باب الرد على من زعم أن العدالة هي إظهار الإسلام وعدم الفسق الظاهر الطريق إلى معرفة العدل المعلوم عدالته مع إسلامه , وحصول أمانته ونزاهته واستقامة طرائقه , لا سبيل إليها إلا باختبار الأحوال , وتتبع الأفعال التي يحصل معها العلم من ناحية غلبة الظن بالعدالة
٤ فقرات، ج ١ ص ٨١
- ج ١ ص ٨١
بَابُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَدَالَةَ هِيَ إِظْهَارُ الْإِسْلَامِ وَعَدَمُ الْفِسْقِ الظَّاهِرِ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْعَدْلِ الْمَعْلُومِ عَدَالَتُهُ مَعَ إِسْلَامِهِ , وَحُصُولِ أَمَانَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ وَاسْتِقَامَةِ طَرَائِقِهِ , لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا إِلَّا بِاخْتِبَارِ الْأَحْوَالِ , وَتَتَبُّعِ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَحْصُلُ ⦗٨٢⦘ مَعَهَا الْعِلْمُ مِنْ نَاحِيَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِالْعَدَالَةِ. وَزَعَمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنَّ الْعَدَالَةَ هِيَ إِظْهَارُ الْإِسْلَامِ وَسَلَامَةُ الْمُسْلِمِ مِنْ فِسْقٍ ظَاهِرٍ , فَمَتَى كَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا
ج ١ ص ٨٢وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، ثنا الْوَلِيدُ يَعْنِي ابْنَ أَبِي ثَوْرٍ , قَالَ أَبُو دَاوُدَ ح , وَثَنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا الْحُسَيْنُ يَعْنِي الْجُعْفِيَّ , عَنْ زَائِدَةَ الْمَعْنِيِّ , عَنْ سِمَاكٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ ـ قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ يَعْنِي رَمَضَانَ ـ فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؟ قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟» قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: «يَا بِلَالُ , أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا» قَالُوا: فَقَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ خَبَرَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَبِرَ عَدَالَتَهُ بِشَيْءٍ سِوَى ظَاهِرِ إِسْلَامِهِ , فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ كَوْنَهُ أَعْرَابِيًّا لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ عَدْلًا , وَلَا مِنْ تَقَدُّمِ مَعْرِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ بِعَدَالَتِهِ , أَوْ إِخْبَارِ قَوْمٍ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ حَالِهِ , وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ الْوَحْي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِتَصْدِيقِهِ , وَفِي الْجُمْلَةِ فَمَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ اقْتَصَرَ فِي قَبُولِ خَبَرِهِ عَلَى ظَاهِرِ إِسْلَامِهِ فَحَسْبُ ". عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ قَالَ: إِنَّمَا قَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ خَبَرَهُ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ سَاعَةَ إِسْلَامِهِ , وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ طَاهِرًا مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ , بِمَثَابَةِ مَنْ عُلِمَ عَدَالَتُهُ فَإِسْلَامُهُ عَدَالَةٌ لَهُ , وَلَوْ تَطَاوَلَتْ بِهِ الْأَيَّامُ لَمْ يُعْلَمْ بَقَاؤُهُ عَلَى طَهَارَتِهِ الَّتِي هِيَ عَدَالَةٌ لَهُ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ عَمِلُوا بِأَخْبَارِ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَمَنْ تَحَمَّلَ الْحَدِيثَ طِفْلًا وَأَدَّاهُ بَالِغًا. وَاعْتَمَدُوا فِي الْعَمَلِ بِالْأَخْبَارِ عَلَى ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ , فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ , وَلَا نَعْلَمُ الصَّحَابَةَ قَبِلُوا خَبَرَ أَحَدٍ إِلَّا بَعْدَ اخْتِبَارِ حَالِهِ وَالْعِلْمِ بِسَدَادِهِ وَاسْتِقَامَةِ مَذَاهِبِهِ وَصَلَاحِ طَرَائِقِهِ , وَهَذِهِ صِفَةُ جَمِيعِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ وَغَيْرِهِنَّ مِنَ النِّسْوَةِ اللَّاتِي رَوَيْنَ عَنْهُ وَكُلِّ مُتَحَمِّلٍ لِلْحَدِيثِ عَنْهُ , ⦗٨٣⦘ صَبِيًّا ثُمَّ رَوَاهُ كَبِيرًا , وَكُلِّ عَبْدٍ قُبِلَ خَبَرُهُ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ , يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَدَّ خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي إِسْقَاطِ نَفَقَتِهَا وَسُكْنَاهَا , لَمَّا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا , مَعَ ظُهُورِ إِسْلَامِهَا وَاسْتِقَامَةِ طَرِيقَتِهَا
ج ١ ص ٨٣أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ، ثنا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ مَعَ الْأَسْوَدِ فَقَالَ: أَتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: «مَا كُنَّا لِنَدَعَ كِتَابَ رَبِّنَا , وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ , لَا تَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ لَا» وَهَكَذَا اشْتُهِرَ الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ مَا: حَدَّثَنِي أَحَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ إِلَّا اسْتَحْلَفْتُهُ , وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَسْتَحْلِفُهُمْ , مَعَ ظُهُورِ إِسْلَامِهِمْ , وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَحْلِفُ فَاسِقًا وَيَقْبَلُ خَبَرَهُ , بَلْ لَعَلَّهُ مَا كَانَ يَقْبَلُ خَبَرَ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَسْتَحْلِفُهُمْ , مَعَ ظُهُورِ إِسْلَامِهِمْ وَبَذْلِهِمْ لَهُ الْيَمِينَ , وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ رُدُّوا أَخْبَارًا رُوِيَتْ لَهُمْ وَرُوَاتُهَا ظَاهِرُهُمُ الْإِسْلَامُ , فَلَمْ يُطْعَنْ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ , وَلَا خُولِفُوا فِيهِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ لِجَمِيعِهِمْ , إِذْ لَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى خِلَافِهِ لَوَجَبَ بِمُسْتَقَرِّ الْعَادَةِ نَقْلُ قَوْلِهِ إِلَيْنَا , وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي عَدَالَةِ الشُّهُودِ عَلَى مَا يَقْتَضِي الْحُدُودَ إِظْهَارُ الْإِسْلَامِ , دُونَ تَأَمُّلِ أَحْوَالِ الشُّهُودِ وَاخْتِبَارِهَا , وَهَذَا يُوجِبُ اخْتِبَارَ حَالِ الْمُخْبِرِ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَالِ الشُّهُودِ بِجَمِيعِ الْحُقُوقِ , بَلْ قَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: إِنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِظْهَارُ فِي الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ الْمُخْبِرِ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ فِي عَدَالَةِ الشَّاهِدِ , فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى ظُهُورِ الْإِسْلَامِ , يَحْصُلُ بِتَتَبُّعِ الْأَفْعَالِ وَاخْتِبَارِ الْأَحْوَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
- ج ١ ص ٨٣
أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو الْفَضْلِ الصَّيْرَفِيُّ وَحَمْدَانُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ حَمْدَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّحَّانُ , قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا دَاوُدُ بْنُ رَشِيدٍ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، ثنا شَيْبَانُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ , عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ , قَالَ: شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِشَهَادَةٍ , فَقَالَ لَهُ: " لَسْتُ أَعْرِفُكَ , وَلَا يَضُرُّكَ أَلَّا أَعْرِفَكَ , ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ , فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أنا أَعْرِفُهُ , قَالَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ , قَالَ: فَهُوَ جَارُكَ الْأَدْنَى الَّذِي تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَمُدْخَلَهُ وَمُخْرَجَهُ؟ قَالَ: لَا , قَالَ: فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الْوَرَعِ؟ قَالَ: لَا , قَالَ: فَرَفِيقُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ؟ قَالَ: لَا , قَالَ: لَسْتَ تَعْرِفُهُ , ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ "
- ج ١ ص ٨٣
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الطَّنَاجِيرِيُّ، ثنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاعِظُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ، ثنا أَبُو هَمَّامٍ، ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، ثنا مَصَادُ بْنُ عُقْبَةَ الْبَصْرِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي جَلِيسٌ لِقَتَادَةَ , قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: " هَلْ صَحِبْتَهُ فِي سَفَرٍ قَطُّ؟ قَالَ: لَا , قَالَ: هَلِ ائْتَمَنْتَهُ عَلَى أَمَانَةٍ قَطُّ؟ قَالَ: لَا , قَالَ: هَلْ كَانَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مُدَارَاةٌ فِي حَقٍّ؟ قَالَ: لَا , قَالَ: اسْكُتْ , فَلَا أَرَى لَكَ بِهِ عِلْمًا , أَظُنُّكَ وَاللَّهِ رَأَيْتَهُ فِي الْمَسْجِدِ يَخْفِضُ رَأْسَهُ وَيَرْفَعُهُ "
- ج ١ ص ٨٣
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ , قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَخِيتٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَرَّاقُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ , يَقُولُ: قَالَ لِي أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ: «مَا رَأَيْتُ الصَّالِحَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ»