سد الذرائع
٢٣ فقرة، ج ١ ص ٥٠٠
- ج ١ ص ٥٠٠
والذريعة: هي الوسيلة للشيء، فمعنى ذلك: حسم مادة وسائل الفساد دفعا (٢) له؛ فمتى كان الفعل السالم عن (٣) المفسدة وسيلة إلى المفسدة؛ منعنا من ذلك الفعل.
-
وهو مذهب مالك رحمة الله عليه (٤) .
- • تنبيه:
-
ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العوائد والمصلحة المرسلة وسد الذرائع، وليس كذلك:
- أما العرف: فمشترك بين المذاهب، ومن استقراها، وجدهم يصرحون بذلك فيها.
-
- وأما المصلحة المرسلة: فغيرنا يصرح بإنكارها، ولكنهم عند التفريع تجدهم يعللون (٥) بمطلق المصلحة، ولا يطالبون أنفسهم عند الفروق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرد (٦) المناسبة، وهذا (٧) هو
ج ١ ص ٥٠١المصلحة المرسلة.
-
- وأما الدرائع: فقد أجمعت (١) الأمة على أنها على ثلاثة أقسام:
* أحدها معتبر إجماعا، كحفر الآبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يعلم من (٢) حاله أنه يسب الله تعالى حينئذ.
-
* وثانيها ملغى إجماعا، كزراعة العنب، فإنه لا يمنع خشية الخمر، والشركة في سكنى الدور خشية الزنا.
-
* وثالثها مختلف (٣) فيه، كبيوع الآجال (٤) ، اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا (٥) .
-
فحاصل القضية: أنا قلنا بسد الدرائع أكثر من غيرنا، [لا أنها] (٦) خاصة بنا. واعلم أن الذريعة كما يجب سدها، فيجب (٧) فتحها، ويكره، ويندب،
ج ١ ص ٥٠٢ويباح (١) ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة؛ فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج (٢) (٣) .
- وموارد الأحكام على قسمين:
-
- مقاصد: وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها.
-
- ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما [أفضت] (٤) إليه من تحريم أو تحليل، غير أنها أخفض رتبة من (٥) المقاصد في حكمها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة.
-
وينبه على اعتبار الوسائل قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطعون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح﴾ (٦) ، فأثابهم الله تعالى على الظمأ والنصب وإن (٧) لم يكونا من فعلهم؛ لأنهما (٨) حصلا لهم بسبب التوسل (٩) إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين؛ (فالاستعداد وسيلة [إلى] (١٠) الوسيلة) (١١) .
- • قاعدة:
-
كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة؛ فإنها تبع، وقد خولفت (١) هذه القاعدة في الحج في إمرار الموسى على رأس من لا شعر له، مع أنه وسيلة إلى إزالة الشعر، فيحتاج إلى ما يدل على أنه مقصود في نفسه، وإلا فهو مشكل (٢) .
- • تنبيه (٣) :
-
قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة:
- كالتوسل إلى فداء الأسرى (٤) بدفع المال إلى العدو والذي (٥) حرم عليهم الانتفاع به؛ لكونهم مخاطبين بفروع الشريعة عندنا (٦) .
-
- وكدفع مال [لرجل] (٧) يأكله حراما حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن ذلك إلا به.
- ج ١ ص ٥٠٤
- وكدفع المال للمحارب حتى لا [يقتتل] (١) هو وصاحب المال.
-
واشترط مالك فيه اليسارة (٢) .
-
ومما يشنع على مالك رحمة الله عليه مخالفته لحديث بيع الخيار (٣) مع روايته [له] (٤) ، وهو مهيع (٥) متسع، ومسلك غير ممتنع، فلا يوجد (٦) عالم إلا وقد خالف من كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه السلام أدلة كثيرة، ولكن لمعارض راجح عليها عند [مخالفها] (٧) ، وكذلك (٨) ترك مالك هذا الحديث لمعارض راجح، وهو عمل أهل المدينة؛ فليس هذا بابا اخترعه، ولا بدعا [ابتدعه] (٩) (١٠) .
- ج ١ ص ٥٠٥
ومن هذا الباب (١) ما يروى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: «إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي» (٢) ، أو «فاضربوا بمذهبي [عرض] (٣) الحائط»، فإن كان مراده:
- مع عدم المعارض؛ فهذا مذهب العلماء كافة، وليس خاصا به.
-
- وإن كان مع وجود المعارض؛ فهو خلاف الإجماع، فليس هذا القول خاصا بمذهبه كما ظنه بعضهم.