[١٩] القسمة؛ هل هي إفراز أو بيع؟
٨٨ فقرة، ج ٣ ص ٣٧٠
الصفحة ١ من ٣
- ج ٣ ص ٣٧٠
المذهب: أنَّ قسمة الإجبار - وهي ما لا يحصل فيه ردُّ عوض من أحد الشَّريكين ولا ضرر عليه (١) -؛ إفراز لا بيع.
-
وذهب ابن بطَّة: إلى أنَّها كالبيع في أحكامه (٢) .
قال الشَّيخ مجد الدِّين: (الَّذي يتحرَّر عندي فيما فيه ردٌّ: أنَّه بيع فيما يقابل الرَّدَّ، وإفراز في الباقي؛ لأنَّ الأصحاب (٣) قالوا في قسمة الطَّلق عن الوقف: إذا كان فيها ردٌّ من جهة صاحب الوقف؛ جاز؛ لأنَّه يشترى به الطَّلق، وإن كان من جهة صاحب الطَّلق؛ لم يجز).
-
ويتفرَّع على الاختلاف في كونها إفرازاً أو بيعاً فوائد كثيرة:
منها: لو كان بينهما ماشية مشتركة، فقسَّماها (٤) في أثناء الحول، واستداما خلطة الأوصاف، فإن قلنا: القسمة إفراز؛ لم ينقطع الحول
ج ٣ ص ٣٧١بغير خلاف، وإن قلنا: بيع؛ خُرِّج على بيع الماشية بجنسها في أثناء الحول؛ هل يقطعه أم لا؟
-
ومنها: إذا تقاسما وصرَّحا بالتَّراضي، واقتصرا على ذلك؛ فهل يصحُّ؟
-
إن قلنا: هي إفراز؛ صحَّت.
-
وإن قلنا: هي بيع؛ فوجهان ذكرهما صاحب «التَّرغيب» ، وكأن مأخذهما الخلاف في اشتراط الإيجاب والقبول.
-
وظاهر كلامه: أنَّها تصحُّ بلفظ القسمة على الوجهين.
-
ويتخرَّج ألَّا يصحَّ من الرِّواية الَّتي حكاها في «التَّلخيص» باشتراط لفظ البيع والشِّراء في البيع (١) .
-
ومنها: لو تقاسموا ثمر النَّخل والعنب على الشَّجر، أو الزَّرع المشتدَّ في سنبله خرصاً، أو الرِّبويَّات على ما يختارون من كيل أو وزن، فإن قلنا: هي إفراز؛ جاز، نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم في جواز القسمة بالخرص.
-
وإن قلنا: بيع؛ لم يصحَّ.
-
وفي «التَّرغيب» إشارة إلى خلاف في الجواز مع القول بالإفراز.
-
وكذلك لو تقاسموا الثَّمر على الشَّجر قبل صلاحه بشرط التَّبقية؛ فيجوز على القول بالإفراز دون البيع.
-
ومنها: لو تقاسموا أموالاً رِبويَّة؛ جاز أن يتفرَّقوا قبل القبض على
ج ٣ ص ٣٧٢القول بالإفراز، ولم يجز على القول بالبيع.
-
ومنها: لو كان بعض العقار وقفاً وبعضه طلقاً، وطلب أحدهما القسمة؛ جازت إن قلنا: هي إفراز.
-
وإن قلنا: بيع؛ لم يجز؛ لأنَّه بيع للوقف.
-
فأمَّا إن كان الكلُّ وقفاً؛ فهل يجوز قسمته؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنَّه كإفراز الطلق (١) من الوقف سواء، وهو المجزوم به في «المحرَّر» .
-
والثَّاني: أنَّه لا تصحُّ (٢) القسمة على الوجهين جميعاً على الأصح، وهي طريقة «التَّرغيب» .
-
وعلى القول بالجواز؛ فهو مختصٌّ بما إذا كان وقفاً على جهتين لا على جهة واحدة، صرَّح به الأصحاب، نقله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣) .
-
ومنها: قسمة المرهون كلِّه أو بعضه مشاعاً، إن قلنا: هي إفراز، صحَّت.
- ج ٣ ص ٣٧٣
وإن قلنا: بيع؛ لم تصحَّ (١) .
-
ولو استضرَّ بها المرتهن؛ بأن رهنه أحد الشَّريكين حصَّة من بيت معيَّن من دار، ثمَّ اقتسما فحصل البيت في حصَّة شريكه؛ فظاهر كلام القاضي: أنَّه لا يمنع منه على القول بالإفراز.
وقال صاحب «المغني» : يمنع منه.
-
ومنها: إذا اقتسما أرضاً، فبنى أحدهما في نصيبه وغرس، ثمَّ استحِقَّت الأرض، فقُلع غرسه وبناؤه، فإن قلنا: هي إفراز؛ لم يرجع على شريكه.
-
وإن قلنا: بيع؛ رجع عليه بقيمة النَّقص إذا كان عالماً بالحال دونه، ذكره في «المغني» .
-
وجزم القاضي بالرُّجوع عليه مع قوله: إنَّ القسمة إفراز.
- ومنها: ثبوت الخيار فيها، وفيه طريقان:
-
أحدهما: ينبني على الخلاف، فإن قلنا: إفراز؛ لم يثبت فيها خيار، وإن قلنا: بيع؛ ثبت، وهو المذكور في «الفصول» و «التَّلخيص» ، وفيه ما يوهم اختصاص الخلاف بخيار المجلس، فأمَّا خيار الشَّرط؛ فلا (٢) يثبت فيها على الوجهين.
-
والثَّاني: يثبت فيها خيار المجلس وخيار الشَّرط على الوجهين جميعاً، قاله القاضي في «خلافه» ، معلِّلاً: بأنَّ ذلك جعل للارتياء فيما
ج ٣ ص ٣٧٤فيه الحظُّ، وهذا المعنى موجود في القسمة.
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وهذا صريح في أنَّ قسمة التَّراضي إفراز؛ لأنَّ قسمة الإجبار لا معنى لثبوت الخيار فيها؛ إذ في كلِّ لحظة يملك الإجبار؛ فلا ينفع ثبوت الخيار في فسخها.
-
وذكر أيضاً: أنَّه حيث وجبت القسمة؛ فينبغي أن تكون (١) لازمة؛ لأنَّ أحدهما إذا فسخها؛ كان للآخر مطالبته بإعادتها؛ فلا فائدة فيه، وقد يكون فيه ضرر على أحدهما؛ فإنَّه قد يتصرَّف فيما حصل له وبغيره، فإذا نُقضت القسمة؛ تضرر بذلك، ولم يحصل له الانتفاع، ولا سيَّما إن تكرر ذلك من شريكه مضاررة. (٢)
قلت: ويشهد لهذا ما ذكره القاضي في «خلافه» في المعسر بالنَّفقة إذا طلَّق الحاكم عليه رجعيًّا، ثمَّ ارتجع من غير يسار تجدَّد له: أنَّه لا تصحُّ رجعته؛ لما فيه من إعادة الضَّرر الَّذي أزلناه بالطَّلاق.
وقال ابن عقيل في «عمد الأدلَّة» ، وصاحب «المغني» : له الرَّجعة، فإذا ارتجع؛ عادت المطالبة له، فإن أبى؛ طلَّق عليه حتَّى يستوفي الطَّلاق الثَّلاث.
-
وأخذه ابن عقيل من المُولي إذا طلَّق في أثناء المدَّة بعد طلب الفيئة (٣) طلاقاً رجعيًّا، فإنَّ له الرَّجعة، ويطالب بالفيئة (٤) ثانياً.
- ج ٣ ص ٣٧٥
والقاضي يفرِّق بينهما: بأنَّ رجعة المُولي أقرب إلى حصول مقصود المرأة من الفيئة من حال العدَّة الجارية إلى البينونة، بخلاف رجعة المعسر.
-
ولكن لا يتوجَّه على قول ابن عقيل: التَّمكينُ من فسخ قسمة الإجبار هنا؛ لأنَّ الضَّرر في الطَّلاق لا يتأبَّد؛ لأنَّه محدود بثلاث مرَّات، بخلاف ضرر الفسخ هنا؛ فإنَّه لا نهاية له.
-
وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّ المولي إذا طلَّق؛ لم يمكَّن من الرَّجعة إلَّا بشرط أن يفيء؛ لأنَّ أصل الرَّجعة إنَّما أباحها الله تعالى لمن أراد الإصلاح؛ فكيف بالمولي الَّذي ظهر (١) منه قصد الإضرار؟! فلا يمكَّن من الرَّجعة بدون شرط الفيئة؛ لئلَّا يكون ارتجاعه زيادة في الإضرار (٢) .
-
وذكر في «الكافي» في هذه المسألة: أنَّهما إن اقتسما بأنفسهما؛ لم تلزم القسمة إلَّا بتراضيهما وتفرُّقهما (٣) ؛ كالبيع، وإن قسم بينهما الحاكم، أو قاسمه، أو رجل عالم (٤) نصباه بينهما؛ لزمت قسمته بغير رضاهما، إلَّا أن يكون فيها ردٌّ؛ فوجهان؛ نظراً إلى أنَّها بيع، فيقف على الرِّضا، وإلى أنَّ القاسم كالحاكم، وقرعته كحكمه.
- ومنها: ثبوت الشُّفعة بها (٥) ، وفيه طريقان:
- ج ٣ ص ٣٧٦
أحدهما: بناؤه على الخلاف، فإن قلنا: إفراز؛ لم يثبت، وإن قلنا: بيع؛ ثبتت، وهو ما ذكره السَّامريُّ في باب الرِّبا.
-
والثَّاني: لا يوجب الشُّفعة على الوجهين، قاله القاضي وصاحب «المحرَّر» ؛ لأنَّه لو ثبت لأحدهما على الآخر؛ لثبت للآخر عليه، فيتنافيان (١) .
-
ومنها: قسمة المتشاركين في الهدي والأضاحي اللَّحمَ، فإن قلنا: إفراز؛ جازت، وإن قلنا: بيع؛ لم يجز، هذا ظاهر كلام الأصحاب.
-
ومنها: لو حلف لا يبيع، فقاسم، فإن قلنا: القسمة بيع؛ حنث، وإلَّا فلا، ذكره الأصحاب.
-
وقد يقال: الأيمان محمولة على العرف، ولا تسمَّى القسمة بيعاً في العرف؛ فلا يحنث بها، ولا بالحوالة، ولا بالإقالة، وإن قيل: هي بيوع.
-
ومنها: لو اقتسم الورثة التَّركة، ثمَّ ظهر على الميت دين أو وصيَّة: فإن قلنا: هي إفراز؛ فالقسمة باقية على الصِّحَّة.