١١- باب فضل العمل في أيام التشريق
١٢٧ فقرة، ج ٩ ص ٥
الصفحة ٣ من ٤
- ج ٩ ص ١٤
وقد يحمل عليه ما روي عن الصحابة من تفضل الحج على الجهاد، كما سبق.
-
وإن وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر، ولم يؤت به على الوجه الكامل من البر، فإن الجهاد حينئذ أفضل منه.
-
ويدل عليه - أيضاً -: أن النبي لما سئل عن عمل يعدل الجهاد، فقال: ((هل تستطيع إذا خرج المجاهد، أن تقوم فلا تفتر، وتصوم فلا
ج ٩ ص ١٥تفطر؟)) .
-
فدل على أن العمل من [فتور] في أي وقت كانَ يعدل الجهاد، فإذا وقع هذا العمل الدائم في العشر بخصوصه في عدد أيامه من سائر السنة، إلا من أفضل الجهاد بخصوصه كما تقدم.
-
ولهذا كان سعيد بن جبير - وهو راوي هذا الحديث، عن ابن عباس - إذا دخل العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه.
-
وروي عنه، أنه قال: لا تطفئوا مصابيحكم في العشر - يعجبه العبادة.
-
فإن قيل: هل المراد: تفضيل العمل في هذه العشر على العمل في كل عشر غيره من أيام الدنيا، فيدخل في ذلك عشر رمضان وغيره، أم على العمل في أكثر من عشر أخر من الأيام، وإن طالت المدة؟
-
قيل: أما تفضيل العمل فيهِ على العمل في كل عشر غيره، فلا شك في ذَلِكَ.
-
ويدل عليه: ما خرجه ابن حبان في ((صحيحه) ) ، من حديث جابر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة) ) . فقال رجل: يا رسول الله، هو أفضل أو عدتهن جهاد في سبيل الله؟ قالَ: ((هوَ أفضل من عدتهن جهاد في سبيل الله عز وجل) ) .
-
فيدخل في ذلك تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في
ج ٩ ص ١٦جميع أعشار الشهور كلها، ومن ذلك عشر رمضان.
-
لكن فرائض عشر ذي الحجة أفضل من فرائض سائر الأعشار، ونوافله أفضل من نوافلها، فأما نوافل العشر فليست أفضل من فرائض غيره، كما سبق تقريره في الحج والجهاد.
-
وحينئذ؛ فصيام عشر رمضان أفضل من صيام عشر ذي الحجة؛ لأن الفرض أفضل من النفل.
-
وأما نوافل عشر ذي الحجة فأفضل من نوافل عشر رمضان، وكذلك فرائض عشر ذي الحجة تضاعف أكثر من مضاعفة فرائض غيره.
-
وقد كان عمر يستحب قضاء رمضان في عشر ذي الحجة؛ لفضل أيامه، وخالفه في ذَلِكَ علي، وعلل قوله باستحباب تفريغ أيامه للتطوع وبذلك علله أحمد وإسحاق، وعن أحمد في ذَلِكَ روايتان.
-
وأما تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في أكثر من عشرة أيام من
غيره، ففيه نظر.
-
وقد روي ما يدل عليهِ:
فخرج الترمذي وابن ماجه من رواية النهاس بن قهم، عن قتادة، عن ابن
المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي قالَ: ((ما من أيام احب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بسنة، وكل ليلة منها بليلة القدر) ) .
- ج ٩ ص ١٧
والنهاس، ضعفوه.
-
وذكر الترمذي عن البخاري، أن الحديث يروى عن قتادة، عن ابن المسيب - مرسلا.
-
وروى ثوير بن أبي فاختة - وفيه ضعف -، عن مجاهد، عن ابن عمر، قالَ: ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة، ليس العشر؛ فإن العمل فيهِ يعدل عمل سنة.
-
وممن روي عنه: أن صيام كل يوم من العشر يعدل سنة: ابن سيرين وقتادة وعن الحسن: صيام يوم منه يعدل شهرين.
-
وروى هارون بن موسى النحوي: سمعت الحسن يحدث، عن أنس، قالَ: كان يقال في أيام العشر بكل ألف يوم، ويوم عرفة عشرة الآف يوم.
-
وفي ((صحيح مسلم) ) ، من حديث أبي قتادة - مرفوعا - ((إن صيامه كفارة سنتين) ) .
-
وهذه النصوص: تدل على أن كل عمل في العشر فإنه أفضل من العمل في غيره، أما سنة أو أكثر من ذلك أو اقل. والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك كله.
- ج ٩ ص ١٨
وحديث جابر الذي خرجه ابن حبان: يدل على أن أيام العشر أفضل من الأيام مطلقا.
-
وقد خرجه أبو موسى المديني من الوجه الذي خرجه ابن حبان، بزيادة فيهِ، وهي: ((ولا ليالي أفضل من لياليهن) ) .
-
وفي ((مسند البزار) ) من وجه آخر، عن جابر، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قالَ: ((أفضل أيام الدنيا العشر) ) .
-
وروي مرسلاً.
-
وقيل: إنه أصح.
-
وقد سبق قول ابن عمر في تفضيل أيام العشر على يوم الجمعة، الذي هوَ أفضل أيام الدنيا.
وقال مسروق في قوله: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} هي أفضل أيام السنة.
-
وهذه العشر تشتمل على يوم عرفة.
-
وفي ((صحيح ابن حبان) ) عن جابر - مرفوعا -: ((إنه أفضل أيام الدنيا) ) وفيه: يوم النحر.
-
وفي حديث عبد الله بن قرط، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ: ((أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر) ) .
-
خرّجه أبو داود وغيره.
- ج ٩ ص ١٩
وقد سبق في الحديث المرفوع: أن صيام كل يوم [منه] بسنة، وقيام كل ليلة منه يعدل ليلة القدر.
-
وهذا يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من عشر رمضان، لياليه وأيامه.
-
وقد زعم طائفة من أصحابنا: أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر.
-
وقد تقدم عن ابن عمر، أن أيام العشر أفضل من يوم الجمعة، فلا يستنكر حينئذ تفضيل ليالي عشر ذي الحجة على ليلة القدر.
-
وعلى تقدير أن لا يثبت ذلك، فقال بعض أعيان أصحابنا المتأخرين: مجموع عشر ذي الحجة أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا تفضل عليها غيرها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
-
وروى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن كعب: أحب الزمان إلى الله الشهر الحرام، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول.
-
وروي عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة – مرفوعا، ولا يصح، وكذا قال سعيد بن جبير: ما من الشهور أعظم حرمة من ذي الحجة.