فصل وأما ما قبض من مالكه بعقد لا يحصل به الملك؛ فثلاثة أقسام
٤٧ فقرة، ج ١ ص ٢٧٩
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٧٩
أحدها: ما قبضه آخِذُه لمصلحة نفسه؛ كالعارية؛ فهو مضمون في ظاهر المذهب، قالوا: لأنَّ الإذن إنَّما يتعلَّق (١) بالانتفاع، وقبض العين وقع من حيث اللُّزوم (٢) ، فهو كقبض المضطرِّ مال غيره لإحياء نفسه؛ لا يسقط عنه الضَّمان؛ لأنَّ إذن الشَّرع تعلَّق بإحياء نفسه، وجاء الإذن في الإتلاف من باب اللزوم.
-
ولو وهبه شِقصاً من عين، ثمَّ أقبضه العين كلَّها:
ففي «المجرَّد» و «الفصول» : يكون نصيب الشَّريك وديعة عنده.
-
واستدرك ذلك ابن عقيل في «فنونه» ، وقال: بل هو عارية؛ حيث قبضه لينتفع به بلا عوض.
-
وهذا صحيح إن كان أذن له في الانتفاع به مجَّاناً، أمَّا إن طلب منه أجرة؛ فهي إجارة، وإن لم يأذن له في الانتفاع بل في الحفظ؛ فوديعة (٣) .
- ج ١ ص ٢٨٠
ولو قال أحد الشَّريكين للعبد المشترك: أنت حبيس (١) على آخرنا موتاً؛ لم يَعتق بموت الأوَّل منهما، ويكون في يد الباقي (٢) عارية، فإذا مات عَتَق، ذكره القاضي في «المجرَّد» .
-
القسم الثَّاني: ما أخذه لمصلحة مالكه خاصَّة؛ كالمودَع؛ فهو أمين محض، لكن إذا تلفت الوديعة من بين ماله؛ ففي ضمانه خلافٌ:
فمن الأصحاب من يَبْنيه على أنَّ قوله هل يقبل في ذلك أم لا.
-
ومنهم من يقول: تلفها من بين ماله أمارةٌ على تفريطه فيها.
-
وقد فرَّق أحمد بين العارية والوديعة: بأنَّ اليد في العارية آخذة وفي الوديعة معطاة، وهو يرجع إلى تعيين جهة المصلحة فيهما.
-
وكذلك الوصيُّ والوكيل بغير جُعل، حتَّى لو كان له (٣) دين ولآخر عليه دين، فوكَّله في قبض مال له، وأذن له أن يستوفي حقَّه منه، فتلف المال قبل استيفائه (٤) ؛ فإنَّه لا يضمنه، نصَّ عليه أحمد في رواية مثنى الأنباريِّ.
-
والقسم الثَّالث: ما قبضه لمنفعة تعود إليهما، وهو نوعان:
أحدهما: ما أخذه على وجه الملك فتبين فساده، أو على وجه السَّوم.
- ج ١ ص ٢٨١
فأمَّا الأوَّل: فهو المقبوض بعقد فاسد، وهو مضمون في المذهب؛ لأنَّه قبضه على وجه الضَّمان ولا بدَّ.
-
ونقل ابن مُشَيش (١) وحرب عن أحمد ما يدلُّ على أنَّه غير مضمون؛ كالمقبوض على السَّوم (٢) .
-
وكذلك صرَّح بجريان الخلاف فيه (٣) ابن الزَّاغوني في «فتاويه» .
-
ونقل حنبل عن أحمد في الهبة للثَّواب: «إن أراد ردَّها على صاحبها، وقد نَقَصَت بغير استعماله؛ لم يضمن النَّقص» ، وشبَّهه بالرَّهن.
-
وتأوَّله القاضي بتأويل بعيد جداً، وقد ذكره (٤) أبو البركات في «تعليقه على الهداية» ، ثمَّ اختار هو تخريجه على أنَّ الهبة للثَّواب يغلب فيها حكم الهبات، ومن حكم الهبة ألَّا يضمن نقصها.
قال: (ولازم هذا أن نقول: لا يضمن قيمتها إذا تلفت بغير تعدٍّ) ، قال: (وهذا عندي أحسن الوجوه) ، قال (٥) : (ومع هذا (٦) ؛ ففيه نظر).
- ج ١ ص ٢٨٢
وهو كما قال؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما فرَّق بين أن تنقص بفعله أو بغير فعله، ولما صحَّ تشبيهه بالرَّهن.
- ويحتمل عندي تخريجه (١) على أحد وجهين (٢) :
-
إمَّا أن يكون على أنَّ الهبة بالثَّواب المجهول فاسدة، فيكون ذلك موافقاً لما روي عنه (٣) في المقبوض بعقد فاسد (٤) : أنَّه غير مضمون.
-
وإمَّا على أنَّها صحيحة - وهو الأظهر (٥) -؛ لقوله: «ثمَّ أراد ردَّه إلى مالكه» ؛ فدلَّ على أنَّ له إمساكه، وذلك لا يكون إلَّا مع الصِّحة.
-
فعلى هذا: إنَّما لم يضمِّنه النَّقص؛ لأنَّ الهبة للثَّواب لا تملك بدون دفع العوض، ولذلك شبَّهها بالرَّهن (٦) ، وسنزيده إيضاحاً في المقبوض بالسَّوم إن شاء الله تعالى.
-
وأمَّا المقبوض على وجه السَّوم (٧) : فمن الأصحاب من يحكي في ضمانه روايتين، سواء أخذ بتقدير الثَّمن أو بدونه، وهي طريقة القاضي
ج ١ ص ٢٨٣وابن عقيل، وصحَّح الضَّمان؛ لأنَّه مقبوض على وجه البدل (١) والعوض؛ فهو كالمقبوض بعقد فاسد.
-
ثمَّ إن كان لم يقدَّر الثَّمن؛ ضمنه بقيمته، وإلَّا (٢) فهل يضمنه بالقيمة أو بالثَّمن المقدَّر؟ على وجهين، ذكرهما ابن عقيل.
وقال ابن أبي موسى (٣) : إن أخذه مع تقدير الثَّمن ليريه أهله فإن رضوه ابتاعه؛ فهو مضمون بغير خلاف، وكذلك إن ساوم صاحبه به ولم يقطع ثمنه وأخذه ليريه أهله، وإن أخذه بإذن مالكه من غير سوم ولا قطع ثمن ليريه أهله فإن رضوه وزن ثمنه؛ ففيه روايتان أيضاً، أظهرهما: أنَّه غير مضمون (٤) .
-
وجعل السَّامريُّ (٥) الضَّمان فيما قطع ثمنه مبنيًّا على أنَّه بيع بالمعاطاة بشرط الخيار، وهذا يدلُّ على أنَّه يجري فيه الخلاف (٦) إذا
ج ١ ص ٢٨٤قلنا: لم ينعقد البيع بذلك، وفي كلام أحمد إيماء إلى ذلك؛ لأنَّه علَّل الضَّمان في رواية ابن منصور بأنَّه ملكه (١) ، وعلَّل في رواية غيره انتفاء الضَّمان فيما إذا لم يقطع ثمنه: بأنَّه ملك للبائع بعدُ حتَّى يقطع ثمنه، ففهم منه: أنَّه مع القطع ينتقل الملك فيه (٢) إلى المشتري، ويؤخذ من ذلك: أنَّ المقبوض بعقد فاسد لا يضمن؛ لبقاء الملك فيه لمالكه.
-
وكذلك فرَّق بين أن يكون المأخوذ سلعتين ليختار أيَّهما شاء فلا يضمنهما، وبين أن يكون سلعة واحدة.
-
وهذا يحتمل ثلاثة أمور:
أحدها: ما قال السَّامريُّ: إنه بيع بشرط الخيار (٣) ، ويكون المعلَّقُ على الرَّضا فسخَه لا عقده.
- ج ١ ص ٢٨٥
والثَّاني: أن يكون بيعاً معلَّقاً على شرط (١) ؛ فقد فعله أحمد بنفسه لمَّا رهن نعله باليمن (٢) .
-
ويبعِّد هذا: أنَّه لم يفرِّق (٣) بين أن يتلف قبل الرِّضى به أو بعده.
-
والثَّالث: أن يكون بيعاً بمعاطاةٍ تراخى القبول فيه عن المجلس، وقد نصَّ على صحَّة مثل ذلك في النَّكاح في رواية أبي طالب (٤) .
-
ومن هذا النوَّع: ما إذا قبض المشتري زيادة على حقِّه غلطاً؛ فإنَّها تكون مضمونة عليه؛ لأنَّه قبضها على وجه العوض، ذكره (٥) القاضي وابن عقيل والأصحاب.
- ج ١ ص ٢٨٦
ويحتمل: ألَّا يضمن، على معنى تعليل أحمد في المقبوض بالسَّوم: أنَّه على ملك البائع.
-
ومن ذلك لو دفع إليه كيساً، وقال له: استوف منه قدر حقِّك، ففعل؛ فهل يصحُّ؟ على وجهين (١) ؛ بناءً على قبض الوكيل لنفسه من نفسه، والمنصوص الصِّحَّة، نصَّ عليه في رواية الأثرم (٢) ، ويكون الباقي في يده وديعة.
-
وعلى عدم الصِّحَّة: قدر حقِّه؛ كالمقبوض على (٣) السَّوم، والباقي أمانة، ذكره في «التَّلخيص» .
-
ولو دفع إلى غريم له نقداً من غير جنس ما عليه ليصارفه عليه فيما بعد؛ فهي أمانة محضة، نصَّ عليه؛ مع أنَّها قبضت للمعاوضة.
-
وقياس قول الأصحاب: أنَّها مضمونة؛ كما قالوا في الضَّامن إذا قبض من المضمون عنه قبل الأداء على وجه الاستيفاء منه عند الوفاء: إنَّه مضمون؛ لقبضه على وجه المعاوضة.
-
وهو أولى؛ لأنَّ القبض هنا (٤) وجد قبل الاستحقاق، فهو كما لو أقبضت المرأة زوجها مالاً عوضاً عمَّا يستحقُّه عليها بالطَّلاق قبله.
-
النَّوع الثَّاني: ما أخذ لمصلحتهما على غير وجه التَّمليك لعينه؛
- ج ١ ص ٢٨٧
كالرَّهن (١) ، والمضاربة، والشِّركة، والوكالة بجُعلٍ، والوصيَّة كذلك؛ فهذا كلُّه أمانة على المذهب.
-
وفي الرَّهن رواية أخرى تدلُّ على ضمانه، وتأوَّلها القاضي، وأثبتها ابن عقيل.
-
والأعيان المستأجرة والموصى بمنفعتها: أمانةٌ كالرَّهن؛ لأنَّه مقبوض على وجه الاستحقاق.
- تنبيه: