الباب الثالث: في تقاسيم العلل والأصول
٩٨ فقرة، ج ٢ ص ٧٩
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٢ ص ٨٥
٩٢١- فإذا كان هذا مبنى الأصل الثابت فكيف يطمع الطامع في تأسيس أصل [وتقعيده قاعدة] تضاهى الطهارة في [وفائها] بالغرض الغيبي ولهذا نقول في هذا.
- ج ٢ ص ٨٦
الضرب: لا يجوز قياس غيره عليه وليس كالضرب الأول والثاني المتعلقين بالضرورة [والحاجة] فإن أمرهما بين ودركهما سهل.
-
ثم للشرع تصرف في الضروريات به يتم الغرض في القسمين الأولين وذلك أن الذي لا يستباح إلا بالضرورة لفحشه أو بعده عن الحل فقد يرعى الشرع فيه تحقق وقوع الضرورة ولا يكتفى بتصورها في الجنس وهذا كحل الميتة ورب شيء يتناهى قبحه في مورد الشرع فلا تبيحه الضرورة أيضا بل يوجب الشرع الانقياد للتهلكة والانكفاف عنه كالقتل والزنا في حق المجبر عليهما.
-
٩٢٢- فإذا الضرورات على ثلاث أقسام: فقد لا تبيح الضرورة نوعا يتناهى قبحه كما ذكرناه وقد تبيح الضرورة الشيء ولكن لا يثبت حكمها كليا في الجنس بل يعتبر تحققها في كل شخص كأكل الميتة وطعام الغير والقسم الثالث ما يرتبط في أصله [بالضرورة] ولكن لا ينظر الشرع في الآحاد والأشخاص وهذا كالبيع وما في معناه وإنما كان كذلك لأنه لا أثر للفكر العقلي في تقبيح البيع والتبادل في الأعواض فكفى تخيل الضرورة في القاعدة ولا التفات إلى الآحاد فإن الأمر في ذلك مبنى على قاعدة كلية وليس البيع قبيحا في نفسه عرفا أو شرعا.
-
٩٢٣- فأما الطهارات وما يضاهيها فقصاراه تحصيل أمر بوظائف واجبة من غير تصريح بوجوب المقصود فلا جريان للقياس في هذا الباب على معنى أن يعتبر غير الباب بالباب.
-
وعلى هذا ينبني سد باب القياس في الأحداث فإنها مواقيت الطهارات وثبتها الشرع في أمر مغيب عن دركنا ولم يثبت الطهارة عامة بل خصصها تخصيصا نقدر نحن بظنوننا أنها تأتى على تحصيل النظافة فكيف نستجيز إثبات وقت فيما لا نطلع على إثبات أصله.
-
٩٢٤- ثم [قال] القاضي رحمه الله كما لا تثبت الأحداث بالقياس فلا مجال للقياس أيضا في نفي الأحداث وهذا [علق مضنة] فليقف الناظر عنده ليقف عليه فإن احتكم محتكم باثبات حدث من غير ثبت فلا حاجة إلى قياس في درء مذهب الخصم [وإن] عزاه فيما زعم إلى قياس فالوجه أبطال قياسه وقد ذكرنا بطلان القياس في إثبات الحدث.
- ج ٢ ص ٨٧
٩٢٥- وإن تمسك بظاهر يتعرض مثله للتأويل في غير هذا الباب وأراد المعترض إزالة الظاهر بقياس فقياسه مردود فإن القياس كما لا يهتدي إلى تأقيت الطهارة لا يهتدي إلى نفي تأقيتها ولو ظن الظان أن القياس ألا ينتقض الطهر بشيء فهذا قول يصدر عن قلة البصيرة كما ذكرناه في استبهام الأمر في أوقات الطهر فإذا استبهم ثبوت الشيء استبهم نفيه وإذا صودف ظاهر لزم اتباعه ولم يثبت في معارضته قياس ومن ينفي الحدث فليكن [متمسك المطالبة] بثبت فيه والظاهر معتصم معمول به [والعبادات] وإن استرسلت في جريانها فتجري في هذه المضايق مجرى التنبيهات للقرائح الذكية والفطن فإذا حاصل كلام الراد إلى المطالبة بالإثبات فإذا وجد شيء يعمل بمثله سقط ما كان يتمسك به وليس معه ثبت في النفي.
-
٩٢٦- ومما يتعلق بتمام الكلام في هذا الفصل أن القياس الجزئي في الأصل الذي فيه نتكلم لا يتصور أن يجري معنويا.
-
نعم لا ينحسم فيه قياس الشبه فإن كل ما يتطرق إليه العلم يتطرق إليه الظن فإذا ينبني على هذا أن إثبات كون الملامسة حدثا بالقياس على خروج الخارج من السبيلين لا مطمع فيه فإنه لا يجمعهما معنى ولا شبه.
-
٩٢٧- فأما اعتبار أصحاب أبي حنيفة خروج النجاسات من غير السبيلين بما يخرج من السبيلين ففيه فقه وغايتهم في ذلك تشبيه نجاسة تنفصل من محل الخلاف بالنجاسة التي تنفصل عن أحد السبيلين فإذا أحسنوا الإيراد قربوا الشبه واعتبروا الخارج بالخارج والمخرج بالمخرج.
-
٩٢٨- ولأصحاب الشافعي أن يقولوا: لا نسلم فإن خروج النجاسة من أحد السبيلين لا يقتضي الوضوء لأمر يتعلق بالنجاسة فإن الذي يبتدر إلى الفهم من أمر النجاسة رفعها عن محلها وإزالتها عن موردها فأما ربط إيصال الماء إلى غير مورد النجاسة عند اتصال النجاسة بمحل آخر فلا محمل لذلك إلا التأقيت.
-
ثم الذي يليق [بالتأقيت] على ما تمهده القول فيه أن يربط [سبب نظافة] الأعضاء البارزة فضلا بما يتكرر في الجبلة على اعتياد لائق به حتى تنتهض الطهارة وظيفة مكررة متعلقة بأوقات يغلب تكررها فأما الرعاف وما في معناه فليس في حكم ما يتكرر.
- ج ٢ ص ٨٨
٩٢٩- وليعلم الناظر أنهم وإن شبهوا على الظاهر فقطع شبههم بما ذكرناه أقيس للغرض وأقرب إلى الدرك وخاصية النجاسة ساقطة الاعتبار في الأصل والفرع [المعتبر به] المتفق عليه.
-
٩٣٠ - نعم [بحق] ردد الإمام١ [المطلبي] قوله فيه إذا انسد المسلك المعتاد وانفتح سبيل آخر للنجاسة المعتادة الخارجة من المحل على ما يفصله الفقيه والسبب فيه أن هذا الآن يشبه النجاسة المعتادة الخارجة من المحل المعتاد من جهة أن الطبيعة تقتضى تكرر دفع الفضلات من السبيل المنفتح فهذا منتهى الغرض في ذلك.
-
٩٣١- وأما الضرب الرابع: فقد مثلناه بالكتابة فهو في الأصل كالضرب الثالث الذي انتجز الفراغ منه في أن الغرض المخيل الاستحثاث على مكرمة لم يرد الأمر على التصريح بإيجابها بل ورد الأمر بالندب إليها فان العتق في الابتداء محثوث عليه مندوب إليه.
-
فهذا الضرب يتميز عن الضرب الثالث المقدم عليه فإن الشرع احتمل فيه خرم قاعدة ممهدة وهي امتناع معاملة المالك عبده وامتناع مقابلة الملك بالملك على صيغة المعاوضات ولم يجر مثل ذلك في الضرب الثالث وإن اختص الضرب الثالث بإيجاب الطهارة ولا تجب الكتابة على رأي معظم العلماء.
-
٩٣٢- وذهب مالك رحمه الله٢ في طوائف من السلف إلى وجوبها وإسعاف العبد إذا طلبها ووجد فيها خيرا ومأخذ مذهبه في ذلك يقرب من إيجاب الطهارات مع العلم بأن النظافة في نفسها لا تجب بأمر مقصود وتعلق أيضا بظاهر الأمر في قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} ٣.
-
٩٣٣- والشافعي رحمه الله رأي الإيتاء واجبا كما أنبا [عنه] قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ} ٤ فكان هذا مما اعترض به عليه إذ أجرى إحدى الصيغتين
ج ٢ ص ٨٩على [اقتضاء] الإيجاب وحمل الأخرى على الاستحباب.
-
٩٣٤- فأما ما أشرنا إليه من تشبيه هذا الضرب على رأي مالك [بالطهارات فهو] يصلح لعقد المذهب وإلا فقد مهدنا أن القياس لا يجرى في محاولة تأصيل الأصول على هذا الوجه وإنما يجري [طرف] من التشبيه في [جزيئات] النوع من غير خروج عنه.
-
وأما التعلق بالظاهر فأوجه ولكن الشافعي لم يعتمد في إيجاب الإيتاء مجرد الظاهر لكن عول على سير الصحابة رضي الله عنهم وما كان منهم ونقل آثارا مطابقة لمعتقده وضم إليه أن الكتابة يتضمنها إرفاق من كل وجه والإيتاء منه وقد رآه الأولون على الاطراد يتضمنها والتبرعات لا تطرد سيما في الأموال والكتابة تلزم في حق السيد ومن متضمنها الرفق المنقول وما تقرر يلزم شيئا إذا صح لم يلزم الإقدام عليه على أن لا أرى مذهب الشافعي مسألة أضيق [مسلكا] من الإيتاء.
-
٩٣٥- ونحن نقول وراء ذلك: أما مالك فسوى بين الكتابة وبين باب الطهارات في إثبات إيجاب الأصل ولاح على أصله [إجراء] قسم الكتابة في وضع الشرع على باب الطهارات [باحتمال] أمور خارجة عن أقيسة المعاوضات فيها والشافعي لم يوجب الكتابة وقال للشرع تعبد في الإيجاب متبع وإن لم يكن منقاسا كإيجاب الطهارة وإن لم تجب النظافة وللشارع أحكام في رفع حجره وإطلاق حجر القياس اطراده كما جرى في الكتابة فكان احتمال الشرع لهذا في الكتابة على خلاف القياس [مضاهيا لإيجاب الشرع الطهارة على خلاف القياس] .
-
ويخرج من ذلك تعادل الضربين في خروج الطرفين عن القياس فانتهض إيجاب الطهارة [محصلا] لمكرمة النظافة كما انتهض رفع الحجر في الكتابة مرعيا في تحصيل العتاقة.
ثم قال الشافعي: في رفع الحرج في الكتابة ترغيب مالي يتعلق بغرض بين في تحصيل الكسب فإن العبد يحرص إذا [طمع] في العتاقة [والسيد] يتحصل على كسب كان لا يتحصل له بغير الكتابة بظاهر الظن فخرجت الكتابة عن قبيل القرب لظهور الغرض منها ولم يكن في الطهارات غرض ناجز [فلاق] بها ترغيب في الثواب وهذا يقتضي إلحاقها بالقرب المفتقرة إلى النيات فهذا تأسيس القول في البابين ونحن الآن.
- ج ٢ ص ٩٠
نرسم مسألة في قسم الكتابة تمس إليها حاجة الفقيه.
- مسألة:
-
٩٣٦- قد ثبت أن الكتابة الفاسدة تثبت فيها أحكام مشابهة لأحكام الكتابة الصحيحة.
-
فرأى أصحاب أبي حنيفة أن يعتبروا البيع الفاسد بالكتابة الفاسدة وقضوا بأن البيع الفاسد يفيد الملك إذا اتصل به القبض على تفصيلهم المعروف.
-
وقد امتنع طوائف من أئمتنا من قبول هذا القياس.
-
ونحن نكشف الغطاء فيه مستعينين بالله تعالى بعد ذكر مسلك الفريقين اعتراضا وجوابا.
-
٩٣٧- قال الشافعي رحمه الله: لا يقبل القياس في الفرعين فان الكتابة الصحيحة خارجة عن قياس المعاملات [والفاسدة] متفرعة عليها فإذا انحسم مسلك القياس في الأصلين ترتب عليه امتناع القياس في الفرعين.
فقال أصحاب أبي حنيفة: إذا ثبتت الكتابة والتحقت بالمعاوضات الصحيحة فلا ننظر بعد ثبوتها إلى خروجها عن القياس ولكنها يقضي فيها وعليها بقضاء المعاوضات حتى نقول يشترط في المعاوضات ولا تنحسم الأقيسة في التفاصيل مع إمكانها بخروج أصل الكتابة عن قياس المعاوضات واعتبار البيع الفاسد بالكتابة الفاسدة من النظر في التفاصيل بعد تسليم الأصل وتنزله على حكم التوقف والفاسد في كل باب حائد عن موجب التعبد لذلك فسد فإذا لم يمتنع التحاق الفاسد بالصحيح في الكتابة مع حيد الكتابة الفاسدة عن الصحيحة فينبغي ألا يمتنع مثل ذلك في البيع وكل أصل مقر على قانونه منقاسا كان أو غير منقاس والفاسد في كل باب حائد عن مراسم الشرع.
-
فهذا منتهى كلام الفريقين مع فضل بيان شاف في الإيراد لا يستقبل به فقيه ليس له حظوة وافرة من الأصول.
-
٩٣٨- ونحن الآن نقول: هذا الجمع لا ينتظم في مناظم المعاني ولا يستبد في ذلك قياس معنوي من جهة أن شرط المعنى اتجاهه أو انقداحه في الأصل ثم إذا تقرر في الأصل معنى واطرد في الفرع فإذا ذاك يجمع الجامع بالمعنى وليس [معنا] معنى.
- ج ٢ ص ٩١
فقيه يتضمن تنزيل الكتابة الفاسدة منزلة الكتابة الصحيحة فإن الذي [لا] يتمارى فيه الناظر في الدرجات الأول من نظره أن الفاسد ليس مطلقا للشرع والأحكام تثبت إذا جرت أسبابها موافقة الشرع ويهون على الرشيد الفطن تقرير خروج الكتابة الفاسدة في نزولها منزلة الكتابة الصحيحة عن القياس المعنوي والاعتبار الكلي وإذا فعل ذلك انحسم مطمع الخصم في قياس المعنى وآل النظر إلى التشبيه.
-
٩٣٩- فإن تفطن الخصم وسلم انحسام المعنى واجتزأ بالتشبيه وقال: البيع الفاسد بالإضافة إلى الصحيح في تشبيه الكتابة الفاسدة بالإضافة إلى الصحيحة ولا يلتزم إبداء معنى في الأصل وإظهاره في الفرع.
-
فعلى الناظر في ذلك وقفة وإمعان نظر فيما يدرأ هذا المسلك وهو النقض الصريح فإن لم ننزل كل فاسد منزلة الصحيح إذ النكاح الفاسد ليس كالصحيح في إثبات حق لا على جواز ولا على لزوم وأقرب من ذلك البيع نفسه فإن فاسده من غير قبض لم ينزل منزلة صحيحة والتشبيه شرطه الطرد وأحق قياس بالبطلان والنقض قياس الشبه فإن المتمسك بالمعنى قد يعن له طرد المعنى ما لم يمنعه مانع وأما الشبه فقصاراه ظن على بعد فإذا عارضه نقض وهى وانحل.
-
فهذا فن من الكلام واقع يضطرهم إلى النزول عن الشبه والترقي إلى معنى وعن هذا قالوا: ما اتسع طرقه فالفاسد أحد طرقه وزعموا أن الاتساع يشعر بإحلال الفاسد محل الصحيح ومهما اضطروا إلى المعنى وحاولوه افتضحوا واجترءوا ولا يكاد يخفى إبطال هذا المسلك وما في معناه فإذا بطل الجمع المعنوي وانتقض الشبه لم يبق لمتمسكهم بالكتابة الفاسدة وجه.
-
٩٤٠- ومما نذكره في ذلك أن الكتابة الفاسدة في وضعها مخالفة للبيع الفاسد على رأى المخالف فإن المكاتب كتابة فاسدة يتسلط على أكسابه [بنفس العقد] تسلطا صحيحا وتنفذ تصرفاته فيها على الصحة نفوذها في الكتابة الصحيحة وليس البيع الفاسد كذلك وإن اتصل بالقبض وهذا يستعمل أيضا في [معرض النقض] المعنوي.
-
٩٤١- ومن دقيق القول في ذلك أن تحصيل العتاقة بوجود الصفة مما يجب القضاء بصحته فإن تعليق العتاقة على أداء العوض الفاسد صحيح وإن فسد العوض ثم التعليق إذا صح فقياسه ألا يرفع وأثر فساد الكتابة في رفع وجوب التعليق وهذا.
- ج ٢ ص ٩٢
خارج ظاهر الخروج عن قياس بابين أحدهما حكم المعاوضة والثاني حكم تعليق العتق والعتق أنفذ التصرفات وأغلبها فالوجه استيلاء حكمه فإن مؤقته يتأبد ومبعضه يتمم فكيف اكتسب ما ليس يفسد وإن ذكر على صيغة الفساد [قضية] الفساد [من] معاملته واهية بالفساد والجواز فهذا يمنع من [التشبيه] ويعارض ما يأتي به [المشبه] وينزل في المظنونات منزلة بعد الشيء وإن عن التحاق بالمنصوص عليه لكونه في معناه وقياس الشبه مستند إلى القياس الذي يقال فيه إنه في معنى الأصل فهذا منتهى كلام الفقهاء.
-
٩٤٢- وأنا أذكر مسلكا أصوليا يغنى عن جميع ذلك فأقول: وقد مهدت أن القوانين المبنية على المكارم الكلية لا يجرى فيها تمهيد أصل قياسا على أصل وإنما الأقيسة في الأصول إذا لاحت المعاني وإنما تظهر المعاني في الضرورات والحاجات وأقرب قطاع الشبه تعدد الأصول فيما لا ينقدح فيه جامع ضروري أو حاجى.