٣٣- باب حك البزاق باليد من المسجد
٧٣ فقرة، ج ٣ ص ١٠٥
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٣ ص ١١٢
وروي عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن، قال: سأل أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أين ربنا؟ فأنزل الله - عز وجل -: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة:١٨٦] .
-
وروى عبد بن حميد بإسناده، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قَالَ: نزلت هذه الآية: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:٦٠] ، قالوا: كيف لنا به أن نلقاه حتى
ندعوه؟ فأنزل الله عز وجل على نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:١٨٦] ، فقالوا: صدق ربنا، هو بكل مكان.
-
وقد خرج البخاري في ((الدعوات) ) حديث أبي موسى، أنهم رفعوا أصواتهم بالتكبير، فقال لهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا،
ج ٣ ص ١١٣إنكم تدعون سميعا قريبا)) .
-
وفي رواية: ((أنه أقرب إليكم من أعناق رواحلكم) ) .
-
ولم يكن أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها، يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله، وإطلاعه على عباده وإحاطته بهم، وقربه من عابديه، وإجابته لدعائهم، فيزدادون به خشية لله وتعظيما وإجلالا ومهابة ومراقبة واستحياء، ويعبدونه كأنهم يرونه.
-
ثم حدث بعدهم من قل ورعه، وساء فهمه وقصده، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة - رضي الله عنهم -، وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه.
-
وتعلقوا - أيضا - بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله، مثل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}
- ج ٣ ص ١١٤
[الحديد:٤] وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: ٧] ، فقال من قال من علماء السلف حينئذ: إنما أراد أنه معهم بعلمه، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله أولئك، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن.
-
وممن قال: أن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان، وروي عنه أنه رواه عن
عكرمة، عن ابن عباس.
-
وقاله الضحاك، قال: الله فوق عرشه، وعلمه بكل مكان.
-
وروي نحوه عن مالك وعبد العزيز الماجشون والثوري واحمد وإسحاق وغيرهم من أئمة السلف.
-
وروى الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن نافع، قال: قال مالك: الله في السماء، وعلمه بكل مكان.
-
وروي هذا المعنى عن علي وابن مسعود - أيضا.
وقال الحسن في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} [الإسراء:٦٠] ، قال: علمه بالناس.
-
وحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله:
{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد:٤] أن المراد علمه.
-
وكل هذا قصدوا به رد قول من قال: أنه تعالى بذاته في كل مكان.
- ج ٣ ص ١١٥
وزعم بعض من تحذلق أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ؛ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام؛ فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم، وإنما أرادوا أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها ففيها معلوماته، لا صفة ذاته، كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [طه:٩٨] وقوله: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً} [غافر:٧] وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد:٤] .
وقال حرب: سألت إسحاق عن قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة:٧] ؟ قال: حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه.
-
وروى عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب مر بقاص، وقد رفعوا أيديهم، فقال: ويلكم! أن ربكم أقرب مما ترفعون، وهو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد.
- ج ٣ ص ١١٦
وخرجه أبو نعيم، وعنده: أن المار والقائل بذلك هو ابن عمر.
-
وخطب عمر بن عبد العزيز، فذكر في خطبته: أن الله أقرب إلى عباده من حبل الوريد. وكان مجاهد حاضرا يسمع، فأعجبه حسن كلام عمر.
-
وهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية، كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه؛ قالَ تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء:١٠٨] ، ومعيته مع أهل طاعته خاصة لهم، فهوَ سبحانه مع الذين اتقوا ومع الذين هم محسنون. وقال لموسى وهارون: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه:٤٦] وقال موسى: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:٦٢] وقال في حق محمد وصاحبه
{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:٤٠] .
-
ولهذا قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي بكر في الغار: ((ما ظنك بأثنين الله ثالثهما) ) .
-
فهذه معية خاصة غير قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة:٧] الآية، فالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه وإطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه. والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته، فكذلك القرب.
-
وليس هذا القرب كقرب الخلق المعهود منهم،
ج ٣ ص ١١٧كما ظنه من ظنه من أهل
الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين، كما أن الموصوف به {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:١١] .
-
وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا فإنه من نوع قرب الرب من داعيه وسائليه ومستغفريه.
-
وقد سئل عنه حماد بن زيد فقال: هو في مكانه يقرب من خلقه كما يشاء.
-
ومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين.
وقال حنبل: سألت أبا عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قالَ: نعم. قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا، مالك ولهذا؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، إلا بما جاءت به الآثار، وجاء به الكتاب، قال الله: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [النحل:٧٤] ينزل كيف يشاء، بعلمه وقدرته وعظمته، أحاط بكل شيء علما، لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هرب هارب، عز وجل.
-
ومراده: أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين، بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء، والمخلوقون لا يحيطون به علما، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه، أو أخبر به عنه رسوله.
-
فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من
ج ٣ ص ١١٨غير زيادة ولا نقص، وما أشكل فهمه منها، وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه.
- الحديث الثاني:
- ج ٣ ص ١١٨
٤٠٦ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى بصاقا في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه؛ فإن الله قبل وجهه إذا صلى) ) .
- الحديث الثالث:
- ج ٣ ص ١١٨
٤٠٧ - ثنا عبد الله بن يوسف: ثنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى في جدار القبلة مخاطا - أو بصاقا، أو نخامة - فحكه.
-
قد ذكرنا في الكلام على حديث انس ما يكون شرحا لهذين الحديثين، فلا حاجة إلى إعادته.