مدخل
٩٧ فقرة، ج ١ ص ٦١
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١ ص ٦٥
تقتضي إحالة الوجوب عليه دون مقارنة.
-
والقول الحق فيهما: أن كل واحد منهما جائز ولكن إذا فرض ثبوت أحدهما تعين ثبوت الثاني فهما إذا متلازمان فقد كفى هذا القدر وأغنى عن التطويلات.
-
فأما مصيرهم إلى أن الحدوث من أثر القدرة فباطل مع مصيرهم إلى أن الذوات ثابته أزلا فإذا ثبتت فما معنى الحدوث فيها؟
-
نعم, لا يطرأ على الجوهر على رأيهم إلا التحيز فلئن كان الثبوت في الذات يقتضي التحيز فليثبت التحيز أزلا فإذا اعترف بذلك معترفون منهم كالشحام.
-
فقد جاهر بقدم العالم.
-
فأما ما قدره واقعا بالعلم وهو الإحكام فلا حاصل له ولا معنى للإحكام عندي فإنه إن عني به وقوع جوهر مثلا بجنب جوهر على مناسبة فليس ذلك أمرا ثابتا محققا واستقصاء القول في ذلك يتعلق بأحكام الأكوان من فن الكلام ثم إن قدر ذلك أمرا ثابتا فهلا قيل توقعه القدرة على شرط كون القادر عالما إذ وقوع الحدوث مشروط بكون الموقع عالما به ثم لم يكن الحدوث من اثار العلم فليطرد ذلك في كل متجدد.
-
وأما قولهم: إن الحدوث من اثار القدرة فقد وضح أنه الثبوت بعينه وقولهم بقدم الذات يصدهم عن إثبات ثبوت هو الحدوث إذ لو جاز ذلك من غير تغير لجاز المصير إلى طريان جهات في الثبوت مع استمرار الوجود ولا معنى للإطناب في الواضحات.
-
١٢٦- وأما ما قدروه من آثار الإرادة وهو مقصود المسألة وما تقدم عليه فهو في حكم التوطئة والتمهيد.
-
فنقول: قد أثبتم معاشر البصريين لقول القائل افعل على حكم الأمر صفة فزعمتم أن اللفظ يتميز بها عما يقع حكاية وهذا بهت ومناكرة فإن اللفظ أصوات متقطعة وحروف منتظمة وهي ممن يبغي أمرا كهى ممن يحكى قطعا وليس للأصوات في ذواتها صفات تميز قبيلا عن قبيل نعم الامر يجد في نفسه إرادة وتجريد قصد.
-
ثم التطم البغداديون والبصريون فنسب البصريون الكعبي إلى التحكم بإثبات صفة لذوات الأصوات وقال الكعبي مجيبا ما نسبتموني إليه قد التزمتموه إذ أثبتم.
- ج ١ ص ٦٦
الصفة من أثر الإرادة فلا فرق في أصل الصفة.
-
فإن قيل ما أنكرتموه منهم يلزمكم مثله في العبارة عن الأمر القائم بالنفس فقد يلفظ اللافظ بقوله افعل وهو يبغى حكاية وقد يلفظ وهو ينتحى تعبيرا عن الأمر القائم بالنفس فكيف يقع اللفظ عبارة عن الأمر وما يتردد بين جائزين لا يختص بأحدهما إلا بالإرادة فبم يصير اللفظ عبارة عن الأمر.
-
١٢٧- قلنا المسلك الحق عندنا في ذلك أنه لا بد من قصد إلى إيقاع اللفظ مشعرا بالأمر القائم بالنفس ولكن ليس لذلك اللفظ منه صفة وإنما يحصل الإشعار بقرائن الأحوال ولو هدى المعتزلة لذلك لما ارتكبوا [في مذهبهم] ما ارتكبوه في مذاهبهم.
-
وحاصل القول أن المراد الحقيقي هو الأحوال المقترنة باللفظ فإن كان في عين اللفظ مزيد من رفع صوت أو غيره فهو ملتحق بفن الأحوال.
-
مسألة في صيغة الأمر.
-
١٢٨- الصيغة هي العبارة المصوغة للمعنى القائم بالنفس وهذه المسألة مترجمة بأن الأمر هل له صيغة وهذه الترجمة إذا أطلقناها فالمراد بها أن الأمر القائم بالنفس هل صيغت له عبارة مشعرة به.
-
وإذا قال نفاة كلام النفس للأمر صيغة فنفس الصيغة عندهم هي الأمر فصيغة.
-
الأمر إذا أضيفت إلى الأمر لم تكن الإضافة حقيقية وهي في مذهب قول القائل نفس الشيء وذاته فإذا لاح ما نعني بالصيغة في كل مسلك فقد اختلفت الاراء في المقصود المعنوي من المسألة.
-
١٢٩- فالمنقول عن الشيخ أبي الحسن١ رضي الله عنه ومتبعيه من الواقفية أن العرب ما صاغت للأمر الحق القائم بالنفس عبارة فردة وقول القائل افعل متردد بين الأمر والنهي نظرا إلى مذهب الوعيد وإن فرض حمله على غير النهي فهو متردد بين رفع الحرج على مذهب قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} , وبين الاقتضاء ثم هو في مسلك الاقتضاء متردد بين الندب والإيجاب فتبين من مجموع ما ذكرناه تردد اللفظ عند الواقفية بين هذه الجهات كلها.
- ج ١ ص ٦٧
ثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه فقال قائلون اللفظ صالح لجميع هذه المحامل صلاح اللفظ المشترك للمعاني التي هيئت اللفظة لها.
وقال آخرون: ليس الوقف مصيرا إلىدعوى الاشتراك وضعا في اللسان ولكن المعنى به أنا لا ندري على أي وضع جرى قول القائل "افعل" في اللسان فهو إذا مشكوك فيه على هذا الرأي.
-
ثم نقل بعض مصنفي المقالات أن أبا الحسن رحمه الله يستمر على القول بالوقف مع فرض القرائن وهذا زلل في النقل بين والوجه أن يورك بالغلط على الناقل فإنه لا يعتقد الوقف مع فرض القرائن الحالية على نهاية [الوضوح] ذو تحصيل.
-
١٣٠- والذي أراه في ذلك قاطعا به أن أبا الحسن رحمه الله لا ينكر صيغة تشعر بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس نحو قول القائل أوجبت.
-
وألزمت أو ما شاكل ذلك وإنما [الذي] تردد فيه مجرد قول القائل افعل من حيث ألفاه في وضع اللسان مترددا فإذا كان هذا كذلك فما الظن به إذا اقترن بقول القائل [افعل] لفظ أو ألفاظ من القبيل الذي ذكرناه مثل أن تقول افعل حتما [أو] افعل واجبا.
-
نعم: قد يتردد في أن الصيغة التي فيها الكلام إذا اقترنت بالألفاظ التي ذكرناها ما المشعر بالأمر النفسي؟ الألفاظ المقترنة بقول القائل افعل؟ أم هي في حكم التفسير لقول القائل افعل وهذا تردد قريب.
-
ثم ما نقله النقلة يختص بقرائن المقال على ما فيه من الخبط فأما قرائن الأحوال فلا ينكرها أحد.
-
فهذا هو التنبيه على سر مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي رحمهما الله وطبقة الواقفية.
-
١٣١- فأما المعتزلة فلم يقف على حقيقة مذهبهم إلا خواص الأصوليين فذكر بعضهم أن "افعل" لرفع الحرج ثم يصير مع الاقتران بالوعيد على الترك مقتضيا إيجابا وبالاقتران بوعد الثواب على الفعل مع [التخيير] في الترك مقتضيا استحبابا وأصل اللفظ لو تجرد لرفع الحرج.
- ج ١ ص ٦٨
وذهب ذاهبون منهم إلى أن مقتضاه عند الإطلاق الندب وهو أقرب إلى حقيقة مذهب القوم من الأول وإن لم يكن ناصا على سر مذهب القوم.
-
وصرح صاحب المغنى في شرح العمد بسر المذهب فقال الصيغة التي فيها الكلام موضوعة للدلالة على إرادة مطلقها الامتثال فهذا مقتضاها ثم لا يكون المراد إلا طاعة بيد أن الطاعة تنقسم إلى المستحب والمستحق فإن اقترن باللفظ وعيد كان الوعيد دالا على الوجوب ومدلول اللفظ الإرادة فحسب فيخرج منه إذا أن اللفظ ليس مترددا بين معنيين وإنما معناه الإرادة والوجوب متلقى من الوعيد المقترن به.
-
١٣٢- وأما جميع الفقهاء فالمشهور من مذهب الجمهور منهم أن الصيغة التي فيها الكلام للإيجاب إذا تجردت عن القرائن وهذا مذهب الشافعي رحمه الله والمتكلمون من أصحابنا مجمعون على اتباع أبي الحسن في الوقف ولم يساعد الشافعي١ منهم غير الأستاذ أبي إسحاق٢.
-
١٣٣- والذي يقتضيه الترتيب المفضي إلى درك الحق البداية بذكر متعلق مذهب الواقفية والاعتراض عليه ثم إذا نجز أتبعنا مذهب المعتزلة بالرد عليهم ثم نذكر معتصم الفقهاء ثم نختم القول بالحق المبين.
-
فأما الواقفية فحاصل كلامهم راجع إلى منهاج واحد وإن ترددت العبارة عنه ونحن نسرده فنقول قول القائل "افعل" ليس مختصا بمحل أخذا من مسالك العقول فإن العقول لا تجول في مقتضيات العبارات فمن ادعى اختصاص اللفظ بجهة فسيتلقى ما يدعيه من النقل والنقل ينقسم إلى الشرع واللسان فإن قيل هو متلقى من اللسان قيل لمن يدعي ذلك أتنقل هذا منصوصا عليه أم تستفيده استنباطا من مأخذ اللغة فإن زعم المخاطب أن النقل فيه صريح من العرب فهو مباهت ثم يرد عليه تقسيمه فيقال النقل ينقسم إلى ما يقع متواترا وإلى ما يقع آحادا فإن ادعى الثقل آحادا لم٣ يحتفل به فإن نقل الآحاد لا يوجب علما والمطلوب في هذه المسألة العلم وإن ادعيت النقل تواترا كان ذلك محالا فإن النقل المتواتر يوجب العلم الضروري ويتضمن استواء طبقات [جميع] العقلاء في دركه كما سيأتي [ذلك] مشروحا في أحكام الأخبار ونحن معاشر الواقفية مصرون على المخالفة مستمرون.
- ج ١ ص ٦٩
عليها على مر الآباد من غير نكر وعناد فقد بطل التلقي من جهة النقل الصريح.
-
فإن زعم من نخاطبه أن يتلقى اختصاص الصيغة من مأخذ اللغة ومصادرها ومواردها فمعنى ذلك أنه ألفى اللفظ الذي فيه الخلاف مستمرا للإشعار بالمعنى الذي يعتقده وهذا لا يمكن ادعاؤه فإن هذه الصيغة واردة على وجوه لا سبيل إلى جحدها.
-
فإن صار صائر إلى حمل بعض الوجوه على اقتضاء القرائن كان متحكما وكانت الجهة التي عينها حرية بأن تقدر فيها القرينة أيضا وإذا تحقق تعارض الأقوال وتساويها فيتضمن ذلك الوقف لا محالة.
-
وإن نسب المخاطب مذهبه إلى الشرع رد عليه تقسيم النقل الصريح والأخذ من الاستنباط كما سبق في اللغة وجرى الكلام على نحو ما مضى في اللغة.
-
هذا مساق كلام القاضي أبي بكر رحمه الله في مصنفاته.
-
١٣٤- والوجه في الرد والاعتراض عليه أن نقول للمتمسك بهذه الطريقة أبن لنا أصلك في اللفظ أتقول إنه مشترك أم تزعم أن ذلك غير معلوم منه أيضا فإن زعم أن اللفظ مشترك رد عليه تقاسيم الطريقة في العقل والنقل والتصريح والتلويح فإن الحكم على العرب بوضع اللفظ مشتركا ادعاء مفتقر إلى مستند إذ من أبواب اللغات الألفاظ المشتركات وإن زعم طارد الطريقة أنه لا يدري شيئا من ذلك لم يترك والركون إلى هذه العمامة العمياء والجهالة الجهلاء وقيل له اللفظ الذي فيه الكلام متردد في اللسان كثير التدوار في الحوار فكيف يجوز في مطرد العادة أن تتقرض العصور وتعتقب الدهور على إطلاق هذا اللفظ على تكرر وكرور لا يبحث عنه باحث ولا يبغى الوقوف على معناه وهذا محال لا سبيل إلى اعتقاده.
-
وقد رأيت كلام القاضي مائلا إلى دعوى الإشتراك أخذا من وجدانه هذا اللفظ على جهات في الكلام وإذا رجع إلى هذا المرجع لاح على قرب وكثب سقوط ما اختاره وأمكن أن يقال بم تنكرون على من يزعم أن التردد لمكان اختلاف القرائن وهذا لا سبيل إلى دفعه إلا بقاطع وتنسل بفرض هذا عليه دعوى القطع من يده وينعكس على الجهالة وقد بان بطلانها.
- ج ١ ص ٧٠
فهذا مقنع في إبطال ما اعتمده الواقفية وشفاء الغليل يتبين في آخر المسألة إن شاء الله تعالى.