن عقيل صحَّح الانعقاد في باب المضاربة.

    ج ٣ ص ٢٩٦
  11. وأمَّا ربُّ المال؛ فعليه زكاة رأس ماله مع حصَّته من الرِّبح، وينعقد الحول عليها بالظُّهور.

  12. وأمَّا بقيَّة الرِّبح؛ فلا يلزمه زكاته، سواء قلنا: يملكه العامل بالظُّهور أو لا، في ظاهر كلام أحمد، وهو قول القاضي والأكثرين؛ لأنَّه إن سَلِم؛ فهو للعامل، وإن تلف؛ فات عليهما.

  13. وحكى أبو الخطَّاب عن القاضي: أنَّه يلزمه زكاته إذا قلنا: لا يملكه العامل بدون القسمة، وهو ظاهر كلام القاضي في «خلافه» في مسألة المزارعة، وهو ضعيف.

  14. ومنها: لو اشترى العامل بعد ظهور الرِّبح من يعتق عليه بالملك؛ ففيه طريقان:

    أحدهما: البناء على الملك بالظُّهور وعدمه، فإن قلنا: يملك به؛ عتق عليه، وإلَّا فلا، كذلك قال القاضي في «خلافه» ، وابنه أبو الحسين، وأبو الفتح الحلوانيُّ.

  15. والطَّريق الثَّاني: إن قلنا: لا يملك بالظُّهور؛ لم يعتق، وإن قلنا: يملك به؛ فوجهان - كذا قال جماعة منهم صاحب «التَّلخيص» -:

    ج ٣ ص ٢٩٧أحدهما: يعتق عليه؛ للملك، وهو قول القاضي وأبي الخطَّاب، وأومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور.

  16. والثَّاني: لا يعتق؛ لعدم استقرار الملك، وهو قول أبي بكر في «التَّنبيه» ؛ فإنَّ الملك فيه غير تامٍّ، ولهذا لا يجري في حول الزَّكاة كما سبق، والعتق يستدعي ملكاً تامًّا، بدليل أنَّ المكاتب لا يعتق عليه ذو رحمه بملكه.

  17. والأوَّل أصحُّ؛ فإنَّ العتق يسري إلى ملك الأجنبيِّ المحض، ولا يمنعه الدَّين، بخلاف الزَّكاة، والمكاتب ليس من أهل التَّبرُّع، ولهذا لو باشر العتق بقوله؛ لم ينفذ؛ فكذا بالملك، وأولى.

  18. وعلى هذا؛ إذا اشترى رَحِمَهُ بعد ظهور الرِّبح؛ عتق عليه منه بقدر حصَّته، ثمَّ إن كان موسراً سرى عليه؛ لأنَّ العتق بالشِّراء، وهو من فعله باختياره.

  19. ولو اشترى قبل ظهور الرِّبح، ثمَّ ظهر الرِّبح بارتفاع الأسواق - وقلنا: يملك به -؛ عتق عليه نصيبه، ولم يسرِ؛ إذ لا اختيار له في ارتفاع الأسواق، ذكره في «التَّلخيص» .

  20. ومنها: لو وطئ العامل أمةً من مال المضاربة بعد ظهور الرِّبح، فإن قلنا: يملكه بالظُّهور؛ فالولد حرٌّ، وعليه قيمة الأمة، وتصير أمَّ ولد له، وإن لم يكن ظهر (١) ربح؛ لم يثبت شيء من ذلك، ونصَّ عليه (٢) أحمد

    ج ٣ ص ٢٩٨في رواية ابن منصور (١) .

  21. وهل عليه الحدُّ إذا لم يكن ظهر ربح؟ على وجهين:

    أحدهما: لا حدَّ عليه، ويعزَّر، ونصَّ عليه في رواية ابن منصور (٢) ، واختاره صاحب «المغني» ؛ لأنَّ الرِّبح ينبني على التَّقويم، وهو أمر اجتهادي لا يقطع به.

  22. والثَّاني: عليه الحدُّ، قاله القاضي؛ لانتفاء الملك وشبهته.

  23. ومنها: لو اشترى العامل لنفسه من مال المضاربة، فإن لم يظهر ربح؛ صحَّ، نصَّ عليه (٣) ؛ لأنَّه ملك لغيره.

  24. وكذلك إن ظهر ربح وقلنا: لا يملكه بالظُّهور.

  25. وإن قلنا: يملكه به (٤) ؛ فهو كشراء أحد الشَّريكين من مال الشركة، والمذهب: أنَّه يبطل في قدر حقِّه؛ لأنَّه ملكه؛ فلا يصحُّ شراؤه له، وفي الباقي روايتا تفريق الصَّفقة.

  26. وخرَّج أبو الخطَّاب رواية بصحَّته في الكلِّ، من الرِّواية الَّتي نُجيز

    ج ٣ ص ٢٩٩فيها لربِّ المال أن يشتري من مال المضاربة لنفسه؛ لأنَّ علاقة حقِّ المضارب به صيَّرته كالمنفرد عن ملكه؛ فكذا المضارب مع ربِّ المال، وأولى.

  27. ومنها: لو اشترى العامل شقصاً للمضاربة وله فيه شركة؛ فهل له الأخذ بالشُّفعة؟ فيه طريقان (١) :

    إحداهما: ما قال أبو الخطَّاب ومن تابعه: فيه وجهان:

    أحدهما: لا يملك الأخذ، واختاره في «رؤوس المسائل» ؛ لأنَّه يتصرَّف لربِّ المال، فامتنع أخذه، كما يمتنع شراء الوصيِّ والوكيل مما (٢) يتولَّيان بيعه.

  28. والثَّاني: له الأخذ، وخرَّجه من وجوب الزَّكاة عليه في حصَّته؛ فإنَّه يصير حينئذ شريكاً، يتصرَّف لنفسه ولشريكه، ومع تصرُّفه لنفسه تزول التُّهمة، ولأنَّه يأخذ بمثل الثَّمن المأخوذ به؛ فلا تهمة، بخلاف شراء الوصيِّ والوكيل، وعلى هذا؛ فالمسألة مقيَّدة بحال (٣) ظهور الرِّبح ولا بدَّ.

  29. والطَّريقة الثَّانية: ما قال صاحب «المغني» : إن لم يكن في المال ربح، أو كان وقلنا: لا يملكه بالظُّهور؛ فله الأخذ؛ لأنَّ الملك لغيره، فله الأخذ منه.

  30. وإن كان فيه ربح، وقلنا: يُملك بالظُّهور؛ ففيه الوجهان؛ بناء على شراء العامل من مال المضاربة بعد ملكه من الرِّبح على ما سبق.

    ج ٣ ص ٣٠٠
  31. ومنها: لو أسقط العامل حقَّه من الرِّبح بعد ظهوره، فإن قلنا: يملكه بالظُّهور؛ لم يسقط.

  32. وإن قلنا: لا يملكه بدون القسمة؛ فوجهان، وقد سبقت في القواعد (١) .

  33. ومنها: لو قارض المريضُ، وسمَّى للعامل فوق تسمية المثل؛ فقال القاضي والأصحاب: يجوز، ولا يحسب من الثُّلُث؛ لأنَّ ذلك لا يُؤخذ من ماله، وإَّنما يستحقُّه بعمله من الرِّبح الحادث؛ فيحدث على ملك العامل دون المالك.

  34. وهذا إنَّما يتوجه على القول بأنَّه يملكه بالظُّهور.

  35. فإن قلنا: لا يملكه بدون القسمة؛ احتمل أن يحسب من الثُّلث؛ لأنَّه خارج حينئذ من ملكه، واحتمل ألَّا يحتسب منه، وهو ظاهر كلامهم؛ لأنَّ المال الحاصل لم يفوِّت عليهم منه شيئاً، وإنَّما زادهم فيه ربحاً.