قاعدة [٤٢] في أداء الواجبات المالية. وهي منقسمة إلى دين وعين
٢٧ فقرة، ج ١ ص ٢٦١
- ج ١ ص ٢٦١
فأمَّا الدَّين؛ فلا يجب أداؤه بدون مطالبة المستحِقِّ إذا كان آدميًّا، حتَّى ذكر ابن عقيل في جواز السَّفر قبل المطالبة وجهين.
-
وهذا ما لم يكن قد عيَّن له وقتاً للوفاء.
-
فأمَّا إن عيَّن وقتاً كيوم كذا؛ فلا ينبغي أن يجوز تأخيره عنه؛ لأنَّه لا فائدة للتَّوقيت إلَّا وجوب الوفاء فيه بدون مطالبته، فإنَّ تعيين الوفاء فيه أولًّا كالمطالبة به.
-
وأمَّا إن كان الدَّين لله عزَّ وجلَّ؛ فالمذهب: أنَّه يجب أداؤه على الفور؛ لتوجُّه الأمر بأدائه من الله عزَّ وجلَّ، ودخل في ذلك الزَّكاة والكفَّارات والنُّذور، وقد نصَّ أحمد على إجبار المظاهِر على الكفَّارة في رواية ابن هانئ (١) (٢) .
- ج ١ ص ٢٦٢
وأمَّا العين؛ فأنواع:
منها: الأمانات الَّتي حصلت في يد المؤتمن برضى صاحبها؛ فلا يجب أداؤها إلَّا بعد المطالبة منه، ودخل في ذلك الوديعة، وكذلك أموال الشَّركة والمضاربة والوكالة مع بقاء عقودها.
-
ومنها: الأمانات الحاصلة في يده بدون رضى أصحابها؛ فيجب المبادرة إلى ردِّها مع العلم بمستحِقِّها والتَّمكُّن منه، ولا يجوز التَّأخير مع القدرة، ودخل في ذلك اللُّقَطَةُ إذا علم صاحبها، والوديعة والمضاربة والرَّهن ونحوها إذا مات المؤتمن وانتقلت إلى وارثه؛ فإنَّه لا يجوز الإمساك بدون إذنٍ؛ لأنَّ المالك لم يرضَ به.
-
وكذلك من أطارت الرِّيح إلى داره ثوباً لغيره، لا يجوز له الإمساك مع العلم بصاحبه.
-
ثمَّ إنَّ كثيراً من الأصحاب قالوا ههنا: الواجب الرَّدُّ.
-
وصرَّح كثير منهم بأنَّ الواجب أحد شيئين: إمَّا الرَّدُّ، أو الإعلام، كما في «المغني» و «المحرَّر» و «المستوعب» ونحوه ذكر ابن عقيل، وهو مراد غيرهم؛ لأنَّ مؤنة الرَّدِّ لا تجب عليه، وإنَّما الواجب التَّمكين من الأخذ.
- ج ١ ص ٢٦٣
ثمَّ إنَّ الثَّوب هل يحصل في يده بسقوطه في داره من غير إمساك له أم لا؟ قال القاضي: لا يحصل في يده بذلك.
-
وخالف ابن عقيل، والخلاف هنا منزَّل على الخلاف فيما حلَّ في أرضه من المباحات؛ هل يملكها بذلك أم لا (١) ؟
-
وكذلك حكم الأمانات إذا فسخها المالك؛ كالوديعة، والوكالة، والشركة، والمضاربة؛ يجب الرَّدُّ على الفور؛ لزوال الائتمان، صرَّح به القاضي في «خلافه» ، وسواء كان الفسخ في حضرة الأمين أو غيبته.
-
وظاهر كلامه: أنَّه يجب فعل الرَّدِّ، فإنَّ العلم هنا حاصل للمالك.
-
وكذلك جعل ضمان الزَّكاة مبنيًّا على حصولِها في يده بغير رضى المستحِقِّ، وأوجب عليه البداءة بالدَّفع، وقاسها على اللُّقَطَة ونحوها؛ فدلَّ على أنَّ فعل الدَّافع في هذه الأعيان عنده واجب.
-
وعلى قياس ذلك: الرَّهن بعد استيفاء الدَّين، والعين المؤجرة بعد انقضاء المدَّة.
-
وذكر طائفة من الأصحاب في العين المؤجَّرة: أنَّه لا يجب على المستأجر فعل الرَّدِّ، ومنهم من ذكر في الرَّهن كذلك، وسيأتي في القاعدة الَّتي تليها.
-
وأمَّا الأعيان المملوكة بالعقود قبل تقبيضها؛ فالأظهر أنَّها من هذا القبيل؛ لأنَّ المالك لم يرضَ بإبقائها في يد الآخر؛ فيجب التَّمكين من الأخذ ابتداءً؛ بدليل أنَّه لا يجوز عندنا حبس المبيع على الثَّمن.
- ج ١ ص ٢٦٤
وذكر ابن عقيل في الصَّداق: أنَّه إذا تلف (١) قبل المطالبة أو بعدها وقبل التَّمكُّن (٢) من الأداء؛ أنَّه لا يضمن؛ كسائر الأمانات، وقاسه على من أطارت الرِّيح إلى داره ثوباً.
-
وهذا الكلام فيه نظرٌ؛ فإنَّ الثَّوب لا يقف ضمانُه على المطالبة، لكنَّ مراده - والله أعلم -: أنَّ العلم (٣) يكفي، فمتى كان المالك عالماً ولم يطلب فلا ضمان إذا لم تكن مؤنة الرَّدِّ واجبة على من هو عنده، وهذا حسن.
-
ومنها: الأعيان المضمونة؛ فيجب المبادرة إلى الرَّدِّ بكلِّ حال، وسواء كان حصولها في يده بفعل مباح أو محظور أو بغير فعله.
-
فالأوَّل: كالعواري، يجب ردُّها إذا استوفى منها الغرض المستعار له، قاله الأصحاب.
-
وهذا إذا انتهى قدر الانتفاع المأذون فيه؛ متوجِّه، وسواء طالب المالك أو لم يطالب؛ لأنَّها من قبيل المضمونات؛ فهي شبيهة بالغُصُوبِ.
-
وكذا حكم المقبوض للسَّوم.
-
ويستثنى من ذلك: المبيع المضمون على بائعه؛ فلا يجب عليه
ج ١ ص ٢٦٥سوى تمييزه وتمكين المشتري من قبضه؛ لأنَّ نقله على المشتري دون البائع.
-
والثَّاني: كالغصوب (١) ، والمقبوض بعقد فاسد، ونحوهما.
-
والثَّالث: كالزَّكاة إذا قلنا: تجب في العين (٢) ؛ فتجب المبادرة إلى الدَّفع إلى المستحِقِّ مع القدرة عليه من غير ضرر؛ لأنَّها من قبيل المضمونات عندنا.
-
وكذلك الصَّيد إذا أحرم وهو في يده، أو حصل في يده بعد الإحرام بغير فعل منه (٣) .