قاعدة [٤٣] فيما يضمن من الأعيان بالعقد أو باليد.
٥٢ فقرة، ج ١ ص ٢٦٦
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٦٦
القابض لمال غيره لا يخلو؛ إمَّا أن يقبضه بإذنه أو بغير إذنه:
فإن قبضه بغير إذنه؛ فإن استند إلى إذن شرعي؛ كاللُّقَطَة؛ لم يضمن، وكذا إن استند إلى إذن عرفيٍّ؛ كالمنقذ لمال غيره من التَّلف ونحوه، وحكى في «التَّلخيص» وجهاً بضمان هذا، وفيه بُعْد.
-
ونصَّ أحمد على أنَّ من أخذ عبداً آبقاً ليردَّه، فَأَبَق منه؛ فلا ضمان عليه (١) ، لكن قد يقال: هنا إذن شرعيٌّ في أخذ الآبق ليردَّه (٢) .
-
وإن خلا عن ذلك كلِّه (٣) ؛ فهو متعدٍّ، وعليه الضَّمان في الجملة.
- ج ١ ص ٢٦٧
هذا إذا كان أصل القبض غير مستندٍ إلى إذن، أمَّا إن وجد استدامةُ قبض من غير إذن في الاستدامة؛ فها هنا ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون عَقَد على ملكه عقداً لازماً ينقل الملك فيه (١) ، ولم يقبضه المالك بعدُ، فإن كان ممتنعاً من تسليمه؛ فهو غاصب، إلَّا حيث يجوز الامتناع من التَّسليم؛ لتسليم العوض على وجهٍ، أو لكونه رهناً عنده، أو لاستثنائه منفعته مدَّة.
-
وأمَّا إن لم يكن ممتنعاً من التَّسليم، بل باذلاً له؛ فلا ضمان عليه على ظاهر المذهب، إلَّا أن يكون المعقود عليه مبهماً لم يتعيَّن بعد؛ كقفيز من صُبْرَة، فإنَّ عليه ضمانه في الجملة.
-
وبماذا يخرج من ضمانه؟
قال الخرقيُّ والأصحاب: لا يزول ضمانه بدون قبض المشتري.
-
وهل يحصل القبض بمجرَّد التَّخلية مع التَّمييز، أو لا يحصل بدون النَّقل فيما ينقل؟ على روايتين.
- ج ١ ص ٢٦٨
فإن اعتبرنا النَّقل (١) ؛ امتدَّ الضَّمان إليه.
-
وهل يسقط بتفريط المشتري في النَّقل؟ على وجهين:
أشهرهما: أنَّه يسقط به.
-
والثَّاني: لا يسقط حتَّى يوجد النَّقل بكلِّ حال، وذكر القاضي في «خلافه» في مسألة الجوائح أنَّه ظاهر كلام أحمد، وفيه بُعدٌ، ثمَّ وجدته منصوصاً صريحاً عن أحمد في الثَّمرة المشتراة قبل بدوِّ (٢) صلاحها بشرط القطع (٣) إذا أخَّره (٤) المشتري حتَّى تلفت بجائحة قبل صلاحها: أنَّها من ضمان البائع؛ معلِّلاً بأنَّها في ملك البائع وفي نخله، نقله عنه الحسن بن ثواب (٥) .
-
وإن اعتبرنا التَّخلية (٦) مع التَّمييز (٧) - وهو الصَّحيح -؛ فلأنَّه
ج ١ ص ٢٦٩يحصل بها التَّمكين (١) من القبض، ولهذا ينتقل الضَّمان في بيع الأعيان المتميِّزة بمجرَّد العقد على المذهب؛ لحصول التَّمكين (٢) من القبض.
-
ولعلَّ اشتراط النَّقل إنَّما يخرَّج على الرِّواية الأخرى، وهي ضمان جميع الأعيان قبل القبض، فلا ينتقل الضَّمان هنا إلَّا بحقيقة القبض دون التَّمكين (٣) منه.
-
والأوَّل أظهر؛ لأنَّ الَّذي يجب على البائع: التَّمييز والتَّخلية، وهو التَّسليم، وأمَّا (٤) النَّقل؛ فواجب على المشتري؛ لأنَّ فيه تفريغاً لملك (٥) البائع من ماله، فيكون بتركه مفرِّطاً، فينتقل الضَّمان إليه.
-
ويشهد له: شراء (٦) الثَّمر في رؤوس النَّخل، فإنَّ الضَّمان ينتقل فيه بمجرَّد انتهاء الثَّمر إلى أوان أخذه وصلاحيته له، سواء (٧) قطعه المشتري أو لم يقطعه على الصَّحيح.
-
ولكن هل يعتبر لانتقال الضَّمان (٨) التَّمكُّن من القطع أو لا (٩) ؟
- ج ١ ص ٢٧٠
خرَّجها ابن عقيل على وجهين من الزَّكاة (١) ، ورجَّح عدم اعتبار التَّمكُّن (٢) .
-
والَّذي عليه القاضي والأكثرون: اعتبار التَّمكُّن من النَّقل في جميع الأعيان؛ فلا يزال في ضمان البائع حتَّى يحصل تمكُّن المشتري من النَّقل.
-
وصرَّح ابن عقيل بخلاف ذلك، وأنَّه يضمن الأعيان المتميزة بمجرَّد العقد، سواء تمكَّن من القبض أو لم يتمكَّن، كما قال في مسألة الجوائح.
-
وكذلك حكم المملوك (٣) بصلح أو خلع أو صداق.
-
القسم الثَّاني: أن يعقد عليه (٤) عقداً، وينقله إلى يد المعقود له، ثمَّ ينتهي العقد أو ينفسخ، وهو نوعان:
أحدهما: أن يكون عقد معاوضة؛ كالبيع إذا انفسخ - بعد قبضه - بعيب أو خيار، والعين المستأجرة إذا انتهت المدَّة، أو العين الَّتي أصدقها المرأة وأقبضها، ثمَّ طلقها قبل الدُّخول.
- ج ١ ص ٢٧١
والثَّاني: أن يكون فيما يضمن من الأعيان بالعقد أو باليد (١) غير معاوضة؛ كعقد الرَّهن إذا وفَّى الدَّين، وكعقد الشَّركة والمضاربة والوديعة والوكالة إذا فُسخ العقد والمال في أيديهم.
-
فأمَّا عقود المعاوضات؛ فيتوجَّه فيها للأصحاب وجوه:
أحدها: أنَّ حكم الضَّمان بعد زوال العقد حكم ضمان المالك الأوَّل قبل التَّسليم، فإن كان مضموناً عليه؛ كان بعد انتهاء العقد مضموناً له، وإلَّا فلا، وهي طريقة أبي الخطَّاب وصاحب «الكافي» في آخرين (٢) ؛ اعتباراً لأحد الضَّمانين بالآخر.
-
فعلى هذا: إن كان (٣) عوضاً في بيع أو نكاح وكان متميِّزاً؛ لم يضمن على الصَّحيح، وإن كان غير متميِّز؛ ضمن (٤) ، وإن كان في
ج ١ ص ٢٧٢إجارة؛ ضمنه بكلِّ حال (١) .
-
والوجه الثَّاني: إن كان انتهاء العقد بسبب يستقلُّ به من هو في يده؛ كفسخ المشتري، أو يشارك فيه الآخر؛ كالفسخ منهما (٢) ؛ فهو ضامن له؛ لأنَّه تسبَّب إلى جعل ملك غيره في يده (٣) .
-
وإن استقلَّ به الآخر؛ كفسخ البائع وطلاق الزَّوج؛ فلا ضمان؛ لأنَّه حصل في يد هذا بغير سبب منه ولا عدوان، فهو كما لو ألقى ثوبه في داره بغير أمره.
-
وهذا الوجه ظاهرُ ما ذكره صاحب «المغني» في مسألة الصَّداق.
- ج ١ ص ٢٧٣
وعلى هذا: فيتوجَّه (١) ضمان العين المؤجرة (٢) بعد انتهاء المدَّة؛ لأنَّه تسبَّب إلى رفع العقد مع المؤجر، ووجهه: أنَّ الإذن في القبض إنَّما كان لازماً؛ لوجوب الدَّفع للملك، ولهذا يملك المشتري والمستأجر أخذه بدون إذنه، فبعد زوال الملك لا يوجد إذن سابق ولا لاحق، ولو قُدِّر وجود الإذن في القبض؛ فإنَّما أذن في قبض ما ملك عليه؛ فلا يكون إذناً في قبض ملكه هو.
-
والوجه الثَّالث: حكم الضَّمان بعد الفسخ حكم ما قبله، فإن كان مضموناً؛ فهو مضمون، وإلَّا فلا، فيكون البيع بعد فسخه مضموناً (٣) ؛ لأنَّه كان مضموناً على المشتري بحكم العقد، فلا يزول الضَّمان بالفسخ، صرَّح بذلك القاضي في «خلافه» .
-
ومقتضى هذا: ضمان الصَّداق على المرأة، وهذا (٤) ظاهر كلام صاحب «المحرَّر» ، وأنَّه لا ضمان في الإجارة؛ لأنَّ العين لم تكن (٥) مضمونة من قبل، وصرَّح القاضي وغيره بذلك.
-
ويوجَّه: بأنَّ المبيع والصَّداق إنَّما أقبضه (٦) لانتقال ملكه عنه،
ج ١ ص ٢٧٤بخلاف العين المستأجرة، فإنَّه أقبضها مع علمه بأنَّها ملكه، فكان إذناً في قبض ملكه، بخلاف الأوَّل؛ حتَّى قال القاضي وأبو الخطَّاب: لو عجَّل أجرتَها، ثمَّ انفسخت قبل انتهاءِ المدَّة؛ فله حبسها حتَّى يستوفي الأجرة، ولا يكون ضامناً.
-
والوجه الرَّابع: أنَّه لا ضمان في الجميع، ويكون المبيع بعد فسخه أمانة محضة، صرَّح بذلك أبو الخطاب في «الانتصار» ؛ لأنَّه حصل تحت يده ملك غيره بغير عدوان، فلم يضمنه؛ كما لو أطارت الرِّيح إليه ثوباً، وكذلك اختاره القاضي في «المجرد» ، وابن عقيل في الصَّداق بعد الطَّلاق.
-
والوجه الخامس: التَّفريق بين أن ينتهي العقد أو يطلِّق الزَّوج، وبين أن ينفسخ العقد.
-
ففي الأوَّل: يكون أمانة محضة؛ لأنَّ حكم الملك ارتفع وعاد ملكًا للأوَّل، وفي الفسخ يكون مضموناً؛ لأنَّ الفسخ يرفع حكم العقد بالكليَّة؛ فيصير مقبوضاً بغير عقد، أو على وجه السَّوم في صورة البيع، وممَّن صرَّح بذلك الأزجيُّ في «النِّهاية» وصاحب «التَّلخيص» ، وهو ظاهر كلام ابن عقيل في مسائل الرَّدِّ بالعيب، وصرَّح بأنَّه يضمن نقصه فيما قبل الفسخ وبعده بالقيمة؛ لارتفاع العقد (١) ، ومصيرِه مقبوضاً على وجه السَّوم.
-
ونقل الأثرم عن أحمد فيمن دفع إلى آخر ديناراً من شيء كان له
ج ١ ص ٢٧٥عليه، فخرج فيه نقص، فقال للدَّافع: خذه وأعطني غيره، فقال: أمسكه معك حتَّى أبدله لك، فضاع الدِّينار، قال (١) : ما أعلم عليه شيئاً، إنَّما هو السَّاعة مؤتمن.
-
فيحتمل أنْ يكون مرادُه: أنَّ المفسوخ بعيب بعد فسخه أمانة.
-
ويحتمل - وهو أظهر -: أن يكون (٢) جعله أمانة لأمر المعطي بإمساكه (٣) له، فهو كإيداعه منه.
-
والنَّوع الثَّاني: عقود الأمانات (٤) ؛ كالوكالة والوديعة والشَّركة والمضاربة والرَّهن، إذا انتهت أو انفسخت (٥) ، والهبة إذا رجع فيها الأب، أو قيل بجواز فسخها مطلقاً (٦) كما أفتى به الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٧) ؛ ففيها وجهان:
ج ١ ص ٢٧٦أحدهما: أنَّها غير مضمونة (١) ، صرَّح به القاضي وابن عقيل في الرَّهن، وأنَّه لا يجب ردُّه إلى صاحبه؛ استصحاباً للإذن السَّابق والائتمان، كما صرَّحوا به في الإجارة، وكذلك صرَّح به القاضي وأبو الخطَّاب في «خلافهما» في بقيَّة العقود المسمَّاة: أنَّها (٢) تبقى أمانة؛ كما لو أطارت الرِّيح إلى داره ثوباً.
-
وهذا يحتمل أنَّه مع علم المالك بالحال لا يجب الدَّفع؛ لأنَّ الواجب التَّمكين (٣) منه لا حمله إليه كما تقدَّم.
-
والفرق بين عقود الأمانات المحضة والمعاوضات: أنَّ المعاوضات تُضمن بالعقد وبالقبض، فإذا كان عقدها مضمَّناً؛ كان فسخها كذلك، وعقود الأمانات لا تضمن بالعقد، فكذلك بالفسخ.
-
والوجه الثَّاني: أنَّه يصير مضموناً إن لم يبادر إلى الدَّفع إلى المالك؛ كمن أطارت الرِّيح إلى داره ثوباً، وصرَّح به القاضي في موضع آخر من «خلافه» في الوديعة والوكالة.