قاعدة [٤٠] الأحكام المتعلقة بالأعيان بالنسبة إلى تبدل الأملاك واختلافها عليها نوعان
٣١ فقرة، ج ١ ص ٢٥٣
- ج ١ ص ٢٥٣
أحدهما: ما يتعلَّق الحكم فيه بملك واحد، فإذا زال ذلك الملك؛ سقط الحكم، وصور ذلك كثيرة:
منها: الإجارة، فمن استأجر شيئاً مدَّة، فزال ملك صاحبه عنه بتملُّك قهريٍّ (١) يشمل العين والمنفعة، ثمَّ عاد إلى ملك المؤجر والمدَّة باقية؛ لم تعد الإجارة، هذا هو الظَّاهر؛ لأنَّ ملك المستأجر زال عن المنافع، وثبت له الرُّجوع على المالك بقسطه من الأجرة، فإذا استوفاه منه؛ لم يبقَ له حقٌّ، فتعود العين بمنافعها ملكاً للمؤجر.
-
أمَّا إن لم يستوفِ شيئاً؛ فقد سبق نظائرها في قاعدة: من تعذَّر عليه الأصل واستقرَّ حقُّه في البدل، ثمَّ وجد الأصل (٢) ؛ فيحتمل وجهين، والأظهر هنا عدم استحقاق المنافع؛ لأنَّ حقَّه سقط منها وانتقل إلى بدلها.
- ج ١ ص ٢٥٤
ومنها: الإعارة، فلو أعاره شيئاً، ثمَّ زال ملكه عنه، ثمَّ عاد؛ لم تعد الإعارة.
-
ومنها: الوصيَّة تبطل بإزالة الملك، ولا تعود (١) بعوده.
-
ومنها: الهبة قبل القبض وسائر العقود الجائزة كالوكالة وغيرها.
-
ومنها: لو أذن السَّيِّد لعبده في النِّكاح، فتزوَّج ثمَّ طلَّق، فإن كان الطَّلاق رجعيًّا؛ فله الرَّجعة بدون إذن السَّيِّد، ذكره القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب؛ لأنَّ الملك قائم بعدُ، وإن كان بائناً لم يملك إعادتها بدون إذن (٢) ؛ لأنَّه تجديد ملكٍ، والإذن مطلقٌ؛ فلا يتناوَل أكثر من مرَّة.
-
النَّوع الثَّاني: ما يتعلَّق الحكم فيه بنفس العين من حيث هي تعلَّقاً لازماً؛ فلا يختصُّ تعلُّقه بملك دون ملك، وله صور:
منها: الرَّهن، فإذا رهن عيناً رهناً لازماً، ثمَّ زال ملكه عنها بغير اختياره، ثمَّ عاد؛ فالرَّهن باق بحاله؛ لأنَّه وثيقة لازمة للعين، فلا تنفكُّ بتبدُّل الأملاك؛ كأرش الجناية؛ غير أنَّ الأرش لازم لرقبة الجاني بدون القبض، والرَّهن لا يلزم أو لا يصحُّ بدون القبض.
- وذكر الأصحاب صوراً يعود فيها الرَّهن بعود الملك:
-
منها: لو سبى الكفَّار العبد المرهون، ثمَّ استُنقِذ منهم؛ عاد رهناً بحاله، نصَّ عليه أحمد.
- ج ١ ص ٢٥٥
ومنها: لو تخمَّر العصير المرتهن ثم تخلَّل؛ فإنَّه يعود رهناً كما كان.
-
وكذلك يعود الرَّهن بعد زواله وإن كان ملك الرَّاهن باقياً عليه في مواضع:
منها: لو صالحه من دين الرَّهن على ما يشترط قبضه في المجلس؛ صحَّ الصُّلح، وبرئت ذمَّته من الدَّين، وزال الرَّهنُ، فإن تفرَّقا قبل القبض؛ بطل الصُّلح، وعاد الدَّين والرَّهن بحاله.
-
ومنها: ما قاله أبو بكر: إنَّه إن أعاد الرَّهن إلى الرَّاهن؛ بطل (١) الرَّهن، فإن عاد إليه عاد رهناً كما كان.
-
وفي كلام أحمد نحوه، وتأوَّله القاضي وابن عقيل على أنَّه بطل لزومُه؛ لأنَّه لو بطل بالكليَّة لم يعد بدون عقد، وهذا باطل بمسألة الصُّلح، وقد وافقا عليها، والظَّاهر أنَّ الرَّهن لا يبطل بعد لزومه بدون رضى المرتهن.
-
ومن صور هذا (٢) النَّوع: المكاتب؛ فإنَّ الكتابة عقدٌ لازمٌ ثابتٌ في الرَّقبة؛ فلا يسقط بانتقال الملك فيه.
-
ومنها: الأضحية المعيَّنة (٣) ، فإنَّ الحقَّ ثابتٌ في رقبتها لا يزول
ج ١ ص ٢٥٦بدون اختيار المالك (١) ، فإذا تعيَّبت؛ خرجت عن كونها أضحية، فإذا زال العيب؛ عادت أضحية كما كانت، ذكره ابن عقيل في «عُمَدِه» .
-
ومنها: التَّدبير على إحدى الرِّوايتين.
-
ومنها: رجوع الزَّوج في نصف الصَّداق بعد الفرقة؛ فإنَّه يستحقُّه؛ سواء كان قد زال ملك الزَّوجة عنه ثمَّ عاد أو لم يَزُل؛ لأنَّ حقَّه يتعلَّق (٢) بعينه.
-
ومنها: عُروض التِّجارة إذا خرجت عن ملكه بغير اختياره، ثمَّ عادت؛ فإنَّه لا ينقطع الحول بذلك، كما إذا تخمَّر العصير ثمَّ تخلَّل، ذكره ابن عقيل وغيره.
-
ومنها: صفة الطَّلاق تعود بعَوْدِ النِّكاح، وسواء وجدت في زمن البينونة أو لم توجد على المذهب الصَّحيح.
-
ومنها: صفة العتق تعود بعود ملك الرَّقيق في أشهر الرِّوايتين.
-
وفي الأخرى: لا تعود إذا وجدت الصِّفة بعد زوال الملك.
-
وفرَّق القاضي بين الطَّلاق والعتاق: بأنَّ ملك الرَّقيق لا ينبني فيه أحد الملكين على الآخر (٣) ، بخلاف النِّكاح؛ فإنَّه يبنى فيه أحد
ج ١ ص ٢٥٧الملكين على الآخر في عدد الطَّلقات على الصَّحيح.
-
وهذا التَّفريق لا أثر له؛ إذ لو كان معتبراً لم يشترط لعدم الحنث وجود الصِّفة في غير الملك.
-
ومنها: الرَّدُّ بالعيب لا يمتنع بزوال الملك إذا لم يدلَّ على الرِّضى.
-
وههنا صور مختلف في إلحاقها بأحد النَّوعين، وهي محتملة (١) :
فمنها: رجوع الأب فيما وهبه لولده إذا أخرجه الابن عن ملكه ثمَّ عاد إليه؛ فهل يسقط حقُّه من الرُّجوع أم لا؟
-
ومنها: رجوع غريم المفلس في السِّلعة الَّتي وجدها بعينها، وكان المفلس قد أخرجها عن ملكه ثمَّ عادت إليه.
-
وفي المسألتين ثلاثة أوجه:
أحدها: لا حقَّ لهما فيها؛ لأنَّ حقَّهما يتعلّق (٢) بالعقد الأوَّل المتلقَّى عنهما، والثَّاني غير متلقًّى عنهما، فلا يستحقَّان فيه رجوعاً (٣) .
- ج ١ ص ٢٥٨
والثَّاني (١) : لهما الرُّجوع؛ نظراً إلى أنَّ حقَّهما ثابت في العين، وهي موجودة؛ فأشبه الرَّدَّ بالعيب.
-
والثَّالث (٢) : إن عاد بملك جديد سقط حقُّهما، وإن عاد بفسخ العقد (٣) فلهما الرُّجوع؛ لأنَّ الملك العائد بالفسخ تابعٌ للملك الأوَّل؛ فإنَّ الفسخ رفع للعقد الحادث (٤) ؛ فيعود الملك كما كان.
-
ومنها: الفراش، فإذا وطئ أمة له، ثمَّ باعها ووطئ أختها بالملك (٥) ، ثمَّ عادت الأولى إلى ملكه؛ فهل يعود الفراش أم لا؟ على وجهين:
أشهرهما: أنَّه يعود، وهو المنصوص؛ فيجب عليه اجتنابهما؛ حتَّى يحرِّم إحداهما.
-
والثَّاني: له استدامة استفراش الثَّانية ويجتنب الرَّاجعة؛ لزوال الفراش فيها بزوال الملك، وهو اختيار صاحب «المحرَّر» .