الباب الثالث: في تقاسيم العلل والأصول

٩٨ فقرة، ج ٢ ص ٧٩

الصفحة ٣ من ٣

  1. والذي نختتم به الكلام أن أصلين مستندهما المحاسن والمكارم لا تشبه فروع أحدهما فروع الثاني من جهة تعلق كل واحد بأمر [غيبي لا يضبطه الفكر إذ لا يجري كل مقصود في الغيب على قضية واحدة.

    ج ٢ ص ٩٢
  2. ٩٤٣- فإذا لاح ذلك وتجدد العهد به فالبيع من الضروريات فكيف ينقدح تشبيه فاسده بفاسد قسم لا ضرورة فيه ولا حاجة؟ وهذا قاطع للشبه بالكلية فإذا انقطع [الشبه] ولم يلح معنى لم يرتبط الأصل بالفرع.

  3. ٩٤٤- نعم إذا كفى الشافعي احتجاج الخصم [بالكتابة] بقيت عليه غائلة في انتقاض ما يطرده [من] معناه بالكتابة.

  4. فان قال: المعنى حيد الفاسد عن وضع الشرع والمصير إلى أن الفاسد غير معتد به ولا تنتقل الأملاك إلا بمسلك شرعي وإذا نحن اعتمدنا ذلك صدمتنا الكتابة الفاسدة نقضا فلا وجه إلا مسلكان في دفعه:

    أحدهما: أن يدعى أن الكتابة صحيحة في جهة مقصودها وقد تناهينا في تقريب ذلك في "الأساليب" .

  5. والمسلك الثاني: وهو الأصولي ألا يلتزم في أقيسة المعاني النقض بالمنتزع عنها كما سنمهده في باب النقض إن شاء الله تعالى.

  6. ٩٤٥- والضرب الخامس: متضمنه العبادات [البدنية] التي لا يلوح فيها معنى مخصوص لا من مآخذ الضرورات ولا من مسالك الحاجات ولا من مدارك المحاسن كالتنظيف في الطهارة والتسبب إلى العتاقة في الكتابة ولكن يتخيل فيها أمور كلية تحمل عليها المثابرة على وظائف الخيرات ومجاذبة القلوب بذكر الله تعالى والغض من العلو في مطالب الدنيا والاستئناس بالاستعداد للعقبى.

    ج ٢ ص ٩٣
  7. فهذه أمور كلية لا ننكر على الجملة أنها غرض الشارع في التعبد بالعبادات البدنية وقد أشعر بذلك نصوص من القرآن العظيم في مثل قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} ١ ولا يمتنع أيضا أن يتخيل فيها أمر آخر وهو أن الإنسان يبعد منه الركوب إلى السكون فالقوى المحركة تحركه لا محالة فإن تركت تحركت في جهات الشهوات وإذا استحثت بالرغبة والرهبة على العبادات انصرفت حركاتها إلى هذه الجهات وهذا فن لا يضبطه القياس ولا يحيط به نظر المستنبط والأمر فيه محال على أسرار الغيوب والله تعالى المستأثر به فلا يسوغ اعتبار ضرب إحداها في جهة اختصاصها ولا يسوغ اعتبارها في إثبات قضيتها الخاصة بغيرها من الضروب فإنا منعنا اعتبار ضرب بضرب فيما لا يستند إلى ضرورة وحاجة وإن كان يغلب على الظن [تعين] مقصود منه على منهاج الأمر بالمحاسن فلأن يمتنع ذلك من العبادات التي لا يتعين منها مقصد [أولى وأحرى] .

  8. ٩٤٦- فأما اعتبار [البعض من هذا الضرب بالبعض] فقد ينقدح فيه معان فقهية نحو اعتبار القضاء بالأداء في اشتراط تبييت النية والجامع أن النية قصد ومرتبطه الحال أو [عزم] ومتعلقه الاستقبال وقد أمرنا بإيقاع الصوم أداء وقضاء وعبادة والعبادات إنما تقع على قضية التقرب بالقصد وما مضى لا على حكم القرب يستحل انعطاف القصد والعزم عليه فهذا من [أجلى] المعاني المعتمدة وكذلك ما ضاهاها.

  9. ٩٤٧- فأما ما يثبت برسم الشارع ولم يكن معقول المعنى فلا يسوغ القياس فيه وهذا كورود الشرع بالتكبير عند التحريم والتسليم عند التحليل ومن هذا القبيل اتحاد الركوع وتعدد السجود فمن اراد أن يعتبر غير التكبير بالتكبير مصيرا إلى أنه تمجيد وتعظيم فقد بعد بعدا عظيما وزال من القاعدة الكلية فإن إيجاب الذكر عند التحليل ليس معقول المعنى.

  10. ٩٤٨- وإذا قال الحنفي: معنى التكبير معقول قيل [له] : اشتراط ما يتضمن تمجيدا عند التحريم غير معقول ولا ينفع الاكتفاء يكون التكبير معقول المعنى فإن هذا يرجع إلى وضع اللسان ومعنى الصيغ وليس هذا من معاني الشرع في ورد ولا صدر.

    ج ٢ ص ٩٤
  11. ٩٤٩- قال الشافعي رضي الله عنه: في مجاري كلامه في رتب النظر من قال لا غرض للشارع في تخصيص التكبير وفي الاستمرار عليه ولا غرض لصحبة ومن بعدهم من نقله الشرائع والقائلين بها في التكبير على التخصيص وقد استتب الناس عليه مع تناسخ العصور واعتقاب الدهور قولا وعملا وتناوله الخلف عن السلف حتى لو فرض عقد الصلاة بغيره لعد نكرا وحسب هجرا [فمن] قال والحالة هذه لا اثر لهذا الاختصاص وإنما هو أمر [وفاقي] فقد نادى على نفسه بالجهل بمقاصد الشريعة وقضايا مقاصد المخاطبين فيما يؤمرون به وينهون عنه ولو كان غير التكبير كالتكبير لكان ذكر الشارع التكبير كلاما عريا عن التحصيل نازلا منزلة قول القائل ابتداء أيحرم على الجنب سورة آل عمران مع القطع بان غيرها من السور بمثابتها ولا ينطق المبتدئ بها إلا ويبين لغوه على عمد إن لم يكن ساهيا.

  12. ٩٥٠- فإذا ثبت قطعا أن تخصيص التكبير ثابت فإن اعترفوا بتعيينه [بدءا] ثم طعموا في اعتبار غير التكبير بالتكبير بجامع التمجيد وهو بعينه جار في الاستحباب فقد طعموا في غير مطمع فالخصم بين أمرين:

    أحدهما: أن ينكر قصد التخصيص من الشارع فيكون مباهتا قريبا ممن يجحد الضرورات في المعقولات وإن اعترفوا بالتخصيص في وجه وأرادوا الجمع في وجه آخر ينقضه ما سلموه من التخصيص فقد تناقض كلامهم.

  13. ويخرج مما ذكرناه أن التكبير مخصوص غير معقول الاختصاص فرفع الاختصاص مع ثبوته محال.

  14. ٩٥١- ومن نظر, نظر ذي غرة فقاس غير التكبير على التكبير أوطأه إذ ذاك تطرق فاحشة لا يبوء بها من وقر الدين في صدره وهو إقامة عمد الحدث مقام التسليم من جهة أن التسليم يناقض الصلاة مناقضة الحدث إياها ومن استجاز في محاسن الشريعة أن يلحق عمد الحدث بما يجيزه الشارع من التسليم في اختتام الصلاة فهو بين معاند يظهر خلاف ما يضمر وبين من أعمى الله تعالى بصيرته نسأل.

  15. الله تعالى التوفيق ونعوذ به من الانهماك في أوضار التقليد.

    ج ٢ ص ٩٥
  16. ٩٥٢- ثم أن أجرى مجر [في] هذا القسم كلاما [ظاهره] التشبيه مثل أن يقول تعين الركوع كتعين التكبير وامتناع إقامة السجود مقامه يضاهي امتناع إقامة غير التكبير مقامه فقد تردد كلام الشافعي في ذلك فتارة يسميه استشهادا والمعنى به أن ذلك يذكر تقريبا وتحقيقا لمنع القياس ويضرب أمثالا وهو مشبه بتقرير الضرورات على من يجحدها فإنه لا [يجدي] مع جاحدها مسلك نظري والوجه في مكالمته إن ريم ذلك تقريب الأمر بضرب الأمثال فهذا مسلك.

  17. وقد ويقول الشافعي: هذا من مآخذ قياس الشبه فإن الاختصاص بالتكبير مأخذه مأخذ الاختصاص في الركوع وإذا شبه احدهما بالثاني كان ذلك من قياس الشبه وإن كان [نتيجته] منع القياس فإن الاختصاص حكم مطلوب والقياس الشبهي جار فيه.

  18. نعم القياس المعنوي لا يجري إذ الاختصاص معناه [نفي] المعنى المتعدي من محل التخصيص والتنصيص [فطلب] المعنى حيث لا معنى بعيد هذا وقد نجز غرضنا من تقاسيم هذه [الضروب] فان عدنا إلى تقاسيم المعنى بعد ذلك كان ذلك لغرض آخر ونحن نرى أن نقف حيث انتهينا ونستفتح القول في الاعتراضات.